عبدالعزيز المقبل
عبدالعزيز المقبل

@AzizSapphire

44 تغريدة 454 قراءة Feb 06, 2022
بسم الله الرحمن الرحيم
في هذه السلسلة البسيطة سأحاول ان أوضح بعض النقاط المتعلقة بأزمة أوكرانيا و الأبعاد المتعلقة بخطوط الأنابيب و إمدادات الطاقة العالمية
أحاول التركيز هنا على بعض المحطات التاريخية المهمة التي لا يتم طرحها مؤخرا و لكنها في نظري مهمة في سياق الأحداث
من الصعب تحديد في اي توقيت بدأت الأزمة الاوكرانية الا ان الأكيد هو ان البعد الجغرافي يظل الأهم في هذه الأزمة و هو أساس الخلاف و ليس الخلاف متعلق بالنواحي البترولية او خطوط الأنابيب
هل هو صراع إمدادات الطاقة؟ حتما لا
هل هو صراع تجاري ؟ بالتاكيد لا
هنا نستعرض أهم الأحداث الاي شكلت أوكرانيا اليوم
من بعد عام 1918 و ثورة البلوشفيك استقلت اوكرانيا ثم تلى ذلك الثورة الروسية و من بعدها الحرب الأهلية و تشكيل الإتحاد السوفيتي
أوكرانيا السوفييتية كانت ذات طابع جغرافي و لكن ايضا طابع ديموغرافي من خليط إجتماعي
هكذا كانت اوكرانيا السوفييتية
من أهم ما مرت به اوكرانيا كان فترة منح روسيا جزيرة القرم كبادرة حسن نية الى اوكرانيا ضمن الأخوة السوفييتية عام 1955
هذا التطور لم يلغي الجغرافيا و لكنه أعاد تشكيل بعض (بعض) التوزيعات الديموغرافية العرقية في هذه المنطقة
ثم يلي تلك الفترة مرحلة اخرى لا تقل اهمية و هي فترة السباق التسليحي السوفييتي الأمريكي وصولا الى اتفاقيات ( الحد من انتشار الأسلحة ) في السبعينات الميلادية
يجب ان ننوه هنا ان الإرث العظيم لخطوط الأنابيب الممتدة من شتى بقاع الإمبراطورية الروسية الى أوروبا تعود الى ما قبل القرن العشرين اي منذ عام 1880 تحديدا
الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان كان له نصيب الأسد من تشكيل أوكرانيا اليوم .. خصوصا في فترة الحرب الباردة
و بطبيعة الحال ميخائيل غورباتشوف ايضا كان قد ساهم في تشكيل اوكرانيا اليوم
كان تأثير ريغان قوي جدا في فترة القطبية السابقة المتمثلة في قطبي ( وارسو - ناتو) و كيف كان الحلفين في صراع مستمر طيلة الحرب الباردة
الرئيس الأمريكي ريغان هو أول ! من استخدم خطوط الأنابيب كسلاح استراتيجي و اقتصادي ضد المصالح السوفييتية
نستذكر خط انابيب Euro Siberan Pipeline SNGP و كيف فرض حظرا و عقوبات اقتصادية على مد الأنبوب او حتى تقديم اي تقنيات مساندة بل و فرض على أوروبا استخدام الغاز النرويجي
وقف الرئيس ريغان من أمام جدار برلين الذي كان يمثل خط التماس بين الحلفين مناديا بهدم الجدار في 12 يونيو من عام 1987 .
