منى فضل الله
منى فضل الله

@Mona3iniMona

222 تغريدة 130 قراءة Feb 26, 2022
تمتد جذور إدارة المشايخ للقرى إلى العصر الفرعونى، واستمرت لا تتغير بتغير العصور والدول والنظم الإدارية، حتى وصلت إلى قمة نضجها فى العصر العثمانى، ويبدو أن من تقلد هذا المنصب كان من أبرز أفراد مجتمع القرية، وعائلته من أبرز عائلات القرية على الإطلاق.
ولقد لعب النيل دورًا هامًا فى انتقال الفلاحين من مكان إلى آخر فى حالة خراب القرى، خاصة الواقعة على أطراف الصحراء، فضلًا عن إهمال تطهير الترع والقنوات من جانب المسئولين، كما ساعدت رداءة المحاصيل وضعف الإنتاج أيضًا فى عملية تنقل الفلاحين من مكان إلى آخر،
وجميع هذه العوامل وغيرها ساهمت بدور فعال فى وجود تميز بين الريفيين.
وكان هناك نوعين من الفلاحين هما: الأحرار الذين نشأوا فى قراهم وارتبطوا بأراضيها، أما الآخرون فهم الذين لجأوا إليها نتيجة صعوبة العملية الإنتاجية بقراهم، وقد طلب الفلاحون المهاجرون الحماية من الفلاحين الأقوياء
الذين لجأوا إليهم لإقراضهم الأموال وأدوات الأنتاج مقابل تسديد ثمنها فى فترة لاحقة.
ولم يتغير وضع مشايخ القرى كثيرًا فى فترات التاريخ الإسلامى، وإن كان المسمى قد تغير فى بعض الفترات، فمثلًا تغير اسم شيخ القرية فى العصر الطولونى من "مازوت" إلى لقب "عميد".
ويبدو أن زيادة هجرات القبائل العربية لمصر وإقامة غالبيها بالريف أو على أطرافه نتج عنه اندماج بعض القبائل فى المجتمع الريفى، وبالتالى تولى هؤلاء العربان مشيخة القرى المقيمين بها لكونهم أكثر نفوذًا، فضلًا عن اكتسابهم الدعم من الإدارة الإسلامية.
إن أول ما يتبادر إلى الذهن عند التطرق لنشاط الأعيان الاقتصادى دراسة طبيعة نشاطهم فى المجال الزراعى باعتباره العمود الفقرى لنشاطهم الاقتصادى، كما إنه المُشكل الرئيسى لملامح نشاطهم فى جميع قطاعات الإنتاج، ومحدد رئيسى لنوعية مهن معامليهم وله أيضًا انعاكسات أخرى على حياتهم الريفية.
مثلت الأرض الزراعية بالنسبة للأعيان خاصةً وأهالى الريف عامةً القاعدة الأساسية التى ارتكز عليها نشاطهم الاقتصادى فى كافة المجالات، ومن ثم فعلاقتهم بالأرض لعبت دورًا محوريًّا ليس فقط فى تحديد وضعهم الاقتصادى والإجتماعى بالريف فحسب، ولكن أيضًا فى تهيئة دوافعهم لصيانتها وإدارتها
وحُسن استثمارها على المدى البعيد، وبالتالى ينعكس ذلك على زيادة إنتاجيتها.
والمقصود بعلاقات الإنتاج هى العلاقة بين الأعيان والأرض من خلال شبكة من العلاقات المباشرة وغير المباشرة، والعلاقات المباشرة بالأرض المقصود بها الأراضى الخراجية،
أما العلاقات غير المباشرة فالمقصود بها عملية الإيجار والمشاركة وغير ذلك من علاقات الإنتاج الزراعى، وفى نفس الاتجاه ساد بالريف أشكال عديدة لنظام الاستغلال الزراعى، مثلت فى جملتها ما يسمى بالعلاقات الإنتاجية التى مرت بمراحل متتاليةْ وهى كالتالى:
#الأراضى_الخراجية عقب دخول العثمانيين مصر أصدر السلطان سليمان "قانون نامه مصر" الذى اهتم ولاة مصر بتطبيق نصوصه التى وضعها إبراهيم باشا بما يتوافق مع الأوضاع القائمة فى مصر.
ينص القانون بأن على المساحين مراعاة عدم المساس بأموال السلطنة أو ظلم الرعايا،
والمقصود هنا بأموال السلطنة ممثلة فى الأراضى الزراعية، أما عدم ظلم الرعايا فالمقصود به إثبات ملكيتهم للأراضى، مع الوضع فى الاعتبار بأن الملكية هنا ممثلة فى ملكية حق الانتفاع.
وقد أعطى نظام الإلتزام للفلاح الحق فى زراعة أرضه،
وإذا امتنع الفلاح عن زراعتها او قام بتبويرها فمن حق شيخ الناحية أن ينزعها منه نيابة عن الملتزم ويعطيها لغيره، كما أعطاه الحق فى تأجيرها أو المشاركة على زراعتها، بالإضافة لحقه فى اختيار محصول الزراعة، وكان توريث الأرض من أهم حقوق ملكية الفلاح على أرضه.
وقد اهتمت الإدارة العثمانية بشئون الملكيات (ملكية حق الانتفاع)، من حيث تعيين المساحات خاصة الجزر النيلية والأراضى الواقعة على ضفتى النهر، فهى الأكثر تعرضًا للزيادة، فكثيرًا ما تتسع مساحة هذه الأراضى بفعل إرسابات النهر، وفى مثل هذه الحالة فإن المساحات الزائدة يتم حصرها
وتُفرض عليها عوائد مادية ممثلة فى المال الميرى المقرر على الأرض لجهة الإدارة.
إن المال الميرى يتزايد فى حالة خصوبة الأراضى ووقوعها على النيل مباشرةً أو فى حالة الجزر النيلية، وعلى النقيض من ذلك حالة الأراضى الداخلية أو الأقل خصوبة، والتى تكون غالبًا فى حوزة الأهالى دون الأعيان
الذين استأثروا بالأراضى الجيدة الواقعة على الترع والقنوات الرئيسية، فضلًا عن الجزر النيلية.
وقد اتخذت ملكية حق الانتفاع بالأرض الخراجية أشكالًا أخرى، حيث لجا بعض الأعيان إلى إسقاط انتفاعهم لأجزاء من الأراضى التى يزرعونها لعبيدهم بعد عتقهم، أو لأحد الفقراء بالقرية،
وذلك بموجب تعاقد موثق وحرية تامة فى إدارة الحصة وزراعتها كيفما شاءوا.
توثقت العلاقة بين الأعيان والتجار المستثمرين أموالهم فى الإنتاج الريفى خاصةً أثناء الرواج الإنتاجى للحاصلات الزراعية وزيادة الطلب عليها فى دمياط والمنصورة فى عام ١٧٢٣م، حيث قام التجار بتسديد المال الميرى
لجهة الديوان نيابةً عن بعض الأعيان.
#الزراعة_فى_الأراضى_المستأجرة الإيجار عبارة عن عقد يلتزم بموجبه المالك (لحق الانتفاع)، بأن يعطى للمستأجر منفعة الأرض مقابل حصوله على أجرة معينة متفق عليها فيما بينهم.
وقد تبين من خلال الوثائق أن الإيجار فى غالبية الأحوال كان يُسدد نقدًا،
ونادرًا ما كان يُسدد عينًا، كما أن الإيجار ارتفع صعودًا وهبوطًا حسب قيمة العملة، فضلًا عن ارتفاع وانخفاض أسعار السلع من عام إلى آخر، فضلًا عن بعض الهدايا المتمثلة فى الطيور الداجنة والسمن والعسل وغير ذلك علاوة على الإيجار.
وكان حصولهم على حق استئجار الأراضى من الملتزمين سنويًا.
أما عملية استئجار الأعيان للأراضى من الأهالى ورجال الدين وغيرهم فكانت تتم على مدد طويلة تراوحت ما بين عامًا كحد أدنى وفى المتوسط ما بين ٣٠ إلى ٦٠ عامًا، وبلغت كحد أقصى ٩٩ عامًا.
غالبًا ما كان الأعيان يقومون بتسديد إيجار الأراضى الداخلة فى حوزتهم على ثلاثة أقساط متساوية سنويًا،
وفى بعض الأحوال يسددون الأموال نقدية خالصة، وأحيانًا جزءًا نقديًّا والآخر عينيًّا، ومن ناحية أخرى سدد بعضهم أموال الخراج على هيئة سلع إنتاجية حيوانية مثل الألبان ومشتقاتها كالسمن والجبنْ فضلًا عن الأغنام والطيور الداجنة.
أما النظام المتبع بالصعيد فكان يتم فيه تسديد خراج الأراضى عينى وأحيانًا نقدى.
ويُلاحظ أن غالبية عملية استئجار الأراضى كانت بين الأعيان والملتزمين خاصةً العسكر، كما يُلاحظ أن أكثر القرى ارتفاعًا فى أسعار الإيجار كانت قرى الدقهلية لخصوبة تربتها وسهولة ريها وإنتاجها لحاصلات تجارية
إن العملية الإنتاجية بالريف كانت فى غالبية الأحوال تحت سيطرة الأعيان، حيث لم تكن هناك فئة بعينها تعمل بالزراعة وأخرى تعمل بالتجارة، وإنما كان هدف كثير منهم تحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح من خلال الاستثمار فى جميع قطاعات الإنتاج (الزراعى، والصناعى، والتجارى).
#الاستثمار_فى_تأجير_الأراضى نظر بعض الأعيان للأرض الزراعية على أنها استثمار يمكن من خلاله تحقيق عوائد مادية مجزية، فعقب حصولهم من الملتزمين على حق انتفاعهم بالأرض قام بعضهم بتأجيرها لبعض كبار وصغار الفلاحين والتجار المستثمرين فى الإنتاج الزراعى بالريف.
وتُعد قرى ضواحى القاهرة والقليوبية من المناطق التى شهدت إقبال من قِبل تجار القاهرة وبعض عسكرها لاستئجارها من أعيانها.
وهكذا شكلت مناطق الضواحى أهمية بالنسبة لتجار القاهرة، لقرب موقعها وإنتاجها لسلع تحتاج إليها أسواق القاهرة خاصة الخضر والفاكهة.
بالإضافة أيضًا لأن بعض الأعيان استأجروها من العسكر الملتزمين وأجروا بعضها للعسكر العاملين بالتجارة.
وكان للظروف المادية الميسرة لبعض الأعيان دورًا فى توثيق علاقتهم الزراعية بالريفيين، حيث يسروا للمستأجرين من أهالى سداد أموال الإيجار على أقساط متباعدة،
بل إنهم منحوهم القروض أيضًا لشراء متطلبات الزراعة، خاصة فى فترات التدهور الزراعى مع نهاية القرن الثامن عشر فى ظل ضعف استثماراتهم فى المجال الزراعى وقوتها فى المجال العقارى، هدفهم فى من ذلك تشجيع الريفيين على العمل الزراعى فى ظل الأزمات.
