حين نستمع لمقطوعة أو أغنية هل نفكّر في اللحن؟ في الكلمات؟ في الوزن؟ أم نهيم ونروي الظمأ الأنطولوجي لنا ونكتفي بالاستشفاء والترويح عن النفس؟ التّفكير أثناء الاستماع للموسيقى من مهام الفيلسوف أو الحاذق والنبيه، ومن يفكّر أثناء الموسيقى يشعر بالسّمو الروحي والفكري في الآن نفسه.
لو سألنا هذه الأسئلة فإن النتيجة ستكون: تحرر إبداعي، وأفكار متنورة ومنفتحة على كل الاتجاهات والمشارب، فالموسيقى تفتح مسامات الجسم العقلاني، لينفذ النور بداخله. ومع الألحان والتفكير فيها نسافر من مكان لآخر، إلى أزمنة وأمكنة فريدة لا يفهمها إلا البعض، وهي تقتصر على نخبة المستمعين.
إن الموسيقى شيء منفصل عن الواقع، تتجاوز الحدث الموضوعي، وهي تعبير مباشر صرف، وإذا لم تناقش الموسيقى عقل المستمع، فلا يعوّل عليها. ناهيك عن أن الموسيقى تعطي لونا للحياة، فما الذي سيستفيده الإنسان من الحياة إذا لم تكن بصحبته الموسيقى لتحرّر مشاعره وعواطفه وأفكاره وعقله؟
في الموسيقى ثمة لحظة إبداعية تتجلى وتتخلى سريعا عن المتلقي وسمعه، قليل ممن يستطيع القبض على هذه اللحظة، وفي ظني أن هذه اللحظة هي اللحظة التي تدفع العقل للتفكير في شيء مختلف، ربما هي الفرصة التي تحرّره من أسر وقيد الشهوات والأفكار الكلاسيكية، ثمة لحظة في الموسيقى فاغتنموها!
والسؤال: كيف يمكن للمتلقي أن يغتنم نفحة هذه اللحظة؟ ببساطة، يمكن لأيّ متلقّ ومستمع للموسيقى أن يقبض على هذه اللحظة حين يتحد التفكير العقلاني مع الموسيقى، فمن خلال التوحيد بين الأمرين ستمر اللحظة كمرور شريط الذكريات أمامنا، ستسير اللحظة ببطء، ليتلقفها العقل ويمزجها مع شعوره وفكره.
أرى بأننا في حاجة للتحليل الفلسفي للأغنية التي نسمعها؛ لنأولها ونفسرها ونعيد التفكير فيما تقول هذه الأغنية وتلك. كلنا نسمع لأم كلثوم وهي تتحدث مع محبوبها، فمن هو محبوبها؟ هل تناجي الله؟ كيف تناجيه؟ كيف مزجت الشّعبي مع الصوفي؟ أيّ تشابه نمر به أنا وأنتِ بما تغنّي به أم كلثوم؟
والقدرة على تحليل الأغنية فلسفيا تعطي انبطاعا وشعورا بالسعادة من ناحية الشعور، ومن ناحية أخرى تستفزّ العقل، ربما نمرّ بعلاقة إنسانية وجنسية أو نقدم على فعل ما مع المحبوب، كيف نقدم له وردة؟ كيف نقبّله؟ ما السر الذي يأسر المحبوبة أو المحبوب؟ هل نعي ما نقول حين نتلفظ بكلمة "أحبك"؟
عبر أدوات التفلسف "السؤال، والهيرمينوتيقا والتداولية" يمكننا فهم ما يصبو إليه الفنان، ويمكننا أيضا كيفية التعامل مع الآخرين عبر كلمةٍ أو وصف تقوله فنانة أو فنّان أو موسيقى هادئة؛ لحظة ذاك نشعر ونفكّر بعمقٍ كبير تجاه الأشياء والجسد والعقل والعالم والوجود.
إن الشعور والتفكير في الموسيقى يظهران سمو الإنسان وجوهره الفريد، ربما تعجز العلوم والفنون الأخرى وتنجح الموسيقى في هذه المهمة؛ لأنها تحتاج لصمت وتأمّل واستغراق، هي لغةٌ لا تُفهم إلا على صمتّ وسكون وهدوء، لتفيض بمعاني ومباني الحكمة، والإنسان وقتها في حاجة لها أحوج من المال أحيانا.
إنّ الفلسفة والموسيقى كما يقال في تلازم تامّ؛ لأنهما يساعدان المفكر والإنسان ليبقى مجرّدا من واقعه، ومتجردا ومتفردا عما في الوجود؛ فالمشكلة التي تمرّ بنا تحتاج للراحة والتأمل والهدوء، فهل ستفلح الموسيقى في هذا الشيء؟ نعم؛ لأننا نستشفي عبرها، ونكتب تعبيرا عن حزننا وتهدّأ من روعنا.
والموسيقى فاتحة للعقول ومحررة لها مما تولده -العقول- من مشاكل الحياة اليومية، زد على ذلك أنّ الموسيقى تعطي مساحة تامة للتفكير والشعور، فما هذه المساحة؟ هذه المساحة يعبّر عنها فلسفيّا بالحرية التي نحن في حاجة لها أكثر من حاجتنا للجنس والمال أحيانا، هذه حسنات اتحاد الموسيقى والفكر.
@rattibha وشكرا
جاري تحميل الاقتراحات...