الرئيس ريغان دعى ( over and covert ) لدعم الانفصاليين سرا و علانية
كما فرض الرئيس ريغان عقوبات اقتصادية على كل شركة أوروبية تعتمد على الغاز السوفييتي في ما سمي ب NSDD-32
حتى الاوربيون تاثروا بتلك القرارات
هذا التضييق الإقتصادي كان له تاثيره على السوفييت التي عانت كثيرا من ضعف المداخيل ... الرئيس غورباتشوف أصبح تحت ضغط هائل و الإتحاد السوفيتي بدأ بمحاولة إنقاذ نفسه
بدا الرئيس السوفيتي ميخائيل غورباتشوف الاحساس بالخطر الإقتصادي و هنا مرحلة دقيقة جدا حيث بدأت بعض المناطق السوفييتية التفكير بالانفصال عن الإتحاد السوفييتي .. ثلاثة هي أهم المناطق التي شكلت تهديدا على استمرار الإتحاد السوفيتي ( روسيا - اوكرانيا - روسيا البيضاء "بيلاروسيا ")
مع مجيء الرئيس الأمريكي جورج بوش الى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية زاد الضغط على غورباتشوف ... و أسعار النفط و الغاز كانت متراجعة و القدرة التصديرية السوفييتية أصبحت محدودة ... الضغط الإقتصادي خانق على السوفييت
هنا نقطة تحول تاريخية في تاريخ النفط و الغاز العالمية حيث اطلق غورباتشوف برامج الانفتاح و الهيكلة غلاسنوست بيريسترويكا . و من ضمن الأراضي التي يتواجد عليها الإتحاد السوفيتي كانت ألمانيا الشرقية ... ارتمى غورباتشوف الى الألمان داعيا الشركات النفطية الألمانية الى السوفيت
لم يكن لدى المانيا اي شركات بترولية جاهزة للدخول في الحقول النفطية السوفييتية العملاقة ... توجهت القيادة الألمانية الى فرنسا و إيطاليا فكانت شركة ايلف الفرنسية و إيني الإيطالية أول الداخلين الى الحقول السوفييتية بداية التسعينات
هذا الباب الذي فتحه غورباتشوف شكل أكبر نقله تاريخية في شركات النفط الغربية و أعاد تشكيل كل الشركات النفطية العالمية لاحتواء الحقول الروسية العملاقة ... و لكن بالنسبة للإتحاد السوفيتي فقد كان الوقت متاخرا كثيرا ...
التظاهرات عمت أوروبا الشرقية و وسط اوروبا حتى انهيار جدار برلين عام 1989
الرئيس الأمريكي بوش اجتمع الى قيادات دول الناتو بخصوص انضمام دول شرق و وسط أوروبا الى الحلف مع تقهقر حلف وارسو
في عام 1990 سلمت السوفييت المانيا الشرقية الى المانيا الغربية ... و في السنة التي تلتها أعلن انهيار الإتحاد السوفيتي من خلال خطاب الرئيس غورباتشوف و بروز الدول الرئيسية ( روسيا - اوكرانيا - بيلاروسيا - كازاخستان ) هذه الدول هي الوريثة للرؤوس النووية السوفييتية
الخطر الأمني على الغرب لم يكن فقط بتفكك الإتحاد السوفيتي بل اين تذهب الرؤوس النووية !
وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر قضى في طائرته اوقاتا كثيره لزيارة روسيا و اوكرانيا و بيلاروسيا لطمئنة الغرب عن مصير الرؤوس النووية
عرضت مارغريت ثاتشر انحلال حلف وارسو و اكدت ان فجوة التفكك وخيمة ... أصرت ثاتشر على ان الوقت غير مناسب لضم دول شرقية الى الناتو ...
هانز غينشر وزير خارجية المستشار الالماني هيلموت كول رفض فكرة توسع حلف على حساب الآخر على ارض أوروبا و مشددا ان على الحلفين تحقيق التعايش الآمن المشترك
المانيا كانت خط التماس الأول و أرض معظم الصراعات ... و لكن الألمان احسوا بأن الرغبة الأمريكية هي في توسعة و ضم أعضاء جدد الى حلف الناتو ..