#الاستثمار_فى_شراء_الأراضى كان اقتناء المزيد من الأرض أحد مجالات الاستثمار الرئيسية بالنسبة للأعيان، حيث كانوا يحرصون على شراء الأرض (شراء حق الانتفاع) بهدف توسيع نطاق مساحتهم الزراعية، وتحقيق أرباح من خلال استثمارها فى الإنتاج، فضلًا عن استغلال هبوط الأسعار فى بعض السنوات
مما انعكس على أسعار الأراضى سلبًا فى ظل سوء الأوضاع المعيشية لبعض الفلاحين بالريف واقتراضهم الأموال من بعض الأعيان وعجزهم عن تسديدهاْ، مما دفعهم للاستيلاء على أراضيهم بأبخس الأسعار تعويضًا لأموالهم التى أمدوا الفلاحين بها،
كما كان عجز بعض الفلاحين عن سداد المال الميرى أحد الوسائل الأخرى التى لجأ إليها بعض الأعيان للاستيلاء على أراضيهم مقابل ما عليهم للأعيان من أموال سددوها نيابة عنهم.
ومن ناحية أخرى عمل قطاع عريض من الأعيان فى الاستثمار الزراعى بحكم معرفتهم الجيدة بمجال الزراعة،
وتقديرهم لقيمة الأرض وظروف الإنتاج ومتطلبات الأسواق، فضلًا عن وضعية الرى والصرف والمواصلات.
وجذبت المناطق المحيطة بدمياط بحكم قربها من الميناء أنظار غالبية الأعيان المحيطين بها خاصة أعيان الشعر بضواحى دمياط.
واختلفت أسعار شراء الأراضى من مكان لآخر،
فمثلًا ارتفعت أسعار الأراضى فى المناطق المحيطة بدمياط والقريبة من القاهرة، وانخفضت نسبيًّا فى المنصورة وريفيها عن دمياط، وظهر انخفاضها بشكل ملحوظ بالبحيرة والشرقية نظرًا لبعدهما النسبى عن الموانى خاصة الشرقية، بالإضافة لأن غالبية أراضيها رملية، أما الغربية فغالبية أراضيها داخلية.
#المشاركات_الزراعية انتشر نظام المشاركة بين الأعيان وغيرهم من المستثمرين الزراعيين، والمشاركة أحد أساليب الانتفاع الاقتصادى بالأراضى الزراعية، ويقوم هذا النظام على أساس الاتفاق بين طرفين على أن يقدم الطرف الأول الأرض، ويقوم الطرف الثانى بالعمل فى الأرض ورعايتها بنفسه
أو بواسطة العمل المأجور على نفقته، وفى النهاية تقسيم ما تخرجه الأرض من محصولْ ويُعد التعامل عن طريق المشاركة نظامًا وسطًا بين الزراعة على نفقة المالك لحق الانتفاع، والزراعة على نفقة المستأجر، فالطرفان يتحملان مخاطر الإنتاج ويتقاسمان الربح بينهما،
أما فى حالة الخسارة فإن صاحب الأرض يفقد حسن استغلالها وماله، ويكون الآخر قد ضاع جهده المبذول فيها، بالإضافة إلى ماله.
وفى عقد المشاركة يتم تحديد الشروط المتفق عليها بين الطرفان، منها نوعية المحصول المنتج ومدة التعاقد، بالإضافة لمجموعة من الشروط الأخرى التى توضح أن
نظام الزراعة بالمشاركة الإنتاجية.
#أراضى_الرُزَّق (الأوقاف)، تنوعت ثروة الأوقاف الاقتصادية فى العصر العثمانى حتى شملت الإنسان، فمثلًا تم وقف العبيد بالإضافة للحيوانات والجماد، وامتد الوقف ليشمل معظم مصادر الثروة الاقتصادية من الأراضى التى اتسعت مساحتها نتيجة
للأراضى الزراعية الموقوفة فى العصور السابقة، إلى جانب ما استجد من وقف الأراضى فى العصر العثمانى، وكان الإيجار هو الوسيلة المثلى للاستفادة من هذه الأراضى، ومن ناحية أخرى فإن الواقف "بالنسبة للأوقاف الأهلية" كان يشترط عدم الرهن أو الهبة للغير، حيث يكون ذلك موقوفًا على ذريته.
وفى الغالب فإن أراضى الأوقاف تستبدل نظير مال وليس مقابل أراضى زراعية أخرى، وقد كان من نتائج الاستبدال الاستفادة منه فى الاستيلاء على أطيان الأوقاف من قبل البعض، حيث استفاد بعض الأعيان من مبدأ الاستبدال واستولوا على مساحات من أراضى الأوقاف بتسهيلات من نظارها.
ومن ناحية أخرى تشكل أراضى الرُزَّق مساحات واسعة من الأراضى فى جهات مختلفة من البلاد وقد أنعم بها السلاطين السابقون على بعض الأفراد وأصبح حق الانتفاع بها ينتقل بالميراث للورثة ولهم حق التصرف فيها بكافة وجوه الانتفاع وهذه الأراضى كانت موقوفة، على مكة والمدينة والمساجد والأضرحة
فضلًا عن أعمال البر والإحسان من تكايا وكتاتيب، بالإضافة إلى أسبلة لخدمة المارين من البشر، فضلًا عن أحواض لسقى الدواب، وكانت أراضى الأوقاف معفاة من الضرائب، ولا يدفع عنها للروزنامة إلا ضريبة رمزية تسمى مال الحماية نظير حماية العسكر لها من العبث بها أو السطو عليها.
ولذلك لجأ بعض الملتزمين إلى عمليات الاحتيال فى رصد جزء من الأراضى الداخلة فى التزامهم على أعمال البر، وجعلوا الجزء الأكبر من هذه الأراضى موقوفًا على ورثتهم ومعتقيهم.
وقد قامت هذه الأراضى بدورها على أكمل وجه فى القرنيين السادس عشر والسابع عشر،
وعلى النقيض تماما مع نهاية القرن الثامن عشر لم تقم بدورها الرئيسى حيث انتقلت إلى حوزة الأعيان الذين تبادلوها فيما بينهم جيلًا بعد جيل.
ومن ناحية أخرى سيطر غالبية الأعيان على إدارة المياجد بالقرى وتولوا إقامة كافة شعائرها الدينية والخدمية مقابل التمتع بمميزات التحكم بأراضى الأوقاف
وكثيرًا ما ازدادت العلاقة سوءًا بين الأعيان المستأجرين من جانب والمستفيدين من جانب آخر بسبب تباطؤهم ومماطلتهم فى دفع أموال الإيجار.
سيطر الأعيان بحكم وضعيتهم الاقتصادية والاجتماعية بالريف على الأراضى الجيدة دون الأهالى، وتميزوا أيضًا بإنتاج حاصلات تجارية بحكم صلتهم القوية بتجار
المدن والملتزمين، ومعرفة احتياجات الأسواق وتلبية تلك الاحتياجات.
ومن ناحية أخرى أحرز الأعيان نفوذًا كبيرًا فى المجتمع الريفى، واستند هذا النفوذ فى المقام الأول على الدور الذى يلعبونه فى خدمة الإدارة والملتزمين، فضلًا عن مساحة الأرض الزراعية التى يشرفون عليها من قبل الملتزمين،
بالإضافة إلى سلطتهم على أفراد عائلاتهم وعائلات القرية، وقد أتاح هذا الوضع لغالبيتهم ظروفًا مناسبة لتكوين ثروات، فضلًا عن سيطرتهم على أراضى الرُزَّق بقراهم.
وكان لتفاوت وضعية الأعيان من فرد لآخر وازدياد نفوذ بعضهم على حساب الآخرين تأثيره السلبى على بنية العلاقة القائمة فيما بينهم
تنقسم المحاصيل التى أنتجها الأعيان لنوعين رئيسيين:
#محاصيل_شتوية وتتم عملية زراعتها فى فصلى الخريف والشتاء، بمعنى إنها تزرع فى الخريف وتحصد فى نهاية الشتاء.
#محاصيل_صيفية ويأتى الأرز على قمتها.
بعد أن يرسو المزاد على الملتزم تمنحه الروزنامة تقسيطًا (أى سندًا بذلك)، وأمرًا إلى مشايخ حصة إلتزامه وفلاحيها تأمرهم بالخضوع لأوامره، ودفع الأموال المقررو على أراضى الحصة له، حيث إنه بمقتضى تقسيط الإلتزام أصبح ممثلًا للإدارة، وكانت حصص الإلتزام تمنح للملتزمين فى
الفترة الأولى من تطبيق النظام فى مصر لمدة سنة أو عدة سنوات ينص عليها التقسيط الذى يتم بين الملتزم والروزنامة، ولكن بعد مرور فترة خاصةً فى القرن الثامن عشر أصبح حق التوريث هو الشائع فى الالتزامات، ولم تعد حصة الالتزام تخرج من حوزة الملتزم أو أقاربه أو أتباعه إلا فى حالات معينة
مثل انقراض ذريته أو أتباعه، أو انحلال حصة الالتزام عنه لعدم سداده ما عليها من أموال أميرية، وأحيانًا أخرى مصادرة حصص الالتزام كما حدث أثناء فترات الاضطرابات السياسية خاصة فى النصف الثانى من القرن الثامن عشر، أو كما جدث أثناء الحملة الفرنسية على مصر فى عام ١٧٩٨م،
حيث أمرت إدارة الغزو الفرنسى بمصادرة حصص الأمراء المماليك.
وقد أدار غالبية الأعيان أراضى الالتزام من الباطن، وزاد نفوذهم فى القرن الثامن عشر مع تراجع دور الملتزمين من العسكر نتيجة لكثرة الصراعات فيما بينهم، فضلًا عن بروز التجار كفئة جديدة حلت جزئيًّا محل العسكر
فى القرن الثامن عشر، خاصة نصفه الأخير.
وقد ساعد على تثبيت أقدام الأعيان فى هذا فى المجال ضعف خبرة التجار وغيرهم من رجال الدين فى مجال الالتزام، مما زاد من نفوذ الأعيان بالريف على حسابهم، وبالتالى زاد ذلك من استغلالهم للأهالى، وربما خداعهم للملتزمين فى نوعية ومساحات الأراضى
الواقعة فى حوزتهم لحداثتهم فى هذا المجال.
وقد أتاح الملتزمون المقيمون بالمدينة، الذين غالبًا ما يقضون قليلًا من الوقت بمقر إقامتهم فى دار الأوسية بالقرية خاصةً أثناء تحصيل أموال الأراضى مزيدًا من الحرية لتصرفات أعيان القرى، فضلًا عن توثيق علاقتهم بهم، كما كان الأعيان بفضل مكانتهم
فى مجتمع القرية هم الاختيار الطبيعى للإدارة للقيام بدور الوسطاء بين الملتزمين وأهالى الريف لجمع عوائد الالتزام وضمان هدوء القرى.
كان هناك تغيير مستمر لملتزمى غالبية القرى بشكل يكاد يكون سنوى، وهذا فى حد ذاته أدى لتدعيم الهرم الإجتماعى القائم بغالبية القرى،
فكثيرًا ما يُحدث الملتزمون تغيرات فى أوضاع الريف الاقتصادية، ولكن نادرًا ما يُحدثون أمرًا يتعلق بتعديل فى البنية الإجتماعية خاصة قِبل النخب الريفية تجنبًا لحدوث اضطرابات نظرًا لسيطرة هذه النخبة على قطاع عريض من الأهالى بالترهيب وبالترغيب.
كانت علاقة الأعيان بالملتزمين مرتبطة فى المقام الأول بمدى نجاحهم أو إخفاقهم فى تنفيذ أوامر الملتزمين إيجابًا أو سلبًا، ومن ناحية أخرى كانت العلاقات الإنتاجية بين الملتزمين والأعيان من مشاركات وغيرها تعكس مدى قوة العلاقة القائمة بينهم.
