د. يوسف العريفي
د. يوسف العريفي

@yoraifi

13 تغريدة 43 قراءة Dec 29, 2021
ننكر بعضَ الممارسات السيّئة بحجّة أنها مخالفة للفطرةِ. وهذا جميل جداً، لكن هل فكّرنا في المقصود الحقيقي بالفطرة، وبحثنا عن مرجعية موثوقة لها؟ ذلك أنّ معنى الفطرة في عقولنا قد يفسد نتيجةَ ما نتعرّض له من مواد تفسد الفطرة التي نحتكم لها. بدون هذا المرجع تصبح الفطرةُ منزوعةَ المعنى!
الفطرة هي الخلقة الأصلية للإنسان وتنسب إلى الله، وفي الآية: (فطرة الله التي فطر الناس عليها). فهي الطبيعة الإنسانية كما خلقها الله، دون تغيير، سواء ما يتعلق بالهيئة أو الميول أو السلوك. وإذا كان الله تعالى يحبّ الفطرة، فالشيطان يحب تغييرها، وفي الآية: (ولآمرنهم فليغيرن خلق الله).
الفطرة الإنسانية تمثّل التكريم الإلهي للإنسان حين يرتقي عن البهيمية إلى الإنسانية الكاملة. من يسعى لتعزيز الفطرة ويدافع عنها ففعله جميل محبوب لله، ومن يسعى لإفسادها وتشويهها ففعله قبيح محبوب للشيطان.
الفطرة هي ميول وسلوكيات إيجابية نابعة من الطبيعة الداخلية للإنسان، أي: يميل لها الإنسان بذاته ويأنس بفعله لها، دون أن يتعلّمها من البيئة الخارجية، كأنّها إعدادات جاهزة وبرمجة أصلية.
الفطرة لها جانبان: الأول هو الإعدادات الإيجابية والميول الأصلية في الإنسان التي تدفعه للقُرب من الأشياء الجميلة واستحسانها، كالصدق والعدل وستر العورة، والبُعد عن الأشياء القبيحة واستقباحها، كالرّوائح والطعوم الكريهة والتعرّي عند الناس وعند قضاء الحاجة والمعاشرة الجنسية.
ومنه الميل بين الجنسين، فالميل المثلي خلاف الفطرة، ومنه الاختلاف بين الجنسين في الشكل والوظيفة، فالتشبّه بالجنس الآخر بما هو من خصوصياته كحلق المرأة شعرها وتركها للزينه، وتزين الرجل بزينة النساء والعكس، مخالف للفطرة. كلّ ما يخالف الطبيعة الإنسانية فهو غير فطري، وبالتالي غير خلقي.
الجانب الثاني للفطرة هو الأوامر الإلهية الأولى للإنسان المتضمّنة تجميل خِلقته لتكون أكثر رقيّاً، والتي توارثتها البشرية وإن جهلت مصدرها. هي التي تسمّى خصال الفطرة، ومنها التنظّف والختان وتقليم الأظافر وقصّ الشارب وستر العورة. هذه الأوامر تجمّل الإنسان وترفعه عن رُتبة الحيوان.
ما كان فطرة، فالناس في كلّ مكان يتفقون على خيريته وكماله، وعلى بشاعة انتهاكه، دون أن يتواطؤوا على ذلك أو يتواصوا به. لكنْ هذا كان قبل تأثير يد التغيير الشيطاني، التي تعمل على حرف الفطرة وطمسها في النفوس. لذا، فالفطرة اليوم لا تكفي لتمييز الجميل واختياره، بعد أن ضعفت قدرتُها.
المرجع المتاح والموثوق لتحديد الفطرةِ السليمة والشذوذ عنها في زمن السيولة الأخلاقية وتشويه الفطرة هو "الإسلام"، خاصة ما أكّد على أنه فطرة أو شنّع على فعله. ومثله ما اتفقت الشرائع (الأديان) على حرمته وشناعته. وهذا معلم واضح لمعرفة الفطرة، وبدونه تضيع معالمها ولا يكون لها معنى.
بمعرفة معنى الفطرة ندرك أن بعض الأفكار والممارسات الجديدة شاذة عنها. الإلحاد، اللواط، السحاق، التعرّي، أكل المستقذرات، تطويل الأظافر كالحيوان، ترك الاختتان، تطويل الشوارب جدا، الوشم، تشويه الجسد، والممارسات الجنسية المنحرفة كالجنس مع البهائم والمحارم؛ أمثلة للشذوذ ومخالفة الفطرة.
الفطرة السليمة التامة الكريمة هي الفطرة التي دلّنا عليها الإسلام، حيث ينسجم الإنسانُ فيها مع خصائصِه الأصلية وما خُلق من أجله. وما أجملَ أن نجدّد عهدَنا بهذه الفطرة النقيّة؛ فنقول كلّ صباح ومساء، (اصبحنا على فطرة الإسلام) و(أمسينا على فطرة الإسلام).
وتم بحمد الله.

جاري تحميل الاقتراحات...