1- إن مفهومَ الإنسان، من حيث ما يعنيه من امتلاك الفرد البشريّ آلةَ اللغة وتوفّره على وعيٍ بذاته وبالعالَم، واحتياجه إلى العيش مع الآخرين، إنّما هو أمرٌ قد استلزم حدوثَ واقعة تُفجِّر فيه بدايات ملحمتِه اللغويةِ، وتفتح عينيه على لذّةِ شعوره بأنه ليس وحيدا في الكون، وهي لذّة ==
2- وهي لذّة مشروطٌ وُجودُها بحماية أسباب وجود الآخر، وذلك لـ"أنّ حاجةَ بعضِ النّاسِ إلى بعضٍ صفةٌ لازمةٌ في طِبائعهم، وخِلْقةٌ قائمةٌ في جواهِرِهم" وهذا ما أُخمّن أنه قد تَحقَّق شيئا فشيئا خلال لحظات انتقال البشريّ من انتزاع الطعام من غيره بالقوّة إلى مشاركة الطعام معه بالرِّضا
3-وتفصيل ذلك أنه لمّا كان السَّطوُ على الآخَرين فعلاً خاطفًا لا يحتاج إنجازُه إلى تفاوضٍ لُغويٍّ (مَن يسطو لا يكون له وقتٌ للكلام، بل هو لن يحتاج إلى الكلام أصلا: أنْ يسطو المرءُ يعني أن يُعطِّل ماكينة الكلام، أنْ ينفيه)، فيكون ممكنًا حينئذ اعتبارُ أنّ التخلُّقَ ==
4-اعتبار أن التخلّق الأولَ لمفهوم الإنسانِ، ولجريان اللغة على لسانه، على حدِّ ما سبقت الإشارة إليه، إنّما قد ظهر مع أوّل فردٍ رغب في أن يُشاركه شبيهُه طعامَه، فاستضافه بواسطة جملةٍ من الإيماءات والأصواتِ الكامنةِ فيه وقد تألّفتْ تأليفًا بالطبيعةِ مناسبًا لتبليغ مُراده. ==
5-وإذا تمّ ذلك كذلك، وهو أمر معقول، يكون ممكنًا أيضًا تخيُّلُ أنّ ذاك الشبيهَ الضيفَ قد تنبَّه إلى طراوة التواصل مع مُضيِّفه، واعتراه من تلك الحادثة شعورٌ بالبهجة البشريّة، فألّف بدوره أصواتًا، وأبدى ملامحَ، خمّن أنها تُفيد شُكرَ صاحبِه، ==
6-وبتعبيرِه الشّاكرِ ذاك عَبَرَ من مرحلة الصَّمْتِ والإيماء إلى مرحلة ترتيب الصَّوْتِ، أي: إلى بدايات الكلامِ. وعليه، يرجع المجدُ في اكتشاف مفهومِ الإنسان إلى تلك اللحظة التي ظهرت فيها اللغة في فم البشريّ على إثر اجتماعه مع شبيهه حول الطعام، ==
7-وما نتج عن ذلك من نُهوضِ الرّوح البشريّة في الشبيه نهوضًا زرع فيه مشاعرَ الرّهبةِ وتأنيبِ الضمير، والحُبِّ، والبهجةِ، والاطمئنانِ إلى الآخر، فاختار أن يَرْعَوي عن السَّطْو على متاعِ مَن تَشارك معه الطعامَ ، بل ربّما سعى إلى حماية ذاك الطعامِ وحمايةِ صاحبِ الطّعام نفسِه.==
8-ولا شكّ في أنّ رغبةً في تمرير الشعور بالبهجة إلى الغير قد انتابت ذاك الشبيهَ أيضًا، ووجد في إشاعة تلك البهجة متعةً تغمر كلّ ذهنه وجسده، فقرّر بدوره أن يُنشئَها في نفسِ غيره وذلك بدعوة شبيهٍ آخر إلى أن يُشاركَه ما يزيد على حاجته هو من الطعام على حدِّ ما مرّ معنا القولُ فيه، ==
9-فنشأ من تلك المشاركة سببٌ للكلامِ، وهو ما سنجد له لاحقًا صورةً فلسفيةً في مأدبةِ أفلاطون التي يتحوّل فيها فعلُ الأكل إلى حدث كلاميّ.==
10-وبتلخيص هذا الطّور التاريخيّ أقول إنّه لمّا ساعد طعامُ البشريّ على ظهور كلامِه، وصار لسانُه، إضافة إلى كونه آلةً للطعام، آلةً لإدارة الكلام، احتاز وعيًا بذاته بكرًا ظلّ يتنامى لديه ويكبر مع كلّ تجربة يخوضها حتى بلغ مرحلةً أدارَ فيها شؤونَ معاشه، وشُغِفَ بالعالَم من حوله.
جاري تحميل الاقتراحات...