وعلى النقيض كان الملتزمون فى المناطق القريبة من المدن يسيطرون على امتيازات الأعيان الإدارية ويقيدون تصرفاتهم نسبيًا على عكس قرى أطراف الدلتا، وهو ما يؤكد أنه كلما كانت القرية أكثر بُعدًا عن المدينة كلما تمتع أعيانها بقدر من الحرية فى تعاملهم واستغلالهم للأهالى.
وهناك جانب آخر دعم علاقة الأعيان بالعسكر متمثل فى زراعة أراضى الأوسية للملتزمين على حساب تسخير الأعيان للفلاحين بزراعتها ورعايتها وحصادها رغم عدم معرفة مساحتها الحقيقية فى كل قرية
منح الملتزمون لمشايخ القرى قطعة أرض تسمى المسموح وهى أرض معفاة من الضرائب مقابل ما يؤديه المشايخ لهم
فى واقع الأمر لا يمكن تصور تحقيق نجاح لبعض الأعيان بدون مساعدة نظرائهم، بمعنى أن يتضامن الأعيان مع بعضهم البعض فى المجال الإنتاجى، وضمان بعضهم للملتزمين فى تسديد خراج الأراضى.
ومما لا شك فيه أن تعاون الأعيان مع بعضهم البعض يجعل منهم قوة لا يستهان بها.
ومما لا شك فيه أن تضامن وتكافل الأعيان مع بعضهم يضمن لهم الكرامة وحفظ ماء الوجه على الأقل أمام المتعاملين معهم من خارج الريف، بل والمجتمع الريفى ككل.
يُعد الرى عصب الحياة الاقتصادية، حيث كان له على مدار التاريخ المصرى دورًا إيجابيًّا وسلبيًّا فى أحيان أخرى على المجتمع والإنتاج، فالتحكم فى مياه النيل أهمية قصوى للإدارة والمجتمع المصرى، حيث أشرفت الإدارة إشرافًا كاملًا على إقامة وحماية وصيانة السدود والجسور للتحكم فى عملية
الرى وتنظيمها، وملفت حكام الأقاليم والعربان وأعيان القرى بضبط هذه العملية كلًا فى مناطق نفوذه.
انقسمت الجسور إلى نوعين:
#جسور_سلطانية هى الجسور ذات المنفعة العامة وتتولى الإدارة صيانتها وجرفها، وتقع على جانبى النهر والترع الرئيسية والخلجان الكبيرة.
#جسور_بلدية والجسور البلدية تقتصر منفعتها على قرية أو مجموعة قرى، وأحيانًا تأخذ عملية الصيانة شكل دورة، أى أن أهالى كل قرية يقومون بصيانتها فى سنة معينة بشكل دورى.
ومن ناحية أخرى كان للرى دور فى تضارب مصالح الأعيان والبدو المجاورين لبعض القرى فى بعض الفترات خاصةً قرى الدقهلية،
حيث كان يلقى كلاهما على عاتق الآخر مسئولية حفظ الجسور الواقعة فى مناطقهم، ولكن المحكمة تحسم الأمر بقولها بأن "كل ما أخذ من مياه فعليه حراسته" تعنى الجسر.
وعلى صعيد آخر قام بعض الأعيان بدور المشرفين على تنظيف وتعميق مجرى الترع نظيى مبالغ مالية من بعض الملتزمين.
تزايد نفوذ أعيان القرى الواقعة على النيل والخلجان والترع الرئيسية عن نظرائهم فى القرى الداخلية على كافة المستويات الاقتصادية، حيث غالبًا ما يُملى أعيان القرى الخارجية شروطهم على أعيان القرى الداخلية من حيث شق الترع وتطيرها، فضلًا عن دفع رسوم رى رمزية سنوية.
ومن ناحية أخرى تسبب الإهمال فى صيانة بعض الجسور من قبل أعيان بعض القرى فى غرق أراضى القرى المجاورة وتدمير محاصيلها الزراعية.
وفى بعض الأحيان يتعمد أعيان بعض القرى تجاهل صيانة جسر مقابل لبلدهم تستفيد منه قرية مجاورة، مما يحدث أضرارًا بالغة الخطورة بأراضى القرية المجاورة.
ومن الجدير بالذكر أن أعمال الرى كانت منتظمة وبأشراف تام من قبل الإدارة والأعيان حتى قبيل العقدين الأخيرين من القرن الثامن عشر، وفى مستهل العقد التاسع من نفس القرن حدث إهمال فى شئون الرى من قبل الإدارة والأعيان، وبالتالى انعكس ذلك على قطاع الإنتاح الزراعى والأنشطة المرتبطة به،
فضلًا عن إلقاء كاهل صيانة الجسور والسدود وتجريف الترع والقنوات كلية على أعيان القرى.
وخلال هذه الفترة أصبح انهيار الجسور والسدود ظاهرة طبيعية فى جميع المناطق.
ويبدو أن بعض الأعيان استخدموا مياه الرى كوسيلة للضغط على منافسيهم المجاورين.
واتخذ الصراع على الرى بين الأعيان فى القرى المجاورة أشكالًا أخرى متمثلة فى تكوين جماعات أشبه ما تكون بالعصابات.
ومن ناحية أخرى لعبت المصالح الاقتصادية والخوف عليها من النهب والسلب دورًا كبيرًا فى إهمال بعض أعيان القرى المطلة على النيل تحصين بعض الجسور الموصلة للقرى الداخلية.
إن الرى المتتابع الذى تتطلبه الحقول يدفع المستثمرين فى المجال الزراعى الذين هم أساس العملية الإنتاجية فى جميع مراحلها على اقتناء القوى المحركة بكثرة، خصوصًا الثيران للعمل فى السواقى لرفع المياه للحقول.
ومما لا شك فيه أن الثروة الحيوانية جزءًا لا يتجزأ من العملية الإنتاجية،
لذلك كان اهتمام الأعيان بها منصبًا على تربيتها لتعينهم فى عملهم الحقلى، وفى نفس الوقت تزودهم بقدر من المواد الغذائية، وما يفيض عن حاجتهم يتم بيعه للتجار، وهذا يعنى أن الثروة الحيوانية بالنسبة للأعيان وغيرهم تُعد رأس مال عامل أو تشغيلى، كما أن لهذه القوى دورًا لا يُستهان به
فى عمليات تجهيز الأراضى الزراعية، حيث عملت كقوى محركة للأدوات الزراعية من محاريث ونوارج وغيرها من الأدوات، ولوسائل الرى خاصة السواقى، وكان للسماد العضوى الناتج عن هذه القوى دور فى عملية تسميد الأراضى.
تعددت الوسائل التى استخدمها الأعيان فى عملية الرى وإن كان أكثرها شيوعًا الساقية
ثم يليها التابوت والشادوف و المنطال إلى غير ذلك، وتستعمل كل وسيلة حسب ظروف مياه الرى وموقع الأرض.
وفى الجانب الإنتاجى لهذه الوسائل قام الأعيان باستثمار أموالهم فى تصنيعها وبيعها للأهالى كنوع من أنواع التجارة الريفية التى عمل بها بعض الأعيان.
مفهوم السَلَم من خلال الوثائق: هى القروض التى منحها التجار للريفيين على أسس ومبادئ الشريعة الإسلامية دون استغلال مباشر، وبالنسبة للأعيان استغلالها فى إنتاج المحاصيل ورعايتها فى جميع مراحل نموها، وعقب عملية نضجها يتسلمها التجار نظير القروض التى سبق أن قدموها للأعيان،
وقد لعب السَلَم الدور الرئيسى فى عملية تمويل الإنتاج الزراعى لغالبية الأعيان فى جميع مناطق الإنتاج لا استثناء.
ولم يكن السَلَم الذى منحه التجار للأعيان يمثل هدفًا واحدًا وهو استغلاله فى إنتاج الحاصلات فقطْ بل إن غالبيتهم خاصةً كبارهم رغم قدرتهم الذاتية على إنتاج الحاصلات
حرصوا على اقتراض هذه الأموال من قبيل ضمان شراء التجار لإنتاجهم، وتفادى تقلبات الأسعار، فعلى فرض حدوث هبوط مفاجئ فى أسعار الحاصلات المنتجة على نفقة الأعيان الذاتية، فإن ذلك يمثل ضربة قاصمة لهم، حيث يحجم كثير من التجار عن شراء إنتاجهم، ومن هنا كان السَلَم يمثل حصنًا
أمينًا للأعيان.
ولما كانت عملية التمويل فى أساسها عملًا إنتاجيًّا زراعيًّا بالدرجة الأولى وليس تجاريًّا، فمن الصعب تحديد سعر التكلفة الحقيقية ومقارنتها بالإنتاج، لأنه من المستحيل رسم خط واضح يفصل بين الإقراض من أجل الأغراض الاستهلاكية للأعيان والإقراض من أجل الأغراض
الإنتاجية لتداخل الاثنين معًا، فربما يستغل بعضهم جزء من التمويل الإنتاجى من قبل التجار فى العمليات الاستهلاكية اليومية، وربما يحدث العكس أن يضيف الأعيان من مدخراتهم الخاصة، أو اقتطاع جزء من نقود التمويل الزراعى واستثمارها فى قطاع الإنتاج الحيوانى،
أو أن جزءًا من إنتاجهم يتم عن طريق التمويل والجزء الآخر على نفقتهم الخاصة.
وقد عادت الفائدة على الأعيان والتجار، فالأعيان قاموا بتمويل نفقات إنتاج الحاصلات الزراعية، والتجار استثمروا أموالهم فى إنتاج حاصلات يعرفون أن الطلب يتزايد عليها فى الأسواق الخارجية.
ومن المؤكد أن الأرباح كانت مغرية بدرجة كبيرة للتجار والأعيان على السواء، والدليل على ذلك النشاط المكثف للتجار والأعيان فى الريف قبيل إجراء عملية الزراعة، فالفوائد التى عادت على الطرفين من نظام السَلَم كانت تفوق الوصف فى بعض السنوات، مما دفع بعض أعيان الريف إلى اقتحام
مجال التجارة لتحقيق أرباح عن طريق الجمع بين إنتاج وتجارة الحاصلات، وقد نتج عن ذلك تكويم غالبيهم لرؤوس أموال ضخمة أهلتهم لتبوء مكانة مرموقة فى عالم التجارة.
وعلى صعيد آخر تبين من خلال نظام التمويل أن تعامل التجار مع الأعيان لم يتوقف على الحاصلات الزراعية فى مراحلها الأولية فقط،
بل قام التجار بإمدادهم بالأموال اللازمة للإنتاج الريفى مقابل تعهدهم بتسليمهم الحاصلات جاهزة للاستهلاك البشرى مع شروط سلامة السلعة من عيوب الإنتاج الزراعة كالحصى وغيره من الشوائب، بالإضافة لعيوب الإنتاج الصناعى كتكسير الحبوب أثناء عملية تحويل الحاصلات لسلع.
وتؤكد إحصائيات تمويل الإنتاج الزراعى أن ما يقرب من ٦٠% كمتوسط عام من عمليات التمويل للأعيان قام بها العسكر بحكم احتكاكهم المباشر بالأعيان عن طريق الإلتزام، بينما النسبة الباقية موزعة على التجار حوالى ٣٨%، أما النسبة الباقية فمقسمة بين رجال الدين وغيرهم.
مما لا شك فيه أن الثروة الحيوانية جزءًا لا يتجزأ من العملية الإنتاجية، لذلك كان اهتمام الأعيان بها منصبًا على تربيتها لتعينهم فى عملهم الزراعى، وفى نفس الوقت تزودهم بقدر من المواد الغذائية.
