ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

19 تغريدة 79 قراءة Mar 16, 2022
أول عالمة رياضيات ، وفيلسوفة ذات شأن، كانت من الجمال والإلهام بمكان بحيث صارت أيقونة تاريخية لهما، عاشت بالقرن الرابع الميلادي، وأحيطت حياتها بكثير من الاثارة والأحداث، ولا تزال قصتها حاضرة كمثال على ما يمكن أن تقترفه الكراهية من جرائم.. من هي وماذا فعلت بها الكنيسة!
#حياكم_تحت
بينما الفيلسوف السكندري ثيون يُدرّس لطلابه في بهو مكتبة الإسكندرية، خبر سار يرفرف في أرجاء المكان، بشير يحلق من بعيد: يا سيد ثيون؛ لقد ولِدت لك ابنة! حبور يتنزل وسرور لم يعايش مثله قط، هرولت قدماه مسرعةً باتجاه بيته باحثًا عن نظرة أولى لصغيرته، نظرة ستبقى للأبد.
هيباتي هو الاسم الذي اختاره لابنته، اسم حالم مستمد من اليونانية، يتقاطع نطقه مع كثير من الألق، ثيون عالم رياضيات وفلك وفيلسوف متبحر في الأفلاطونية، يقضي جل وقته يدرس لطلابه، وكان هذا دافعا لابنته أن تتبعه إلى محاريب العلم، تتزود منه بالمعرفة وتتأمل من خلاله مجريات النجوم والسماء.
في ذلك الوقت كان ثمة اتجاهين في الفلسفة يُدّرسان في مدارس الإسكندرية ومجمعاتها، الأول هو الأفلاطونية الوثنية وهو اتجاه فكري ديني متطرف، والثاني هو الأفلاطونية الحديثة وهو اتجاه أكثر اعتدالا وأقل إثارة للجدل، وهذا هو الاتجاه الذي تبنته هيباتيا ومن قبلها أبيها ثيون.
مع سطوع نجمها في مكتبة الإسكندرية وإحرازها لكثير من الشهرة بسبب ما تثيره من نقاشات فكرية عميقة مع معلميها، وبعد أن تلقت ما يكفي من العلوم على يد أبيها وأفذاذ عصرها، أخيرًا أتيح لها المجال أن تحاضر وأن تحل مكان والدها في إدارة مدرسته الأفلاطونية.
إبحار شديد العمق في الرياضيات وفروعها، وإلمام كافٍ بعلم الفلك، وحضور طاغٍ في الفلسفة وما يتعلق بها، مهد لها الطريق أن تكون أول امرأة في التاريخ يلمع نجمها كفيلسوفة وعالمة في الرياضيات والفلك، كل هذا العلم مكنها من تحقيق إنجازات علمية وتطبيقية مرموقة أنتجتها فيما بعد.
فضلًا عن مؤلفاتها التي فُقِد معظمها، وشروحها وتصحيحها لكتاب المجسطي لبطلميوس، قامت هيباتيا بابتكار طريقة جديدة حسنت بها القسمة المطولة، كما قامت هيباتيا بصنع جهاز الاسطرلاب، واخترعت أداة أخرى لديها القدرة على قياس كثافة السوائل.
كانت الرياضيات بالنسبة لـ هيباتيا وأرباب الأفلاطونية الحديثة بمثابة تعبير روحي يتوزع على أربعة اتجاهات هي الحساب والهندسة والفلك والموسيقى، هذه الموضوعات لم تكن تُدّرس لإشباع الفضول فقط، ولكن لأن دراستها كانت مصداقًا لإيمانهم، وذلك على اعتبار أن الأرقام هي اللغة المقدسة للكون.
على الرغم من أن هيباتيا كانت محسوبة على الوثنية وهي الديانة التي كانت عليها مصر الرومانية قبل انسراب المسيحية إليها، إلا أنها لم تؤد صلواتها إلى إله محدد ولم تذهب إلى أوثان قومها، بل كان منضوية تحت فكرها سابق الذكر، والذي كان متلاقيًا منفتحًا على أصول دينية متعددة.
سمح لها هذه الاتجاه الفكري واسع الأفق أن تكون متسامحة لأبعد مدى، فضمت محاضراتها أشخاصًا منسوبين إلى اليهودية والمسيحية والوثنية جنبًا إلى جنب، كما اعتاد الجميع أن يروا مواكب الطلاب تأتيها من أقاصي الإمبراطورية بحثًا عما تقدمه من فكر وتأمل وشروحات حصرية لعلوم الأقدمين.
