تقول: «بينما انطلق عشرون منهم نحوي شاهرين أسلحتهم، كنت أعدُّ بندقيتي بهدوء، وأتوقف لحظة لأتنفس بعمق، وأقتل الأقرب، قبل أن أحدد بهدوء هدفي التالي. وفيما بدا كلمح البصر، سمعت صوتاً ينادي: «حسناً، انتهينا.» وأضيئت الأضواء في غرفة المحاكاة ...
في الهدوء المفاجئ المحيط بي، توقعت حقاً المزيد من المهاجمين، وشعرت بشيء من خيبة الأمل عندما بدأ الفريق في إزالة أقطابي الكهربائية. تساءلت عما إذا كان أحدهم قد تلاعب بالوقت وقدّمه. فلسبب غير مفهوم، مرت عشرون دقيقة كلحظة. سألتُ المساعدة: «كم واحداً أصبت؟» ردت بنظرة ضاحكة: «جميعهم».
في التجربة الأولى التي سبقت هذه، سُمح لسالي أدي، الصحفية في New Scientist، بالدخول في جهاز محاكاة لساحة المعركة من دون ارتداء خوذة تحفيز عبر الجمجمة، وذلك في منشأة تدريب للقناصين، تصف سالي كيف اجتاحها الخوف عندما انقضّ عليها عشرون رجلاً ملثماً مسلحين بالبنادق ويلبسون أحزمة ناسفة.
تقول سالي عن التجربة دون خوذة: «كلما أطلقت النار على شخص وقتلته، ظهر ثلاثة مهاجمين جدد من حيث لا أدري. من الواضح أنني لا أطلق النار بالسرعة الكافية. جعلني الذعر وعدم الكفاءة أتجمّد باستمرار بحيث لا أطلق النار».
لحسن حظ سالي كان المهاجمون مجرد صور فيديو معروضة على شاشات ضخمة من حولها. ومع ذلك شعرت بخيبة أمل كبيرة من أدائها الضعيف حتى أحست أنها على وشك التخلي عن البندقية والخروج من جهاز المحاكاة.
غيرّت تلك التجربة حياة سالي، فقد أدركت في الأيام التالية أنها مرّت بـ «تجربة شبه روحية... لم أشعر أنني أذكى أو أسرع في التعلم، كان شعوراً أعظم من ذلك، فقد خبرت للمرة الأولى في حياتي صمت كل صوت في رأسي أخيراً ...
كانت قمة في التجلي عندما اختفت من دماغي شكوكي في ذاتي. فجأة حلّ ذلك الصمت المذهل في رأسي ... أرجو أن تفهمني عندما أخبرك أنّ ما تقت إليه بشدة في الأسابيع التي أعقبت التجربة هو العودة وربط تلك الأقطاب الكهربائية برأسي.
لقد بدأت أيضاً في طرح الكثير من الأسئلة من قبيل: من كنتُ حينما اختفت تلك العفاريت المثبّطة من عقلي والتي تخيفني كثيراً من المحاولة وتدفعني إلى الفشل؟ ومن أين أتت تلك الأصوات؟
تشير التجارب أنه يمكن التلاعب بالبشر تماماً كالفئران، وأنه من الممكن خلق المشاعر المعقدة مثل الحب والغضب والخوف والاكتئاب أو القضاء عليها من خلال تحفيز المواضع الصحيحة في دماغ الإنسان.
ابتكر الأطباء علاجاً جديداً للمرضى الذين يعانون من الاكتئاب الحاد عن طريق زراعة أقطاب كهربائية في دماغ المريض، ثم توصلها بكمبيوتر صغير مزروع في صدر المريض. عندما يصدر الكمبيوتر أمراً، تنطلق من الأقطاب الكهربائية تيارات كهربائية ضعيفة تشلُّ موضعاً في الدماغ مسؤول عن الاكتئاب.
لا ينجح العلاج دائماً، لكن في بعض الحالات أفاد المرضى أن الشعور بالفراغ المظلم الذي عذبهم طوال حياتهم اختفى كما لو أنه حدث بفعل ساحر.
اشتكى أحد المرضى من انتكاسة بعد العملية بعدة أشهر وتغلب عليه اكتئاب حاد. وجد الأطباء أن مصدر المشكلة كان نفاد طاقة بطارية الكمبيوتر، وبمجرد تغيير البطارية، تلاشى الاكتئاب بسرعة.