وتجدر الإشارة إلى أن القروض التى منحها التجار والمستثمرين فى الإنتاج الريفى للأعيان مقابل
تمويلهم بالحاصلات والحصول عليها عقب عملية حصادها، قام الأعيان باقتطاع أجزاء منها واستثمارها فى شراء الثروة الحيوانية بشكل مكثف، ويُعد هذا وعى منهم بطرق استثمار فائض تمويل الزراعة، فعلى فرض هبوط أسعار السلع فى إحدى السنوات فإن التجار يحجمون عن تمويل الأعيان بالقروض فى العام التالى
مباشرةً، ومن هنا تلعب الثروة الحيوانية الدور الأكبر فى تمويل الإنتاج الزراعى، حيث يقوم بعضهم ببيع أعداد منها لضمان استمرار نشاطهم الإنتاجى دون عقبات، وقام أيضًا التجار بتمويل الأعيان بالأموال التى اشتروا بها ماشية لتيسير العمليات الإنتاجية على المستويين الزراعى والحيوانى.
كان غالبية الأعيان المستثمرين أموالهم فى إنتاج الألبان يسلمونها فى صورتها الأولية الخام للتجار، نظرًا لعدم امتلاكهم لمعامل الإنتاج اللازمة لمنتجات الألبان.
ومن ناحية أخرى وُجد عدد قليل من الأعيان امتلكوت معامل أمدوا من خلالها التجار بمنتجات الأجبان الجاهزة للاستهلاك،
أما عملية تمويل الألبان فهى نفس عملية تمويل الحاصلات الزراعية.
ويبدو أن الاستثمار فى مجال الألبان جذب بعض العسكر الذين شاركوا بعض أعيان القرى على الإنتاج الحيوانى والألبان.
ومن الجدير بالذكر أن الإدارة الناجحة لأى عمل من الأعمال تعنى تناسق مسئوليات هذا العمل وتوافقها إلى الحد
الذى يبلغ به مستوى النجاح، ولا تخرج إدارة شركات ماشية الإنتاج عن هذا الإطار، فالإدارة الناجحة فى هذه الحالة لا تعنى الاهتمام بالمستوى الغذائى فقط، بل والرعاية بالحظائر ونظافتها، والحقيقة أن المظهر الخارجى لبعض الماشية كان من العوامل التى تخدع بعض الأعيان وشركائهم فى بعض الأحيان،
ولذلك كان غالبيتهم يفضلون تركها معهم بضعة أيام لاختبار مدى صلاحيتها، وبناءًا على هذا الاختبار ينتخبون الأصلح بأقل خسائر ممكنة.
وقد نشأت شركات على الثروة الحيوانية بأنواعها المختلفة بين بعض الأعيان والمستثمرين فى هذا المجال من المدنيين والريفيين.
تعتبر الطاقة العلفية من المحددات الرئيسية للطاقة الإنتاجية اللبنيةْ ومن هذا المنطلق اهتم الأعيان المستثمرين فى هذا المجال بزراعة البرسيم الشتوى لخدمة الأغراض الاستثمارية اللبنية فى الشتاء، كما أنها من العوامل الرئيسية لزيادة إنتاجه خلال هذه الفترة، وبالتالى تنخفض أسعاره نسبيًّا
على عكس الصيف الذى ينخفض إنتاجه نسبيًّا وتزداد فيه الأسعار.
ومن ناحية أخرى فإن انخفاض حجم الإنتاج فى بعض الفترات الصيفية يؤدى لارتفاع أسعار الألبان خلال هذه الفترات لصالح الأعيان، وعلى صعيد آخر اهتم الأعيان بزراعة القمح للأغراض التجارية البشرية والحيوانية على السواء
لم يبخل الأعيان فى إنفاق أموال على حظائر الماشية مهما بلغ حجمها، لأنهم يعرفون جيدًا أنها سترد إليهم أضعافًا، كما إنهم اهتموا بإنشاء الحظائر وخصصوا لها مساحات كبيرة من منازلهم، بالإضافة إلى أنهم لم يدخروا جهدًا ولا وقتًا تجاه رعايتها.
قام بعض الأعيان بتسمين أعداد من ماشيتهم لإنتاج اللحوم وبيعها بالأسواق كنوع من الاستثمار، كما مثلت الأغنام أهمية كبيرة، لبعض الأعيان، كما شيد بعض الأعيان أبراج الحمام فى المناطق الزراعية البعيدة عن المساكن، وفوق مساكنهم فى بعض الأحيان أيضًا.
تستخدم الخيل لإنجاز بعض العمليات الزراعية المختلفة والسير على الطرق الوعرة والسهلة، وأداء العمل بكفاءة فى حمل الأثقال والجر ونقل الحاصلات والأمتعة لأماكن مختلفة، ولذلك حرص غالبية الأعيان على اقتنائها مهما بلغت أسعارها، ونظر آخرون لعملية اقتنائها على إنها وسيلة من وسائل الزينة
والتباهى داخل المجتمع الريفى وخارجه، أما على الجانب العملى فقد اقتنوا أيضًا البغال والحمير لأغراض العمل الريفى واستخدامها كقوى محركة لوسائل الإنتاج فى بعض الفترات خاصةً أثناء الأزمات التى حدثت فى قوى الإنتاج نتيجة لوباء الماشية مثل وباء عام ١٧٨٧م.
مثلت الجمال أهمية خاصة للأعيان فى كثير من المناطق الواقعة على أطراف الدلتا الصحراوية، خاصة لدى أعيان قرى الشرقية والبحيرة، وقد تم استخدامها كثيرًا فى أعمال النقل الثقيل فى مناطق أطراف الدلتا لتحَمُلها مشقة النقل فى هذه المناطق مقارنةً بالخيل الأكثر استعمالًا لدى أعيان قلب الدلتا.
لعبت المحاكم دورًا محوريًّا فى شئون التجارة والمعاملات بين المنتجين والتجار بصفة عامة، والحقيقة أن توثيق العلاقة بين الريفيين والتجار وتسجيل الحجج المتعلقة بالقروض أمر بالغ الأهمية، لأنه يعنى توافر الضمانات اللازمة لكلاهما فى حالة وقوع نزاع بينهم على الكميات المطلوبة والمبالغ
المالية المتعامل عليها فيما بينهم.
ويتضح أيضًا أن المحاكم لعبت دورًا رئيسيًّا فى حسم المنازعات بين الأعيان والتجار.
أما التجار فلم يكن من حقهم الطعن فى صحة الاتفاق الموثق بينهم وبين الأعيان عند منحهم قروض الإنتاج.
وتوجد مجموعة من العوامل التى يسرت من عملية تمويل المستثمرين للأعيان فى مجال الإنتاج الزراعى والحيوانى كالأمانة والمقصود بها الأخلاقيات، والمقدرة وهى توقف سداد القرض على هيئة حاصلات، والضمان أى الرهون.
وُجدت العديد من المشاكل التى واجهت عملية تمويل الإنتاج الزراعى والحيوانى ومن أهمها:
#الأسعار يُنظر إلى الأسعار على أنها وسيلة من وسائل ترشيد استهلاك السلع والخدمات، وبطبيعة الحال تنخفض مقدار المشتريات دائمًا بزيادة الأسعار، وبالتالى فإن احتياجات الأسواق هى ترمومتر قياس الأسعار.
#الصعوبات_النقدية نظرًا لعدم توافر السيولة النقدية لدى الأعيان فى بعض الأحيان يلجأ غالبيتهم للتجار لتمويل العملية الإنتاجية، وبالتالى يشارك التجار أعيان الريف فى الإنتاج الزراعى المباشر.
#احتكار_التجار_الممولين_لعملية_السوق واجه الأعيان صعوبات كثيرة خلال عملية التمويل،
منها أن التجار الممولين هم المسيطرون على عملية تجارة الحاصلات الزراعية الممولة، فضلًا عن الإنتاج الحيوانى فى ظل تمويلهم للأعيان، ومن ناحية أخرى فإن التجار فى ظل عملية التمويل يقومون بعرض أسعار سبق الاتفاق عليها سلفًا معهم، ويمكن تسمية هذه العملية بربط الأسعار.
#نقص_الخبرة_التسويقية_والسعرية إن توفير المعلومات لاحتياجات الأسواق والأسعار وطبيعة الكميات المطروحة فى الأسواق تساعد الأعيان وغيرهم من العاملين بمجال الإنتاج والتجارة الريفية على الموازنة على الموازنة بين العرض والطلب وفقًا للأسعار بشكل تقريبى،
ومن ناحية أخرى فإن نظام التمويل أدى إلى زيادة التنافس فى مجال الإنتاج لتحقيق أعلى درجات الجدارة الإنتاجية، نتيجة لازدياد الطلب على الحاصلات، حيث أن الأعيان فى ظل نظام التمويل سعوا إلى بلوغ السعة الإنتاجية التى تحقق لهم أرباح مناسبة.
#انخفاض_كفاءة_وسائل_النقل تمثل عملية النقل أحد الوسائل التسويقية الهامة والأساسية خاصةً بالنسبة للمنتجات سريعة التلف كالألبان السائلة مثلًا التى يجب وصولها للمستهلك بأسرع وقت فى حالة جيدة، وبالشكل التى يطلبه والزمن الذى يناسبه، لقابلية اللبن للتلف السريع على المدى القصير،
وعلى جانب الإنتاج الزراعى هناك أيضًا أسباب أخرى كارتفاع التكاليف الإنتاجية خاصة للحاصلات النقدية كالأرز وقصب السكر، بالإضافة لارتفاع أسعار قوى وأدوات الإنتاج عن قدرات بعض الأعيان المالية فى ظل اتساع مساحتهم الإنتاجية واحتياجهم لأعداد كبيرة من قوى وأدوات الإنتاج.
ارتبط نشاط الأعيان الصناعى والتجارى ارتباطًا وثيقًا بحجم نشاطهما الزراعى اتساعًا وانحصارًا، بالإصافة بارتباطه بالنشاط التجارى بالداخل والخارج رواجًا وكسادًا وصعودًا وهبوطًا، وبداية من القرن السادس عشر حتى نهايته لم يساهم غالبية أعيان القرى بشكل فعال فى المجالين الصناعى والتجارى،
ولذلك كانوا رهينة للتجار فى إنتاجهم، بل وينتجون ما يخدم مصالح التجار، وعلى العكس من بداية القرن السابع عشر، ومرورًا بالقرن الثامن عشر أصبح لغالبيتهم دورًا أكثر فاعلية فى المجالين الصناعى والتجارى، ولعبوا دور صغار ووسطاء التجار بالريف، ووجهو الإنتاج الزراعى بالريف بما يخدم
مصالحهم الصناعية والتجارية بالريف والمدينة على السواء، بل نشطوا فى تأسيس وشراء مطاحن، ومعاصر، ومضارب، ووكالات تجارية فى المدن.
برز غالبية الأعيان بقراهم دور فى الإنتاج الصناعى، خاصةً أعيان القرى المجاورة لمراحز التجارة الذين تمتعوا بمميزات اقتصادية كثيرة عن أعيان القرى البعيدة
عن مراكز التجارة.
يعد الاستثمار فى مطاحن الغلال من الاستثمارات الرائجة خاصةً لأعيان القرى الواقعة على أطراف المدن المساهمة فى إمدادها باحتياجاتها الغذائية.
يعد الاستثمار فى صناعة ضرب الأرز أحد الأنشطة الرئيسية التى جذبت انتباه أعيان القرى خاصةً مناطق إنتاج الأرز وتجارته.