دول الاسكندانافية في الشمال مثل النرويج شرطت انضمامها الى الناتو بعدم استخدام أراضيها ميادين حرب
مع قدوم الرئيس الأمريكي بيل كلينتون لم تعجبه الشروط الأوروبية فجاء بمقترح Partnership For Peace المشاركة من اجل السلام PFP . و هو ما اضاف شرط استخدام الأراضي الأوروبية لحلف الناتو لحفظ السلام
عند أول زيارة للرئيس كلينتون الى مركز حلف الناتو قال (( لا نريد ان نضم دولا على خريطة برسم خطوط على خريطة و الا فإن ذلك سيجعل من أهم دولة بالنسبة لنا -يقصد اوكرانيا- خارج الحلف ))
في تاريخ 31 من يناير1994 زار المستشار الألماني هيلموت كول البيت الأبيض فقال له الرئيس الأمريكي كلينتون صراحة (( اوكرانيا هي العمود الفقري لمضمون الناتو))
عرف الألمان وقتها ان هناك أهداف توسعية بينما الأمن الألماني الإقتصادي المتعلق بالطاقة سيصبح رهينة
دخلت شركات النفط العالمية الغربية أكبر موجة اندماجات في تاريخها تأهبا لدخول حقول النفط الروسية العملاقة
الألمان شعرو بالخوف الشديد
أوكرانيا المهمة في ذلك الوقت كانت عبارة عن معبر لخطوط الأنابيب الممتدة من روسيا الى أوروبا
في عام 1997 قرر الألمان أن تعتمد على إمدادات الطاقة المباشرة من روسيا تماما كما تتواجد الشركات الغربية مباشرة في روسيا ... هنا تمت شراكة شركة غازبروم الروسية مع شركة نست الفنلندية لمد خط أنابيب مباشرة من روسيا الى المانيا في عهد المستشار غيرهارت شرودر
تاسست شركة شمال اوروبا للأنابيب عام 2001 بشراكة غازبروم الروسية و فورتوم و رهور الالمانية و ونترشال الالمانية. كان اسمها The North European Gas Pipeline Company . حتى عام 2006 عندما انهى المستشار غيرهارت شرودر فترته الرئاسية و اصبح بعدها رئيس مجلس إدارة الشركة بإسم
Nordstream
خسائر أوكرانيا و حلفاؤها من جراء افتتاح خط انابيب نوردستريم1 يبلغ مليار دولار أمريكي سنويا
خسائر أوكرانيا و حلفاؤها من جراء افتتاح خط انابيب نوردستريم2 يبلغ 4مليار دولار أمريكي سنويا
متاعب أوكرانيا و من استثمر في أوكرانيا لجعلها ( مضيق هرمز ) لغاز أوروبا لم ينتهي هنا ... المخاطر تعاضمت في مناطق أوكرانيا التي جعلت من أرضها ميدان نزاع
في عام 2004 تدخلت قوى الناتو لقلب نتائج الانتخابات التي فاز بها Yanukovych ... فقررت قوى الناتو بدء الثورة البرتقالية التي نصبت Yushchenko زوج مستشارة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان المسماة كاثرين شوماشينكو ( مواليد شيكاغو ) خريجة جامعة جورجتاون
تزامنا مع الثورة البرتقالية في اوكرانيا انطلقت في جيورجيا الثورة الوردية ... في تلك الفترة كانت إمدادات الغاز الروسية الى اوربا تعتمد على هاتين الدولتين بنسبة 85%
لم يعجب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هذه الاضطرابات فلجا الى تهدئة الثورات المستمرة و التي كانت تتخذ من الغاز الروسي وقود لتاجيج الصراع ...
الرئيس بوتن طلب تهدئة الأجواء الا ان وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس اتهمته بأنه يريد استخدام الغاز كسلاح و هو ما اعتبرته تجاوز
في عام 2006 اضطرت روسيا الى عدم المخاطرة بالغاز الى اوكرانيا فتم قطع إمدادات الغاز حتى تهدأ الثورات
إبان ثورات ما يسمى بالربيع العربي تاجج الضغط على روسيا من خلال اوكرانيا مرة أخرى في عام 2013 ... انطلق هاشتاغ ( EuroMaidan ) اسوه بما حصل في ميدان مصر و تونس و غيرها ... فدخلت أوكرانيا في حالة ثورة ... اعتبرت روسيا ذلك تفكك في اوكرانيا
هذه المرة لم يمهل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أحدا اي فرصة فاستعان بالقوانين الدولية لحماية الروس المتواجدين في شبه جزيرة القرم أثناء تفكك اوكرانيا فأصبحت شبه جزيرة القرم أرضا روسية بصنيع المجازفات التي دخلتها أوكرانيا
ما دعم موقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو مذكرة التفاهم المسماة مذكرة بودابست التي تم توقيعها عام 1994 بين روسيا و اوكرانيا و بيلاروسيا و الولايات المتحدة الأمريكية و بريطانيا ... اعتبره الرئيس بوتن ان تاجيج الثورات اخلال بالمذكرة و هو ما شكل تهديد سيادي و بذلك انهى اللعبة
اما الحالة الاجتماعية فتبقى اوكرانيا منقسمة جدا
ختاما ... تبقى روسيا متمددة بخطوط أنابيب تضعها على منافذ متعددة بعيدا عن مجازفات اوكرانيا و من يدعمها .
إنتهى

جاري تحميل الاقتراحات...