انتهى السلطان نور الدين بن عماد الدين زنكي من تهجده كما اعتاد كل ليلة ثم آوى إلى فراشه فرأى في منامه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشير إلى شخصين أشقرين قائلاً له: "أنقذني من هذين"، فاستيقظ فزعاً، فتوضأ وصلى ثم نام فتكرر المنام بعينه وهكذا ثلاث مرات.فقال نورالدين: لم يبق نوم.
وكان له وزير صالح يدعى جمال الدين الموصلي، فأرسل إليه وحكى له ما وقع له، فقال له: وما قعودك؟ اخرج الآن إلى المدينة النبوية واكتم ما رأيت. فتجهز نورالدين وخرج للمدينة بصحبة وزيره الذي أعلن أن السلطان أحضر صدقات لأهل المدينة. فكتبوا أسماء أهل المدينة، وأمر السلطان بحضورهم جميعاً.
وأخذ نورالدين يتأملهم واحداً واحداً إلا أنه لم يجد الرجلين اللذين رآهما بمنامه، فتحير في أمره وقال: هل بقي أحد لم يأخذ من الصدقة؟ فقالوا: لا، إلا رجلين مغربيين لا يتناولان شيئاً، وهما صالحان غنيان يكثران الصلاة والصيام والصدقة وزيارة البقيع، فانشرح صدر نورالدين وقال: عليّ بهما.
فلما رآهما وجدهما الرجلين اللذين رآهما في منامه فتمالك أعصابه وسألهما: من أين أنتما؟ فقالا: من بلاد المغرب جئنا حاجين، فقال لهما أين منزلكما؟ فأخبراه بأنهما في رباط بقرب الحجرة الشريفة. فأمسكهما وحضر إلى منزلهما. وبقي يطوف بالبيت حتى رفع حصيراً فرأى تحته سردابا محفوراً.
هذا السرداب ينتهي صوب الحجرة الشريفة، فارتاع الناس، وضربهما السلطان حتى اعترفا بأنهما نصرانيان بعثهما النصارى في حجاج المغاربة، وأعطوهما أموالاً عظيمة، وأمروهما بالتحيل لسرقة جسد النبي. فكانا يحفران ليلاً ولكل منهما محفظة من جلد يجمعان فيهما التراب ويلقيانه بالبقيع.
فلما اعترفا وظهر حالهما على يديه ورأى تأهيل الله له لذلك دون غيره، بكى بكاء شديدا وأمر بضرب رقابهما، ثم أمر بإحضار رصاص عظيم، وحفر خندقا عظيما حول الحجرة الشريفة وأذيب الرصاص وملأ به الخندق، فصار حول الحجرة سور من الرصاص، ثم عاد إلى ملكه، وكان ذلك عام ٥٥٧ه.
هذه الحادثة التي نقلها السمهودي في كتابه "وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى"، هي المحاولة الثالثة من جملة أربع محاولات وقعت بأزمنة مختلفة ذكرتها كتب التاريخ لمحاولات نبش قبر النبي الكريم وسرقة جسده الطاهر، ولكن الله تعالى حافظ نبيه صلى الله عليه وسلم حياً وميتاً.
#دروس_من_التاريخ
#دروس_من_التاريخ
جاري تحميل الاقتراحات...