كان للغزل والنسيج نصيب بين الاستثمارات الصناعية للأعيان، وتركزت هذه الصناعة بكثافة فى قرية منية الطيب المجاورة لدمياط، وسيطر أعيانها بشكل كبير على اقتصاديات الغزل والنسيج بها عن طريق امتلاك قاعات حياكة، فضلًا عن شرائهم لقاعات وتأجيرهم واستئجارهم لأخرى.
وعلى صعيد الجودة زاع صيت منية الطيب فى مجال صناعة المنسوجات لدرجة أن الوثائق كانت تطلق عليه غالبًا عبارة "قماش مناوى" نسبة لمنية الطيب، وقد استغل أعيانها شهرتها وعملوا فى هذا المجال من منطلق الشهرة، حيث قاموا بتوريد كميات من القماش لتجار دمياط من خلال التجارة المباشرة أو التعويض
كما توثقت أيضًا علاقة بعض أعيان قرى البحر الصغير بالدقهلية بتجار بولاق، حيث أمدوهم بكميات من الحرير والكتان، وعملية توثيق تجار الحرير ببولاق لعلاقتهم بأعيان قرى البحر الصغير أمر له مدلوله على شهرة المنطقة فى إنتاج الحرير والكتان لدرجة تردد صداها عند تجار بولاق.
التوسع فى إنتاج قصب السكر خلال القرن السابع عشر ارتبط ارتباطًا وثيقًا باتساع قاعدة تصنيعه، لأن معامل السكر كانت تقع على مقربة من مناطق الزراعة مباشرةً خاصة فى المنوفية والغربية لارتفاع تكاليف وصعوبة نقل القصب، نظرًا لكبر حجمه، كما أن عملية التصنيع لابد أن تتوازى مع
الزيادة الإنتاجية فى مراحلها الأولية، ومن الجدير بالذكر أن غالبية الأعيان المتتجين لقصب السكر لم تكن لديهم الخبرة الفنية الكافية لإنهاء عملية إنتاجه الصناعى فى مراحله النهائية، وفى كثير من الأحوال فإن ما ينتج بالريف يعرف بالسكر الخام، وتتم عملية التكرير بالمعامل الرئيسية بالقاهرة
يبدو أن غالبية الأعيان الذين استثمروا أموالهم داخل نطاق قراهم حققوا عوائد مادية مجزية دفعتهم لاستثمار أموالهم فى مراكز التجارة المحيطة بهم كلًا على حسب قربه من المركز الصناعى والتجارى المحيط به، ومن ناحية أخرى قام البعض بشراء مطاحن قديمة وغير ذلك من مضارب، ثم قاموا بتجديدها
بأنفسهم كبداية لممارسة النشاط بالمدينة، فى محاولة للحد من النفقة على شراء مضرب أو طاحون جديد قد يكلفه نفقات كثيرة
إن استثمارات أعيان الريف بالمدينة وسعت آفاقهم الصناعية والتجارية على السواء، حيث جعلتهم يحتكون بالصناع والتجار ويعرفون احتياجات الأسواق الداخلية بل والخارجية.
يبدو أن بعض الأعيان الذين استثمروا أموالهم فى شراء وسائل الإنتاج كان أحد أغراضهم الرئيسية تأجيرها عقب عملية الشراء، وربما الداعى لذلك كثرة مشاغلهم، فحاولوا التخفيف عن كاهلهم بإيجار بعضها كنوع من أنواع الاستثمار.
انتشرت وسائل الإنتاج الموقوفة فى جميع المناطق على السواء، وقد تم تأجير عدد كبير منها للانتفاع بريعها لصالح أوقافها، وتختلف مدة الإيجار حسب الإتفاق بين ناظر الوقف والمستأجر، وقام الأعيان الذين لم تؤهلهم قدرتهم المادية على امتلاك وسائل إنتاج صناعية بالتوجه لوسائل إنتاج الأوقاف
لاستئجار بعضها فى جميع المناطق خاصةً المدن، حيث أن غالبيتها كانت بالمدن ونادرة بالريف.
يُلاحظ باختصار شديد أن تعاملات الأعيان مع النساء بصفة عامة كانت محدودة نظرًا لضعف مساهمة نساء الريف بصفة عامة فى جميع قطاعات الإنتاج مقارنةً بنساء المدينة،
وحالات مساهمة نساء الريف تكون فى غالبية الأحوال لضرورة متمثلة فى غياب الزوج، أو قلة خبرته أو فاته، وفى هذه الحالة يكون أعيان الريف وكلاء عنهم، كما أن غالبية معاملاتهم مع النساء كانت خارج القرية أى من نساء المدينة.
إن قدرة الأعيان على معاملة أهالى الريف وتجار المدينة من أسس
نشاطهم على جميع المستويات فى القرية والمدينة، وقد مثلت الأسواق الريفية فى بداية الأمر القاعدة التى أقاموا عليها نشاطهم التجارى بالريف والمدينة على السواء.
كون أعيان كل قرية فى داخل نطاقها شبكة من العلاقات التجارية، حيث أن كلٍ منهم يسيطر على إنتاج الفلاحين داخل نطاق حصته.
وهناك حركة تبادل للسلع الصناعية المنتجة فى بعض القرى الغنية بها لقرى تفتقر إليها عن طريق أعيانها، ومن ناحية أخرى فإن كبار التجار الذين كانوا يستثمرون أموالهم فى الإنتاج الزراعى بحثوا عن وكلاء أو شركاء لهم بطبيعة المكان الذى يرغبون الاستثمار فيه.
وقد ساد النشاط التجارى الريفى للأعيان المعتمد على أموال التجار فى القرن السادس عشر وفترات من بداية القرن السابع عشر، ومن النصف الثانى من القرن السابع عشر ازدادت قدرات الأعيان المالية، وبالتالى قل اعتمادهم على تمويل التجار، وفى ظل تنامى القدرات المالية للأعيان حاولوا عرقلة
نشاط صغار ووسطاء التجار بالريف، وكثيرًا ما نجحوا فى ذلك فى محاولة للسيطرة على هذه التجارة فى مصادرها الأساسية، فضلًا عن أن الأعيان كانوا ينظرون إلى هذه المناطق على إنها بمثابة امتداد طبيعى لنفوذهم، وإن أى تعدى عليها هو بمثابة تعدى على مناطق نفوذهم فيجب مواجهتها.
ويُلاحظ أن هناك مجموعة ضوابط تحكمت بشكل مباشر فى رواج أو كساد نشاط الأعيان التجارى بالريف، خاصة أن نشاطهم التجارى مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالزراعة، ومن هذه الضوابط أن أى تغيير فى ثمن عنصر من عناصر الإنتاج بالارتفاع يؤدى إلى رفع تكاليف الإنتاج والذى يعمل على ارتفاع أسعار
وسائل الإنتاج من سواقى وغيرها من الأدوات الزراعية، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار قوى الإنتاج خاصةً أثناء الأزمات والأوبئة، وارتفاع قيمة الأرض الزراعية المؤجرة، بالإضافة لزيادة أجور عمال الزراعة، وزيادة الأموال الخراجية على الأراضى الزراعية فى بعض السنوات
وجميع ما سبق مرتبط بالتدهور النقدى، فضلًا عن ضغوط العسكر وغيرها من الأعباء على الأراضى، وبالتالى يؤثر ذلك على نشاط الأعيان فى بعض الفترات، وإن كان ذلك قد جعلهم أحيانًا مستغلين هذه الظروف لصالحهم عن طريق إلقاء هذه الأعباء بشكل أكبر على كاهل الأهالى.
لم تكن العلاقات التجارية على كافة محاورها منقطعة بين الريف والمدينة، وإنما كانت عميقة الصلة عن طريق شبكة الطرق البرية والمائية المتشعبة التى يسرت من حركة التجارة الداخلية، وقد مثلت هذه الشبكة الشرايين الرئيسية للتجارة الريفية والمدينة على السواء
وبناءًا على ذلك اتبع الأعيان طرق عديدة لتصريف إنتاجهم وجعله فى متناول يد عملائهم، فقد استغل بعضهم عامل الوقت لتيسر السلعة وجعلها فى متناول تجار التجزئة والمستهلكين على السواء، متخطين كبار التجار وتفويت الفرصة عليهم للإثراء على حسابهم فى بعض الأحوال،
كما قام البعض الآخر باستغلال المكان أيضًا عن طريق بيع السلع بمكان ملائم لمستهلكيها رأسًا، وبذلك حاول بعض الأعيان السيطرة على الإنتاج الريفى علاوة على الإندماج فى التجارة المدنية.
وتجدر الإشارة إلى أن تزايد نشاط بعضهم فى مجال التجارة نتج عنه سطوع نجمهم.
كان السكر من أهم الأنشطة الاقتصادية التى حظيت بالاهتمام، إذ كان القصب يزرع بالصعيد وبعض مناطق الدلتا، وكان السكر الذى ينتج فى مصر بمختلف أنواعه يحظى بشهرة كبيرة فى الأسواق العالمية، ومع زيادة الطلب على السكر فى الخارج بدأت تزداد المساحة المحصولية لقصب السكر بالريف.
بدأ الطلب على البن كسلعة كمالية يتزايد باستمرار منذ القرن السادس عشر، وبدأ يتغلغل داخل الريف المصرى بشكل بطئ من خلال الأعيان الذين وثقوا علاقتهم بتجار المدينة والعسكر الملتزمين الذين أمدوهم بكميات من البن، وفى بعض الأحيان لجأ كلًا من التجار والأعيان المتعاملين
على تجارة البن بتبادل السلع الرئيسية المنتجة بالريف التى تمثل أهمية فى التجارة الخارجية، مثل مقايضة الأرز مثلًا بكميات من البن.
تعد معاملات الأعيان مع النساء وأهل الذمة من أقل المعاملات التجارية عمومًا، حيث إنها كانت على نطاق محدود ارتباطًا بمحدودية مساهمة النساء فى مجال التجارة
فضلًا عن قلة أعداد أهل الذمة وتركزهم بشكل كبير بالمدينة.
وليس من المبالغة القول أن مجموعة من الأعيان اعتمدت على بعض النساء خاصةً زوجات العسكر كمصدر لتمويلهم بالأموال اللازمة لتيسير نشاطهم التجارى دون تأثير على مصالحهم الاقتصادية، ومن ناحية أخرى فإن قروض الأعيان من النساء
استحوذت على الجانب الأكبر من العلاقة معهم.
نشأت الشركات التجارية كتطور طبيعى لاستغلال رؤوس الأموال فى عمل تجارى معين فالجهود الفردية مهما بلغت ضخامتها قد تعجز أحيانًا عن الاضطلاع بمشروع تجارى كبير، وقد عمل بعض الأعيان على الدخول فى شركات على التجارة والمساهمة بالأموال
أو بالخبرة العملية، أو المساهمة بكلاهما.
ومن ناحية أخرى فإن تأسيس الشركات لم يكن الهدف الرئيسى منه توفير رأس المال فقط بل الحد من الخسائر، مثل إغارة البدو على التجارة بالريف أو قطاع الطرق، بالإصافة للاضطرابات الداخلية التى شهدتها البلاد فى بعض الفترات.
تتم تصفية الشركان بين بعض الأعيان وغيرهم لأسباب متعددة منها، ما يتعلق بانقضاء مدة الشركة، أو لوفاة أحد الشركاء، وفى بعض الأحيان تتكون شركات بين الأعيان وبعضهم وتكون موسمية، بمعنى أنها تنعقد وتنحل خلال موسم واحد، أى أنها تستمر شهور محدودة.
