أحمد بن نهار
أحمد بن نهار

@a7madn7ar

26 تغريدة 21 قراءة Jan 17, 2022
"محاولة لقراءة الفقرة ( الأولى) من المادة ( السادسة والستون ) من نظام #الإثبات السعودي من جهة مدى تعلّقها بالنظام العام من عدمه في ضوء الاجتهادات القضائية"
نصها : يجب أن يُثبت بالكتابة كل تصرّف تزيد قيمته على ( مائة ألف ريال أو مايُعادلها ) أو كان غير محدد القيمة .
السؤال الذي يرتفع الآن : أتعتبر قاعدة الإثبات بالكتابة متعلقة بالنظام العام أم لا ؟ وماهو أثر ذلك على المتداعين ؟
بدايةً يجب أن نعلم أنه إذا اعتبرت قاعدة وجوب الإثبات بالكتابة فيما جاوز مائة ألف ريال متعلقة بالنظام العام، ترتب على ذلك أمور منها : (1) أن الاتفاق مقدمًا على ما يخالفها يقع باطلًا (2) وأن التنازل عن التمسك بها في أثناء سير الدعوى وقبول الإثبات بالبنية لا يقيدان من صدرا منه
(3) وأنه يجب على المحكمة أن تقضي من تلقاء نفسها بعدم قبول الإثبات بالبينة فيما تجب فيه الكتابة ولو لم يتمسك ذو الشأن بذلك (4) وأنه يجوز لذي الشأن أن يتمسك بوجوب الإثبات بالكتابة في أية حال كانت عليها الدعوى ولو لأول مرة أمام المحاكم الأعلى درجة
والعكس بالعكس في كل هذه النتائج ما إذا قلنا أنها لا تتعلق بالنظام العام
ومما لا شك فيه أنه هذه القاعدك شُرعت لصيانة أخلاق الناس وحماية مصالحهم لكن هل ترتفع إلى الحد الذي يجعلها من النظام العام ؟
الراجح في الفقه الفرنسي وفي القضاء البلجيكي أن هذه القاعدة متعلقة بالنظام العام. أما المحاكم الفرنسية –يؤيدها بعض الشراح- فبالرغم من تسليمها بأن هذه القاعدة قد شرعت لمصلحة عامة تذهب إلى أنها لا تتعلق بالنظام العام
وبناء على ذلك قضت بصحة التنازل الحاصل في أثناء سير الدعوى عن التمسك بهذه القاعدة سواء كان التنازل صراحة أو ضمنًا، وبأنه ليس للمحكمة أن ترفض من تلقاء نفسها طلب الإثبات بالبينة، وبأنه لا يجوز التمسك بهذه القواعد لأول مرة أمام محكمة النقض
ولكنها لم تقض بصحة الاتفاق مقدمًا على جواز الإثبات بالبينة فيما تجب فيه الكتابة أي بصحة الاتفاق الذي يحصل بشأن ذلك من وقت انعقاد التصرف.
وفي مصر كان بعض الشراح يرى أن هذه القاعدة متعلقة بالنظام العام وذهب آخرون إلى عكس ذلك وعللوا رأيهم بأن هذه القاعدة –ولو أنها في الأصل موضوعة لضمان حسن سير العدالة والتقاضي- موضوعة أيضًا لصيانة حقوق الأفراد مما تتعرض له من ضياع بسبب كذب الشهود وتلفيق الشهادات
وبأنه ما دام المدعى عليه يملك أن يقر على نفسه بالحق المدعى، فمن باب أولى يملك أن يسلم بثبوت ذلك الحق في ذمته من طريق البينة عوضًا عن طريق الكتابة.
وقد أخذت المحاكم المصرية بالرأي الثاني، وقررت محكمة النقض بإطراد "أن قواعد الإثبات في العقود المدنية لا تعلق لها بالنظام العام، فيجب على من يريد التمسك بالدفع بعدم جواز إثبات الحق المدعى عليه به بالبينة أن يتقدم بذلك إلى محكمة الموضوع قبل سماع الشهود
فإذا ما سكت فلا يجوز له بعد ذلك أن يتمسك به، ولا للمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها، إذ أن هذا السكوت يعتبر تنازلًا منه عن حقه في الإثبات بالطريق الذي رسمه القانون، ولا يكون له بعد أن سقط حقه في هذا الدفع بتنازله عنه أن يعود فيتمسك به أمام محكمة النقض"
