كان طيّب القلب ، نقي السريرّة رغم دهاءه وقوته البدنية ، كان صديق الضيق قبل الرخاء ، وكان الساعد الذي يشتدُّ عودي حين أشد عليه ، كنا نشعر أنا وصديقي أن الحياة قد سُلبت منا حقنا في الإختيار لذا كان يجب علينا أن نلعب دور الهجوم مثلها ، ونسرّق كل ماتضعه في طريقنا.
أمتلكنا مهارات جيدة في كسر الإقفال ، حتى أنه باتّ من الصعب أن نواجه باب يستعصي علينا فتحه ، بالإضافة لخفة اليد في النشل ، ألم تنشل منّا الظروف قدرتنا على الأحتمال؟ الظروف نشّالة محترفة تتباهى بخفّة يدّها .
بعد أسبوعٍ كاملٍ أمضيته في غرفتي لأنَّقي فيهِ روحي من الشوائب ولأنعمَ بالتوبةِ، خرجتُ لصالة المنزل، جدي وجدتي أمي وأبي، كانوا يجلسون في الصالة، نظروا إليَّ عندما أقبلتُ عليهم بطريقة غير اعتيادية، كانت نظراتهم مزدحمة بالخوف، وكانت ملامحهم تنطقُ بالحزن، تنطق به بصمتٍ وبحرصٍ مفرط.
بقيتُ واقفًا في منتصف الصالة، أقابل هذه الطاقة الهائلة بالصمت برجفة في أطراف أصابعي، واقفًا لكنَّ أقدامي ترفض حملي، أتنفسُ لكن رئتيَّ تبذل جهدًا أكبر حتى لا أختنق..هذه الطاقة كانت كفيلة بأن أفهم بأنَّ أمرًا ما قد حصل، وليس بالأمر الجيد بالطبع
بغتةٍ جاء صوت جدي ليكسر هذا المشهد؛ وينفض عنه الرتابة، طلب مني أن أقترب منه، فاقتربت وجلست إلى جانبه مثقلا بالأسئلة التي أنتظر جوابا عليها، أمسكَ بيدي وأخبرني بالذي حدث!، لم أصدِّق لحظتها، تلبسني الجمود، بردت أطرافي لدقائق معدودة ثمَّ انفجرتُ ضاحكًا،
تماديتُ في نوبة الضحكة الهستيرية للحدِّ الذي جعلني أنسى من حولي، وأنسى من أكون، أنسى الزمان والمكان.. نبضات قلبي تزداد، جسدي يتعرَّق.. أنا أستعيد كلّ المشاعر الإنسانية التي افتقدتها في لحظات.. أنا في دوامة من الألم تمتصُّني من أوَّلي حتَّى آخري..
نظرت إلى جدي بعد أن نجحت في تثبيت الكون من تحتي وقلت: أعد عليَّ الخبر يا جدي، أرجوك..أعاد جدي نطق الخبر وأكَّد عليه وهنا سقطت منِّي أوَّل دمعة.. وارتفع صوت عائلتي بالبكاء.. هنا جاءت الصرخة الرافضة للفقد، صرخت وصرخت إلى أن ذويت.. يا لقسوة الطريق الذي ابتلع قلبكَ يا صديقي
هل كنت تمازح عائلتك وتنثر عليهم رذاذ الماء فجأة لحظة غدركم مقود التحكِّم في السيارة؟، هل كنت شاردًا تعدُّ الكيلومترات اللازمة لتصلِّ إلى روح المدينة التي تحب؟ أيُّ حزنٍ هذا الذي وصل إلى قلبي بعد أن أوصلك إلى التراب يا صديقي؟
هكذا بسهولة ترحل! على صدر من سترتاح أسئلتي من بعدك؟ تتركني دون أن تكمل معي مسيرتنا في هذا العالم البائس، هل ستنمو فيه زهرة من بعدكَ يا صديقي؟
يا صديق الأمس ارجع للحظة واحدة فقط لأقول لك: هبني الماء قبل أن ترحل لأغسل قلبي من حزنه كلَّما طرق اسمك بابه، هبني ضمادات كثيرة لأضعها على كلِّ جرح ستفتقه ذكرى جمعتنا معًا.. هبني قلبا جديدًا يقدر أن يعيش دون نبضك.
هذا النص سبق ونشرته بتاريخ ٣ مايو، وأي شخص نشره من بعد هذا التاريخ فهو ماخذه مني ومتعدي على حقوق الكاتب😄..
جاري تحميل الاقتراحات...