حاول كثير من الأعيان تنويع استثماراتهم ولم يعتمدوا على مصدر واحد فى مصادر الدخل، بل نوعوا نشاطهم فى مختلف المجالات التى قد لا تتعلق بطبيعة نشاطهم، فمثلًا حرص بعضهم على شراء مراكب وتشغيلها فى مجال الملاحة النيلية، وشارك بعضهم أفراد على استثمارات أخرى كالحمامات.
دفع النشاط التجارى المتزايد لبعض الأعيان فى المدينة إلى شراء وكالات بهدف بيع منتجاتهم الريفية، بالإضافة للحوانيت والقاعات لتخزين سلعهم بالمدينة خاصةً فى حالة هبوط الأسعار وظهور بارقة أمل فى أن تعاود الأسعار تحسنها فى فترة لاحقة.
اقتضت طبيعة النشاط الاقتصادى للأعيان توثيق علاقتهم بجميع فئات المجتمع الريفى والمدنى على السواء، وقد قام بعضهم باقتراض أموال من التجار بهدف استغلالها فى توفير مستلزمات تجهيز السلع للتجارة.
وحالات القروض أمر تقتضيه المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة بينهم وبين التجار.
الربا هو الفائدة بالمنطق الاقتصادى، وهو عبارة عن إعارة رأس المال النقدى بقصد استثماره من قبل المقترضين كل بطريقته الخاصة، وقد شكلت القروض الربوية شكل من أشكال المعاملات التى تعامل بها بعض الأعيان على نطاق محدود وبطريقة غير مباشرة مع المتعاملين معهم.
استغل بعض الأعيان وفاة بعض الأفراد الذين خلفوا تركات مالية وتركوا أطفالًا صغارًا، وتعاملوا مع الأوصياء عليهم سواء كانوا رجالًا أو نساءً واتفقوا معهم على أن يقوموا بإقراضهم هذه الأموال سواء جميعها أو جزءًا منها، واستثمارها فى نشاطهم التجارى مقابل مبلغ شهرى يصل من ١٠% إلى ٢٠%.
يعد استثمار الأعيان فى مجال العقارات أحد الأنشطة الهامة التى حظيت باهتمامهم بالريف والمدينة، وقد شمل هذا الاستثمار عمليات شراء وبيع وتأجير واستئجار.
وقد لفتت أهمية العقارات المستثمرة من قبل الأعيان أنظار بعض العسكر الذين حرصوا على شرائها.
العائلة هى المحور الرئيسى للحياة الاقتصادية والاجتماعية بالقرية على مر العصور، إن عائلات الأعيان كان لها دورًا هامًا فى تنامى الإنتاج الريفى على كافة مستوياته، ومن ناحية أخرى فإن العائلات ارتبطت الاقتصادية والاجتماعية فى المقام الأول بما تنتجه من حاصلات نقدية.
وارتبط نشاط عائلات الأعيان فى المقام الأول بمدى موقع قراهم على طرق تجارة رئيسية ربطت بين قراهم والمدن، وبالتالى اترتبطت هذه العائلات بشبكة النقل البرى والنهرى ويسرت نقل إنتاجهم وتداوله فى مختلف الأسواق بالداخل والخارج.
يتضح أن ظهور الدور الإيجابى للعائلة فى إشباع الاحتياجات الاقتصادية لأفرادها من خلال إتاحة الفرصة أمامهم لاستثمار مدخراتهم بما يضمن لهم عائدًا اقتصاديًّا تعتمد عليه العائلة فى نفقاتها المعيشية واحتياجاتها الأساسية، وهذا فى حد ذاته دعم الشعور بالانتماء للعائلة وتماسك بنائها
بما يكفل لها التضامن والتكافل.
وكان الارتباط بالأرض الزراعية من مظاهر تماسك بناء العائلة.
وفى واقع الأمر أن زيادة الطلب المدنى على سلع القرية زاد من تماسك بنيان العائلة، كما أن احتكاك أعيانها بتجار المدينة عن طريق التمويل والتجارة المباشرة أثره الواضح على زيادة خبرتهم التجارية.
كان لدى العائلات من الأعيان حرص مستمر لإنتاج سلالة قوية من الذكور لزيادة ثروتها ورفع مكانتها الاجتماعية، بجانب صيانة وحدتها وتركيز مواردها والمحافظة عليها من أجل استثمار أفضل، ولذلك فضل أعيانها الزواج من داخل نطاق العائلة والهدف من ذلك تجنب تفتيت ثرواتهم من قبل عائلات ريفية أخرى،
كثيرا ما لجأوا لزيادة حجم العائلة عن طريق تعدد الزوجات سواء داخل نطاق العائلة أو خارجها على الجانب الآخر فإن المركز الاقتصادى للعائلة هو المحدد الأول فى عملية إتمام الزواج
ومن ناحية أخرى فإن طبيعة العائلة البدوية تفرض عليها قيود إجتماعية معينة فى حظر تزويج بناتهم من خارج العائلة
السلطة فى نطاق العائلة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بوظائفها الاجتماعية والاقتصادية.
الحراك الاجتماعى الصاعد وتغيير مكانة العائلة الاجتماعية وترقيهل لمكانة أعلى تحت تأثير التغير الناتج من داخلها، وعن طريق رفع مستواها الإنتاجى وتعديل نمطه بما يتوافق مع أسواق المدينة.
كان لثراء بعض الأعيان جذور رئيسية لنمو الأعمال غير الشرعية تجاه الأهالى، فهل قامت هذه الأعمال بدوافع اقتصادية كفقر بعضهم أم أنها نتجت عن أطماع بعضهم التى لا تفرق بين الحق والباطل ولا تضع حدًا للسلهب والنهب، أم أنما نشأت بدافع إحساسهم كأقوياء مقارنة بأنبناء المجتمع الريفى الضعيف؟
وهل فعل بعض الأعيان ذلك نتيجة الأزمات الاقتصادية فى بعض الفترات، فضلًا عن ضغوط العسكر عليهم ومحاولة تعويض ابتزازات العسكر لهم على حساب الأهالى؟، أم أن المستوى الاقتصادى المنخفض لبعضهم يعد أحد العوامل الرئيسية لارتكاب أعمال غير شرعية تجاه الأهالى؟،
أم أن هذا وذاك لم يكن قاعدة وأنه ليس من الضرورى أن يكون للمستوى المنخفض دورًا فى ذلك، وهل التنافس بين الأعيان كان له انعكاسًا سلبيًّا على الأهالى؟
السرقات مرتبطة فى المقام الأول بالصراع بين أعيان القرى وبعضهم البعض، بالإضافة للصراع الذى دار بين ملتزمى القرى المجاورة،
وبالتالى انعكس صراع الملتزمين على أعيان وعوام القرى، وتظهر حالات تصاعد السرقات من قبل بعض الأعيان أثناء وجود الأزمات لتعويض جانبًا من خسائرهم، ولم تنحصر سرقات الأعيان للأفراد داخل نطاق قراهم فقط بل تعدت لتشمل المارين عليهم من مساعدى كبار رجالة الإدارة بالإقليم التابعين له.
وقد بلغ الأمر ببعض الأعيان أحيانًا إلى التعدى على الجنود والاستيلاء على أمتعتهم.
وتجدر الإشارة إلى أن تجاوزات بعضهم لم تتوقف عند الاستيلاء على ممتلكات المارة ووسائل الإنتاج الخاصة بالأهالى وغيرهم من معاونى الإدارة فحسب، بل امتدت أعمالهم لداخل نطاق المنازل لسرقتها
ومحاولة تصفية ما بها من حاصلات وأمتعة.
واستغل بعض الأعيان وضعهم المتميز وجمعهم بين العمل بالفِرق العسكرية ومنصبهم الإدارى بالمشيخة، ومن خلال هذا الوضع مارسوا أنواع من السرقات تجاه أهالى قراهم.
لم تكن أعمال السرقات من قبل بعض الأعيان موجهة لأبناء قراهم وجيرانها فقط،
بل امتدت لتشمل مناطق تبعد بكثير عن قراهم، ويبدو أن العوائد المادية المخلفة من وراء هذه السرقات كانت حافزًا لمد نشاطهم الإجرامى لهذه المناطق.
وامتدت أيدى بعضهم أيضًا لممتلكات ملتزميهم، ويحدث ذلك غالبًا فى حالة تقليص هؤلاء الملتزمين لنفوذ الأعيان بالقرية،
أو شعور بعضهم بضعف خبرة الملتزمين فى مجال الإدارة والإنتاج الريفى.
لم تتوقف سرقات الأعيان عند حدود الطرق البرية فقط، بل امتدت لتشمل مهاجمة المراكب التجارية المارة بالنيل والاستيلاء على الأمتعة الخاصة بالمسافرين والتجار.
لجأ بعض الأعيان للانتقام من بعض الأفراد عن طريق إسقاط هذا الانتقام على ممتلكاتهم، ويتمثل ذلك فى إحداث حرائق أو إتلاف المزروعات وسرقة الماشية وغيرها من أنواع الانتقام، وقد شجع هؤلاء الأعيان على هذه الأفعال عدم وجود عقوبات رادعة لهم من قبل القضاء.
وبلغ الأمر ببعض الأعيان لدرجة أن أيديهم امتدت للانتقام من بعض رجال الأمن بالمدن من خلال تدمير استثماراتهم فى المجال الزراعى بواسطة حرق وسائل إنتاجهم وسرقة القوى المحركة لها.
قام بعض الأعيان باستخدام أساليب ملتوية غير شرعية لتزويد مساحاتهم الزراعية على حساب الأهالى،
حيث قاموا بتزوير حجج ملكية حق الانتفاع بالأراضى بالإكراه، وعلى صعيد آخر قام بعضهم بوضع أيديهم على أراضى المتوفين والانتفاع بها دون الإبلاغ عن وفاة أصحابها.
لجأ بعض الأعيان إلى القتل للتخلص من منافسيهم بالريف.
وامتدت أيدى الأعيان أيضًا لقتل النساء للاستيلاء على ممتلكاتهم.
استغل بعض الأعيان نفوذهم لتحقيق مصالحهم الخاصة على حساب الأهالى وإخضاعهم لتنفيذ رغباتهم، وتضخيم ممتلكاتهم على حساب استنزاف قوى وموارد عائلات أخرى، وكذلك أعمال السُخرة للأهالى الممثلة فى تحصين السدود والجسور بالريف واستنزاف طاقاتهم فى العمل بأراضى الأوسية.
خدع منصب الأعيان الإدارى بالريف بعض الأهالى الذين جعلوهم مصدر ثقتهم، وقد استغل بعضهم ذلك لتحقيق ثراء على حساب الأهالى الذين أودعوهم أماناتهم لديهم ولم يردوها إليهم خاصةً الأشياء الثمينة، وخيانة بعضهم للأمانة أيضًا فى حالة تولى بعضهم الوصاية على أبناء بعض المتوفين.
وفى جانب أكل أموال اليتامى استغل بعضهم نفوذهم للضغط على زوجات المتوفين للتنازل عن ممتلكاتهم العقارية وأراضيهم الزراعية، ونفس الأمر ينطبق على الأفراد الذين توفوا وتوفيت زوجاتهم وتركوا أطفالًا صغار، وقام أعيان القرية بالاستيلاء على ممتلكاتهم.