ولكنها هي أيضًا كالمحاكم الفرنسية لم تقض بصحة الاتفاق مقدمًا على جواز الإثبات بالبينة فيما تجب فيه الكتابة، بل حكمت بعض المحاكم ببطلان مثل هذا الاتفاق
ويظهر من تحليل أحكام المحاكم الفرنسية والمصرية أنها تعتبر قاعدة وجوب الإثبات بالكتابة فيما جاوز نصاب البينة متعلقة بالنظام العام إلا في الحالات التي يكون فيها نزول المدعى عليه عن التمسك بهذه القاعدة حاصلًا بعد نشوء النزاع بينه وبين المدعي وبعد رفع الدعوى
وحصر موضوع النزاع وتعيين أشخاص الشهود وما يستشهد عليه بهم، سواء كان ذلك النزول صريحًا أو ضمنيًا. ولا شك في أنه في هذه الحالات يكون الأمر متعلقًا بمصلحة المدعى عليه الشخصية، ويكون هذا في موقف يسمح له بتقدير ما يتعرض له بقبول الإثبات بشهادة هؤلاء الشهود
فإن كانوا محل ثقته قبل الإثبات بالبينة وإلا تمسك بوجوب الإثبات بالكتابة، وإذن فلا يكون ثمت مانع من أعمال قبوله. أما الاتفاق سلفًا على التحلل من وجوب الإثبات بالكتابة، فإن فيه نوعًا من المضاربة لأن كلًا من الطرفين يقبل هذا الاتفاق في وقت لا يعلم فيه شيئًا عما سيكون موضوع
وفي المسألة يقول الاستاذ سليمان مرقس :( وقصارى القول إني أرى أنه مما يتفق مع أحكام المحاكم في ظل التقنين الملغى القول بأن قاعدة وجوب الإثبات بالكتابة فيما جاوز عشرين جنيهًا تتعلق بالنظام العام من حيث أنها تمنع المضاربة بشهادة الشهود بوجه عام
ولا تتعلق به من حيث أنها تحمي حقًا معينًا للمدعى عليه تمنع ثبوته بشهادة الشهود في ظروف معلومة للمدعى عليه، أو بعبارة أخرى أن المحاكم كانت تفرق بين الاتفاق سلفًا على التحلل من هذه القاعدة، وبين النزول في أثناء سير الدعوى عن التمسك بها
ففي الأول كانت تعتبر القاعدة متعلقة بالنظام العام والاتفاق على ما يخالفها باطلًا، وفي الثاني لم تكن تعتبر القاعدة متعلقة بالنظام العام وكانت تعد النزول عنها صحيحًا سواء كان النزول صريحًا أو ضمنيًا " انتهى كلامه
وفي القانون اللبناني يشير الأستاذ إدوار عيد في مؤلفه "قواعد الإثبات في القضايا المدنية والتجارية" ج1 سنة 1962 ص95 إلى أن قضاء المحاكم يجري على اعتبار هذه القاعدة غير متعلقة بالنظام العام وأنه يجوز لذوي الشأن أن يتنازلوا عن التذرع بها
وأن ذلك يستتبع أنه لا يجوز للقاضي أن يحكم من تلقاء نفسه بعدم قبول البينة فيما يوجب القانون إثباته بالكتابة، ولا يجوز للخصوم أن يتمسكوا بهذه القاعدة لأول مرة أمام محكمة التمييز، ولا يجوز لمن ترك حقه صراحةً أو ضمنًا في التمسك بهذه القاعدة أن يعود إلى التمسك بها
ويذكر في هذا الشأن حكمًا لمحكمة التمييز اللبنانية ، غير أنه يرى التفرقة بين حصول الاتفاق على إحلال البينة محل الاتفاق وقت صدور التصرف أو حصوله بعد ذلك وأثناء قيام المنازعة بشأن التصرف، فيجيز هذا الاتفاق في هذه الحالة الأخيرة سواء حصل صراحة أو ضمنًا
أما الاتفاق المسبق على ذلك –أي الذي يتم وقت صدور التصرف- فيرى بطلانه وعدم التعويل عليه .
أما في القانون السوري، فالظاهر أن القضاء يسير على اعتبار هذه القاعدة غير متعلقة بالنظام العام، وقد قضت محكمة النقض السورية بأن على من يريد التمسك بالدفع بعدم جواز الإثبات بالبينة الشخصية أن يتقدم بذلك لمحكمة الموضوع قبل البدء في سماع شهادة الشهود
فإذا سكت عن ذلك عد سكوته تنازلًا منه عن حقه في الإثبات بالطريق الذي رسمه القانون.

جاري تحميل الاقتراحات...