استطاعت هيباتيا أن تستل الكراهية من قلوب طلابها، وأحاطت بهم في دائرة آسرة من السكينة والتسامح، وذلك على الرغم مما تموج به مدينتها الإسكندرية حينذاك من اضطراب ديني وسياسي غاشم لم تشهد البلاد له مثيلًا من قبل، روح متسامحة جامعة للمتفرقين لم تكن لترضي أبدًا قساوسة الدين.
دنا الوقت من أوائل القرن الخامس الميلادي، حيث المسيحية حينذاك كانت قد تجاوزت مراحل اضطهادها المريرة، إلى مرحلة جديدة من السؤود والانتشار، وباتت الكنيسة في الإسكندرية ذات صوت مسموع وأتباع كثر، ينتظرون إشارة الراعي كي ينطلقوا عابثين في الأرجاء.
الشهرة واسعة الآفاق لـ هيباتيا، والحب المحفوفة به، سببت حرجًا بالغًا للكنيسة وراعيها حينذاك الأسقف كيرلس الأول، لقد رفضوا رسميًا أقوالها الأفلاطونية حول طبيعة الإله، ووصموها بالسحر والزندقة، وضاقوا ذرعًا من علاقتها الوثيقة مع والي المدينة أورستوس، والذي كان يستشيرها في كل شيء.
نتيجة لتلك العلاقة نما خلاف سياسي شديد بين البابا بما أصبح عليه من قوة حينذاك، وبين والي المدينة بسبب صداقته لهيباتيا وتقديره وتبجيله لها، لذلك عبر الشحن النفسي لجموع أتباعه بنى البابا فرقة غوغائية مسلحة من الرهبان باتت مستعدة للقيام بأي شيء في سبيل فكرها ومعتقدها.
هذا ما كانت مستعدة له وقد كانت خصومة المسيحيين مع اليهود فرصة كي يثبتوا قدرتهم، حيث تتبعوا كل يهودي في الإسكندرية قتلًا وتعذيبًا وطردًا، وسرت بتلك الأحداث اضطرابات وفوضى عارمة في المدينة، لم يستطع أمامها الوالي إلا أن يرسل تقريرًا إلى الإمبراطور يتهم فيه الكنيسة بالضلوع في الأمر.
البابا كيرلس منزعج من التقرير، ويغلبه الظن رفقة أتباعه من أن هيباتيا له دور في إرسال الوالي لهذا التقرير، صدر القرار سريعًا بتتبع هيباتيا هي الأخرى وقتلها، كونها في رأيهم ساحرة ضالة زنديقة تثير المدينة بأفكار بعيدة عن الكتاب المقدس، فلم يمكن من الأتباع إلا أن تجهزوا لتنفيذ الحكم.
حين ذاك كانت هيباتيا مستقلة عربتها التي تجرها الأحصنة، عائدة من إحدى ندواتها نحو بيتها، حين اعترضتها جموع المسيحيين الغاضبين قرب الشاطئ، فاستوقفوها وأنزلوها عنوة، والتفوا حولها وانهالوا عليها ضربًا، ثم جردوها من ملابسها، وقاموا بجرها عارية في شوارع الإسكندرية.
بعدها وإمعانًا في الانتقام من هذه "الساحرة الضالة" كما تصوروها، قاموا بسلخ الباقي من جسدها بالأصداف إلى أن صارت جثة هامدة، ثم ألقوا بها على كومة من الحطب والخشب وأشعلوا فيها النيران، صارت رمادا ربما، لكنه رماد عرف الخلود التاريخي من خلال ذكر إيجابي لها لا يزال حاضرًا.
كبدر أطفئ؛ هكذا كان مقتل هيباتيا، والتي ذهبت ضحية للتطرف والحمية الدينية المنفلتة، التي تضيق بالآخر وبرأيه ولا ترى إلا ذاتها، على حين أن جوهر الدين الحق في كل زمان ومكان؛ لا يخشى الفكر ولا يحجر عليه، وبالطبع بعيد كل البعد عن مثل هذه الممارسات البشعة.

جاري تحميل الاقتراحات...