الاحتكار الخاص ببعض الأعيان هو تكويم شبه تكتل إنتاجى وتجارى وبمفردهم أحيانًا وبالتعاون مع التجار والعسكر فى أحيان أخرى بحكم سيطرة الأعيان على الإنتاج الريفى فى غالبية الأحوال.
قام بعض الأعيان بالتعدى على ممتلكات الأوقاف وساعدهم على ذلك جهل بعض النظار المشرفين على ممتلكات الأوقاف
وكَثُرَ أيضًا التعدى على أراضى الرُزَّق فى نهاية القرن الثامن عشر مستغلين الاضطرابات وسوء الأوضاع الداخلية.
ونفس الأمر ينطبق على الأعيان المشرفين على أراضى الأوقاف الخاصة ببعض الأهالى حيث قاموا بنهب حقوق مستحقيها.
استغل بعض الأعيان حاجة الفلاحين بالريف للمال فكانت فرصة مارس فيها الأعيان نشاطهم بالقروض الربوية مقابل رهان.
ويتضح أن أعيان الريف كشفوا النقاب عن أعمالهم غير الشرعية، ومارسوها جهارًا نهارًا استغلالًا لضعف الإدارة السياسة والقضاء فى اتخاذ قرارات رادعة ضدهم لصالح الأهالى.
انعكس نشاط الأعيان الاقتصادى بشكل مباشر على حياتهم الاجتماعية العامة، فالوضع الاقتصادى يفرض نمطًا معينًا من الحياة الاجتماعية والروابط المتصلة بها، فضلًا عن طبيعة المسكن وغيرها من العوامل التى تبين مدى الانعكاس المباشر للنشاط الاقتصادى للأفراد والجماعات على حياتهم الاجتماعية.
تولى مشيخة القرى فى غالبية الأحوال فئات اجتماعية متعددة انحدرت من أصول اجتماعية متباينة، ومن ناحية أخرى تولى الأعيان مهامهم فى ظل ظروف تختلف عن بعضهم، فضلًا عن اختلافها من منطقة إلى أخرى حسب طبيعة تكوينها الاجتماعى، وإن حكمتها فى المقام الأول أوضاعهم الاقتصادية وأصولهم الاجتماعية
التركيبة الاجتماعية الأولى من أعيان القرى هم الريفيون وتطلق عليهم الوثائق لقب الحاج فى مقدمة من تولوا شئون المشيخة بالريف بحكم تَكَوَّن غالبية أهالى الريف من الفلاحين، وقد كثُر تولى الريفيين فى المناطق الواقعة فى قلب الدلتا خاصةً قرى الغربية، والدقهلية، وضواحى دمياط.
أما التركيبة الثانية المكونة لأعيان القرى فهم العربان المتوطنون الذين شكلوا نسبة لا بأس بها من أعيان القرى فى جميع المناطق خاصةً أطراف الدلتا بالبحيرة، والشرقية مضافًا إليهم بعض أعيان قرى القليوبية، والغربية والدقهلية.
وعلى صعيد آخر لم تكن هناك قرى بعينها مخصصة لتولى مشايخ عربان إدارة أمورها، وأخرى مخصصة للأهالى الريفيين، حيث وُجِدَ فى كثير من الأحيان قرى متضمنة مشيخة الاثنين معًا، وقد تمخض عن هذا المزيج الاجتماعى نشوب نزاعات مدمرة بين هؤلاء وأولئك داخل نطاق القرى،
وإن كانت النتيجة النهائية فى غالبية الأحوال لصالح مشايخ البدو.
وهناك تركيبة اجتماعية ثالثة تقلدت منصب المشيخة وهم رجال الدين بالريف الذين شكلوا نسبة لا بأس بها من أعيان القرى، ومن الأهمية بمكان أن هؤلاء كانوا أكثر اتزانًا فى إدارة المشاكل الريفية من البدو والريفيين،
نظرًا لثقافتهم الدينية فضلًا عن ثقة الأهالى فيهم، وكان للأشراف بالريف أيضًا دور فى تولى منصب أعيان القرى خاصةً القرى القريبة من المدن، ونفس الأمر ينطبق التجار الذين تولى بعضهم أيضًا منصب مشبخة القرى القريبة من المدن.
انعكست الأوضاع الاقتصادية للأعيان على حياتهم الاجتماعية، حيث كان لعلاقاتهم التجارية الوثيقة مع تجار المدن، وتنقلاتهم بين الريف والمدينة انعكاسه الواضح على روابطهم الاسرية، كما أن علاقتهم بالملتزمين أيضًا وثقت من الروابط الاسرية فيما بينهم.
وفقًا لتقاليد المجتمع المصرى آنذاك فإن عملية التعارف والخطوبة والزواج كانت تتم فى فترات تكاد تكون متقاربة، وكانت المعاملات الاقتصادية بين الأعيان ومعامليهم الذين سيصبحون أصهارهم فيما بعد قد سهلت عملية التعارف بشكل كبير.
وعلى صعيد آخر وثق بعض الأعيان أيضًا علاقتهم الاجتماعية بالأشراف، حيث تزوج بعضهم من بنات الأشراف.
ورغم أن بعض الأعيان قد سبق لهم الزواج إلا أن المصالح الاقتصادية ربما تدفع بعضهم فى كثير من الأحيان للزواج مرة أخرى من بنات تجار المدينة.
وقد كان لنفوذ الأعيان الاقتصادى بالريف فضلًا عن نشاطهم فى المجال الصناعى والتجارى بالمدينة انعكاسه على عمليات تزويج بناتهمْ بالإضافة لإقراضهم أموال لأصهارهم والهيمنة عليهم من الناحية الاقتصادية وربما أيضًا من الناحية الاجتماعية وبالتالى التحكم فى بعض تصرفاتهم وعلاقتهم مع أبنائهم
ومن ناحية أخرى قام بعض أعيان القرى من الأهالى بتوثيق علاقتهم الاجتماعية بمشايخ العربان، وربما هدفهم من ذلك كسب دعمهم من خلال مصاهرتهم، فضلًا عن تجنب خطرهم وتدميرهم لاقتصادياتهم.
يُعد الصداق أحد الوسائل التى يمكن من خلالها الحكم على الوضع الاقتصادى للأعيان، حيث ارتفع الصداق
أو انخفضت قيمته تبعًا لأوضاعهم الاقتصادية فى ظل ارتباطها بنشاطهم الانتاجى، فضلًا عن الأوضاع الاقتصادية فى الداخل رواجًا وكسادًا وصعودًا وهبوطًا.
حينما تنتهى الأمور عند طريق مسدود يلجأ الطرفان إلى الانفصال، وغالبًا لا يتم ذكر تفاصيل الانفصال إلا فى حالات قليلة.
حدث تصاعد فى تطليق الأعيان لزوجاتهم بداية من عام ١٧٤١م، وفى المقابل ضعف إقبالهم على الزواج، وربما بسبب انعكاس التدهور الاقتصادى وضيق العيش فى نهلية القرن الثامن عشر على الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع بصفة عامة.
تُعد الملابس أحد المقاييس الهامة للمستوى الاقتصادى لجميع فئات المجتمع، ومن هذا المنطلق فإن النتيجة الطبيعية لوصعية الأعيان المرموقة بالريف تجعلهم أكثر تميزًا، وعلى الجانب الآخر تميل ملابس الأعيان للسواد غالبًا وللزرقة أحيانًا خاصةً عند الخروج، كما أن غالبيتها ملابس حريرية فضفاضة،
ومزخرفة بزخارف خاصةً على أطرافها، أما ملابسهم المنزلية فغالبيتها تميل للأخضر والأحمر.
ومن ضمن كماليات ملابس النساء أيضًا الطاقية التى كانت أحيانًا تُطرز بالفضة بالإصافة للطرحة، وهناك أيضًا السراويل، بالإضافة للحجاب الشرعى والنقاب الذى كان يدل على الثراء والالتزام الدينى
وأيضًا كمحاكاة لنساء كبار التجار والعكسر بالمدينة.
كان اقتناء الرجال من الأعيان لملابس مصنعة من أقمشة ذات مكانة رفيعة دليل آخر على ثرائهم مثل القماش المناوى ذو السمعة الشهيرة داخليًّا وخارجيَّا، بالإصافة لارتداء الملابس الحريرية المجوخة،
وتميل غالبية ملابس الرجال من الأعيان للسواد والبياض وأحيانًا الزرقة، ويُعد لباس الرأس المكون من العمامة البيضاء والشاش من كماليات ملابس الأعيان، ووُجِدَ لديهم أيضًا ملابس تدل على ثراء غالبيتهم من القفطان، والشال، بالإضافة إلى ملابس مصنوعة من الصوف وغير ذلك
كانت ملابس المجتمع المصرى بصفة عامة تتسم بالتواضع مقارنة بالشغف الأوروبى على الموضة وتتبع كل ما هو جديد خلال هذه الفترة، على عكس المجتمعات الإسلامية، وهو ما يُفسر تبديد الأوروبيين لجزءًا من ثرواتهم على الرفاهية والكماليات، بينما فى المجتمعات الإسلامية هناك تراكم نسبى
فى الأموال تم استثمارها فى الأنشطة الاقتصادية آنذاك فضلًا عن الأعمال الخيرية كالأوقاف والكتاتيب.
يُعد الحلى الخاص بنساء الأعيان مظهر آخر من مظاهر الثراء الذى عاشت فيه نساؤهم، كما أنه دليل على علو مكانتهم الاجتماعية والاقتصادية على السواء،
وتتميز نساء الأعيان بنوع من الإنفراد والتميز فى اقتناء الذهب والفضة بكثرة حبًا فى الظهور وتمييز أنفسهم عن باقى نساء الريف الذين لا يستطيعون الحصول على ذلك إلا قليلًا، فضلًا عن أن المغزى الحقيقى هو محاكاة لنساء العسكر وكبار التجار بالمدينة.
وعلى الجانب الآخر نظر بعض الأعيان لحلى نسائهم على أنها رؤوس أموال مدخرة يتم استثمارها فى النشاط الإنتاجى أثناء الأزمات التى يتعرضون لها.
ولذلك كان كثير من الأعيان فى أثناء الرواج الإنتاجى يستغلون جزءًا من عوائد الإنتاج فى شراء الحلى من الذهب.
يُعد النقوط أحد الدعائم الاقتصادية للراغبين فى الزواج، وشكل من أشكال التضامن الاجتماعى بين أبناء المجتمع، فضلًا عن أنه تعبير على المحبة والولاء فى كافة المناسبات التى مر بها الأعيان وغيرهم من فئات المجتمع المختلفة بالريف والمدينة على السواء،
وكل فرد يقدم ما يستطيع حسب طاقته ومدى قربه أو علاقته بصاحب المناسبة.
ويُعد النقوط شكل من أشكال التضامن الاقتصادى للتكافل بين أفراد المجتمع، كما أنه أساس قوى يقف عليه الزوجان فى بداية حياتهما الجديدة.
تمثل منازل الأعيان الواجهة الحضارية بالريف آنذاكْ وقد وجه الأعيان اهتمامهم بهذه المنازل بحكم تردد بعض المسئولين من المدينة عليهم، فضلًا عن الملتزمين الذين يترددون على منازل الأعيان بشكل مستمر.
وكان بناء أو شراء منزل فى موقع متميز بالقرية أو المدينة على السواء يعكس مدى الثروة
التى ينعم بها هؤلاء الأعيان ومدى ما بلغه من نفوذ.
