Moneem A Daikah
Moneem A Daikah

@m20_el

13 تغريدة 5 قراءة May 31, 2022
أغلب القراء العرب المهتمين بشعر الشاعر الشهير سركون بولص يقرؤون شعره دون أن يعملوا ذهينتهم فيما يقول سركون، فهل ما يقوله يدخل ضمن الشّعر؟ هل يتحرك سركون في شعره ضمن نسقٍ ما؟ ما الرسالة التي يريد إيصالها؟ وهل يمكن لي ولك أن أنتقد القامة الشعرية سركون بولص؟
يقول سركون بولص في قصيدة له:
"على الشاطئ لوطيان أسودان وفتاة تسير بمهل ناظرة إلى المحيط، قريبا منهما، حافية
أحد اللوطيين الزنجيين جلس في الرمل، كان هناك كلب
كبير من نوع كلاب الرعاة يلهث بالقرب من قطعة خشب"
ما مبتغى الشاعر هنا؟ ماذا نفهم؟
هذه الكلمات المفحمة بالنسقية الشبقية الإقصائية تؤسس لعقلية عنصرية وتمييزية، وهي ظاهرة للعيان بقوله "أسودان/زنجيان" كما أن الصورة الشعرية للزنجيين جاء على شكل عملية جنسية "مثلية" واختار سركون لفظة دينية مخصوصة بقوم لوط الذين مارسوا الجنس المحرم شرعا وعرفا وهو ما يعرف "باللواط".
ونص سركون جاء محملاً بنسق صارخ للذات الشعرية، حيث عمل على أنساق الإهانة والحطّ من قيمة الزنوج والسود حين كسروا القاعدة الدينية والأخلاقية معا بفعلهم اللوطي. يصف الغذامي هذا الأمر بشعرنة الذات الذي أصابها بالعطب الأخلاقي واللاعقلاني واللافاعلي، فامتهنت كرامة الآخر في الشعر العربي.
إنّ نصّ سركون عمل على الذاكرة الثقافية التي تقصي الآخر/الأسود وترى في الأنا/الفحل الأبيض إنسانا كاملاً لا يخرج على نسق الطبيعة الجنسية والأخلاقية، ولذا فما كان أمام فحولة الشاعر سركون إلا امتهان كرامة الآخر/الأسود وجرح إنسانيته وطبيعته؛ ليظهر لنا بمظهر الفاسد في غريزته وأخلاقه.
الغريب أن سركون شاعر حداثي عمل على نسق لاأخلاقي ولاعقلاني يقصي، بل يلغي الآخر ويمحوه محوا من الوجود الطبيعي للإنسانية، ويسهم بذلك في تثبيت قيمة الفحل الطبيعي والأخلاقي، فهل كان سركون مخطئا في ذلك؟ لم يحقر ويشوه ويجرح كرامة المختلف عنا؟ وعندي أن سركون عمد على ذاكرته الثقافية.
فالذاكرة الثقافية محملة بأنساق الهيمنة والفحولة وإقصاء وتهميش بل قطع صلة بالآخر سواء أكان امرأة أم أسودا أم غير مسلم؛ فحتى لفظة "أجنبي" سيئة الدلالة والاستعمال؛ لأنها تحيلنا على مقولة النص القرآني "ولاجنبا إلا عابري سبيل" فغير المسلم يعد جُنبا وأجنبيّا ينبغي إزاحته والابتعاد عنه.
كما أن لفظة "الأعاجم" تحيلنا إلى لفظة العجم التي تعني في قواميس اللغة الذي لا يفصح ولا يبيّن عن كلامه، والمعجم من الكلام المبهم، ويعني أيضا الشاة المهبمة؛ ولذا سُمّيت الحيوانات بالبهيمة، والحال أن ذاكرتنا الثقافية مثقلة ومحملة بأنساق إقصائيّة وتهميشية تعلي من الأنا والفحل والذكر.
وقصارى القول، أنّ ثقافة التمييز والاقصاء وشطب الآخر متجذّرة في لاوعي الشاعر سركون بولص ولم يتحرر منها بعد حتى مع الحداثة التي أذابت الفروق العرقية والجسدية واللونية بين بني البشر. فلماذا لم يروّض الشاعر ذاته وعقله ويكرم الأنا ويهن الآخر ويصادر حقّه في الوجود الطبيعي؟ لا تعليق.
إضافة إلى أن الشاعر عمد على إضافة نسق آخر حين قرن الزنجيين بالكلب؛ ليؤسس لنسق الإهانة والحطّ من قيمة إنسانيتهم وآدميتهم في سبيل الإعلاء الأنا الشعرية التي خرّبت هي والأنساق الذاكرة الثقافية، وظنّي أن سركون سليل مدرسة المتنبّي ونزار قباني وأدونيس الذين انتفخت ذواتهم أمام الآخر.
لا زال الشعر وقصائد الشعر الحر تراوح مكانها ولم تخرج عن ثنائية "الأنا/الآخر"، فأيّ إبداع شعري وحداثة شعرية نتحدث عنها؟ كلّ ذلك تغطى بالجماليّات وتوسل بالبلاغة والشعرية المفرطة؛ ليمرّر النّسق المضمر سمومه الثقافيّة وتتشعرن الذات، حتى تترسخ في اللاوعي كل إقصائية وفحولة الأنا.
ومع هذا لازال كثير من القراء العرب يردّدون جملة نيتشه التي تقول: الناقد والحلاق والقمل يقتاتون من رأس الغير محاولاً نيتشه تهميش دور الناقد للشعر وللفلسفة، وأعلم أن مثالب نيتشه لا تعد ولا تحصى لكنّ الذهنية العربية أصابه "العمى الثقافي، العطب الفكري" كذلك هو الشعر وحداثيوه.
@rattibha شكرا

جاري تحميل الاقتراحات...