ومن هذا المنطلق حرص كثير من الأعيان على شراء وتأسيس منازل جديدة، فضلًا عن الاهتمام بعمارتها وحدائقها، وما بها من وسائل تسلية وراحة لتلتصق بها أسماؤهم وأسماء عائلاتهم.
يمكن القول بأن عالبية الأعيان بحكم ترددهم المستمر على المدينة اتجهوا إلى محاكاة منازل أهالى ووجهاء المدينة خاصة الفئة العليا كالعسكر والتجار.
يتميز أثاث منازل الأعيان بأنه مزيج من الطابع الريفى والمدنى على السواء.
كان ملكية بعض الأعيان للجوارى والعبيد مظهر من مظاهر الحياة الاجتماعية داخل منازلهم، حيث كانوا يتولون أمر خدمة جميع من بالمنزل، وكان امتلاك الأعيان للعبيد كان غرضهم الأساسى منه تسخيرهم بالعمل لديهم فى الحقول، فضلًا على اعتمادهم على العمال الأجراء فى حالة قلة العبيد لديهم.
امتلاك بعض الأعيان خاصةً للجوارى لتحقيق نوعًا من الرفاهية لنسائهم، وبجانب الأعمال الخدمية والوجاهة الاجتماعية ندر بعضهم أيضًا إلى الجوارى على أنهم استثمار مالى يحقق لهم ثراء عن طريق البيع والشراء، ليس للمحليين فقط بل للمترددين على البلاد من الخارج أيضًا.
نشاط الأعيان لا يمكن أن يتم بمعزل عن دور الإدارة وهى قوى فاعلة من خارج القرية، فضلًا عن المجتمع الريفى، وهو حيز نشاط الأعيان فى غالبية الأحوال، وشبكة العلاقات التى نسجها الأعيان خارج وداخل نطاق الريف، وهدفها فى المقام الأول خدمة مصالحهم الاقتصادية وتفويت الفرصة على من يريد
المساس بها من داخل وخارج الريف، مستخدمين فى بعض الفترات ما يمكن أن نُطلق عليه سياسة التوزان بين القوى الفاعلة فى المجتمع، فضلًا عن تجنب أعمال العنف الموجهة من قبل الأهالى والبدو لاقتصادياتهم.
تبوأ الأعيان مكانة مرموقة فى المجتمع الريفى نتيجة لارتباطهم الاقتصادى والاجتماعى
ببعض رجال الإدارة بالقاهرة والمحلية بالأقاليم، وقد اعتمدت الإدارة على الأعيان كنخبة اجتماعية بالريف فى تحقيق أهداف عديدة تتمركز فى المقام الأول حول تنظيم الأوضاع الاقتصادية والأمنية.
والجدير بالذكر أن الأعيان لم يكن لهم دور فى الصراعات التى دارت بين القوى المختلفة
فى المجتمع خاصةً بين الفرق العسكرية، كما لم يكن لهم سعى مباشر فى الحصول على الالتزامات التى تصارعت عليها القوى العسكرية، ولم يكونوا أيضًا طرفًا فى أعمال العنف التى درات فى المدينة خاصةً بين العسكر، ولكنهم على النقيض استغلوا هذه الصراعات لصالحهم بالريف،
بمعنى أنهم جنبوا مصالحهم الاقتصادية مخاطر هذه الصراعات، كما أنهم فى غالبية الأحوال لم يُعينوا طرفًا على الآخر، بمعنى أن مصالحهم انصبت على الجانب الاقتصادى دون السياسى، وعلى صعيد آخر فإنهم لم يكونوا مجرد مراقبين سلبيين للأحداث، حيث استغلوها لصالحهم بالريف،
ممثلة فى استغلال الأهالى، فى ظل تزايد مشاكل الإدارة خاصةً فى القرن الثامن عشر.
وفى إطار تفعيل العلاقة برجال الإدارة حرص بعض أعيان القرى خاصة القريبة من القلاع والحصون الرئيسية أو القريبة من مقر الفرق العسكرية على الانضمام بل والاندماج فى الفرق العسكرية،
فى محاولة للجمع بين العمل الإدارى بالمشيخة والعسكرى بالقلاع لاكتساب حصانات اقتصادية فى مواجهة ابتزازات العسكر للأعيان والريفيين فى بعض الفترات.
ومن الجانب الآخر من العلاقة قام الأعيان بتغذية الخلافات التى نشبت بين الملتزمين بالريف على مستوى القرى،
بمعنى إنهم عملوا على توسيع الهوة بين الملتزمين لخدمة مصالحهم.
ومن الجدير بالذكر أن صلات الأعيان برجال الإدارة وممثليها بالريف اتخذت اشكالًا مختلفة وغير شرعية، كما كان من مصلحة الأعيان أن يتبادلوا المنافع مع رجال الإدارة فى مختلف الاتجاهات،
حيث أنابوا عن الأعيان وأناب الأعيان عنهم فى المعاملات الاقتصادية مع جميع فئات المجتمع فى الريف والمدينة، وقد تمثلت الجماعات الرئيسية للإدارة التى ارتبط بها الأعيان فى رجال الديوان، ورؤساء الفرق العسكرية وكبار رجال السلطة القضائية بالأقاليم.
وتجدر الإشارة إلى أن غالبية الأعيان بالريف لم يكونوا مجرد متلقين سلبيين لما تسنه الإدارة لهم من قوانين، كما كان لديهم مهارة فى ابتكار أساليب وقدرات على تحليل ثقافة التملك (التبرير القانونى) عن طريق المناورات المختلفة التى استخدمها الأعيان وغيرهم أمام المؤسسات القضائية.
وعلى صعيد آخر لم تكن علاقة أعيان القرى بالإدارة تسير على وتيرة واحدة، فقد انعكست المصالح الاقتصادية للأعيان بشكل كبير على علاقتهم بالإدارة إيجابًا عن طريق التوثيق غالبًا، وسلبًا من خلال المقاطعة أحيانًا والتصدى لأى محاولة تمس بمصالحهم الاقتصادية،
كما خالفوا الكثير من أوامر السلطة التى تقف حجر عثرة فى طريقهم، بما فيها تلك الأوامر الصادرة عن الديوان العالى بالقاهرة، التى ضربوا بها عرض الحائط فى بعض الأحيان.
ولا شك أن الاضطراب السياسى الكبير فى النصف الثانى من القرن الثامن عشر نتيجة محاولة لإحياء النظام المملوكى القديم
قد أثر سلبًا على النشاط الإنتاجى للأعيان والمجتمع الريفى عامةً، وكان تنصيب على بك الكبير فى الفترة ما بين عام ١٧٦٠م إلى ١٧٧٢م، كشيخ للبلد أو الحاكم الفعلى للقاهرة فى حقيقة الأمر بداية نهاية السلطى الحقيقية للدولة العثمانية فى مصر،
وقاد عصبته (بيت قازدوغلى) إلى السيطرة بهزيمته لبيوت المماليك الأخرى التى تنافسه على السلطة، وقد بلغ الضعف بالبيوت المنهزمة أنها لم تعد تمارس بعد ذلك أى دور بارز على الصعيدين السياسى والاقتصادى.
وقد تبع على بك هذا النجاح بالتخلص من منافسيه فى بيت قازدوغلى وثبت سلطانه،
وفى أعقاب ذلك قام ببسط نفوذه على باقى الأراضى المصرية بهزيمته للقبائل البدوية التى كانت تسيطر على الصعيد (خاصة قبيلة هوارة بزعامة شيخها همام)، وبعض أجزاء من الدلتا التى كان يسيطر عليها سويلم بن حبيب، خاصةً طريف الملاحة النهرى الممتد من دمياط لبولاق.
ورغم هذا النجاح القصير المدى لعلى بك إلا أنه كان له تأثيره الواضح فى تمزيق المجتمع المصرى على المدى الطويل، وكان أعيان القرى قد جنبوا أنفسهم الانضمام إلى هذا الفريق أو ذاك تفاديًّا لما سينتج بعد تغلب أحد الفريقين على الآخر،
وقد قام على بك الكبير بعملية توزيع زاسعة النطاق لقرى أعدائه المنهزمين، حيث وزعها فى هيئة التزامات على أتباعه كغنائم سياسية، وعلى نقيضه تمامًا فعل أبوالذهب فى الفترة ما بين عامى ١٧٧٢م و ١٧٧٥م، حيث أعاد كثير من القرى إلى حائزيها السابقين كوسيلة لتدعيم نفوذه،
فضلًا عن تحجيمه النسبى لنشاط البدو.
وهكذا سيطر العسكر التزامات غالبية القرى ففقد العثمانيون سيطرتهم على الإدارة الإنتاجية بالريف نهائيًّا، وفى ظل هذه التقسيمات والاضطرابات السياسية برزت عائلات أعيان جديدة فى بعض القرى ازداد نفوذها تدريجيًّا على حساب العائلات القديمة.
شارك الملتزمون وغيرهم من رجال الإدارة كثير من الأعيان فى النشاط الزراعى والتجارى، وعلى الجانب الآخر كان بعض الأعيان يشاركون الملتزمين فى النشاط الصناعى وغيره من الأنشطة الأخرى.
وشهد القرن السادس عشر والسابع عشر اعتمادًا لغالبية الأعيان على العسكر وغيرهم كمصادر لتمويلهم بالأموال.
ومن الأهمية معرفة أن بعض الأعيان أيضًا شاركوا بعض قضاة المحاكم على الإنتاج، بالإضافة لاستئجار أراضى الأوقاف لمدد طويلة بلغت فى بعض الأحيان ٨٩ عامًا، وتعد هذه محاولة من بعضهم للتقرب من رجال القضاء بجانب العسكر لتيسر نشاطهم على كافة الاتجاهات.
وفى نفس الاتجاه ازداد نفوذ بعض الأعيان أيضًا وكونوا شركات تجارية مع ملتزمى الجمارك من الشوام لتصدير السلع الزراعية المنتجة بريف المنصورة والضواحى الريفية لدمياط إلى بلاد الشام.
تتميز علاقة الأعيان بالأهالى ببروز مصالحهم على حساب الأهالى، وبلغت هذه المرحلة فى ذروتها بازدهار الزراعة التجارية وزيادة الطلب عليها، ويُعد استغلال للأعيان للأهالى على المستويات الإنتاجية بالريف البداية الحقيقية للأزمة المفتعلة من قبل الأعيان،
التى قادت إلى تساقط أركان بنية العلاقة القائمة فيما بينهم، نتيجة لمحاول الأعيان تركز الإنتاج فى أيديهم وتعامل الأهالى مع التجار من خلالهم.
يُلاحظ فى بعض الأحيان أن العداء بين الأعيان والأهالى داخل نطاق القرية انعكس سلبًا على علاقة الأعيان الاقتصادية والاجتماعية
بنظرائهم فى القرى المجاورة، واتخذ هذا الصراع شكب عمليات كر وفر أحيانًا، ومشاجرات صريحة فى أحيان أخرى.
انعكست ضغوط الأعيان الاقتصادية على كثير من الأهالى، فحاول بعضهم الخروج من القرية تاركين أرضهم وديارهم إلى مناطق أخرى أوفر حظًا
وهكذا يتضح مدى وعى الأعيان بطبيعة معامليهم من قوى فاعلة ومهمشة، وتكوين شبكة من العلاقات الإنتاجية بالريف والمدينة، ومدى مهارتهم فى استخدام سياسة التوازن بين القوى المختلفة فى المجتمع من خلال الموازنة الإنتاجية والتجارية بين جميع القوى للمحافظة على مصالحهم الاقتصادية.

جاري تحميل الاقتراحات...