بسبب القيود الأخلاقية الواضحة، لا يزرع الباحثون أقطاباً كهربائية في أدمغة الإنسان إلا في ظروف استثنائية. ولذا تجرى معظم التجارب ذات الصلة على البشر باستخدام أجهزة غير تدخلية تشبه الخوذة (تُعرف تقنياً باسم «محفزات التيار المباشر عبر الجمجمة»).
أشارت العديد من الدراسات إلى أن تلك الطريقة قد تعزز بالفعل القدرات المعرفية لمشغلي الطائرات بدون طيار ومراقبي الحركة الجوية والقناصة وغيرهم من الأفراد الذين يتطلب واجبهم أن يظلوا على مستوى بالغ من الانتباه لفترات طويلة.
تستمر التجارب على الفئران الموجّهة، والفأر الموجه هو فأر عادي زرع العلماء أقطاباً كهربائية في مناطق دماغه المسؤولة عن الحس والمكافأة، مما يمكّنهم من التحكم فيه عن بُعد وتوجيهه.
استطاع الباحثون بعد جلسات تدريبية قصيرة دفع الفئران إلى الانعطاف يساراً أو يميناً، وأن تتسلق السلالم، وتشم أكوام القمامة، وتقوم بأشياء تنفر منها الفئران عادة، كالقفز من ارتفاعات عالية.
وعندما أعرب نشطاء رعاية الحيوان عن قلقهم من معاناة الفئران في تلك التجارب، ردّ سانجيف تالوار من جامعة نيويورك، رافضاً تلك المخاوف: إن الفئران تستمتع فعلاً بالتجارب، وإنها «تعمل من أجل المتعة»، فعندما تحفز الأقطاب الكهربائية مراكز المكافأة في أدمغتها، فإنّ «الفأر يشعر بالنشوة».
لا تشعر الفأرة أنها مجبرة على فعل أي شيء ضد إرادتها. عندما يضغط تالوار على جهاز التحكم تريد الفأرة التحرك إلى اليسار، ولذا تتحرك إلى اليسار. وعندما يضغط على زر آخر، تريد الفأرة تسلق السلم، ولهذا السبب تتسلق السلم، في الواقع رغبات الفئران ليست سوى نمط من تحفيز الخلايا العصبية.
هل هناك فرق بين ما إذا كانت الخلايا العصبية تنشط بسبب تحفيزها بواسطة خلايا عصبية أخرى أو عن طريق أقطاب كهربائية؟ إذا سألت الفأر فربما يرد: «بالتأكيد لديَّ إرادة حرة! انظر، أريد أن أستدير لليسار، فأستدير لليسار. أريد أن أتسلق سلماً، فأتسلق سلماً. ألا يثبت ذلك أن لديَّ إرادة حرة؟»
تستند معظم الدراسات عن المحفزات عبر الجمجمة إلى عينات صغيرة جداً من أشخاص يعملون في ظروف خاصة، ولا تعرف حتى الآن مخاطر هذه التقنية ولا آثارها طويلة المدى. ومع ذلك، إذا نضجت هذه التقنية، أو ظهرت طريقة أخرى للتلاعب بالأنماط الكهربائية في الدماغ، فما الذي ستفعله بالبشر ومجتمعاتهم؟
قد يتلاعب الناس بالدوائر الكهربائية في أدمغتهم ليس فقط لإطلاق النار على الإرهابيين بكفاءة، ولكن أيضاً لتحقيق أهداف حياتية عادية، مثل الدراسة والعمل بكفاءة أكبر من السابق والانغماس في الألعاب والهوايات، وليتمكنوا من التركيز على اهتماماتهم اللحظية سواء أكانت الرياضيات أم كرة القدم.
التناقض بين الإرادة الحرة والعلم المعاصر هو المشكلة المسكوت عنها، يفضل الكثيرون أن يغضوا طرفهم عنها أثناء تحديقهم في المجاهر وأجهزة الرنين المغناطيسي الوظيفي.
عندما يُسأل العلماء اليوم عن سبب قيام رجل بطعن شخص ما حتى الموت، فإن إجابة «لأنه اختار» لا تفي بالغرض. بدلاً منها يقدم علماء الوراثة وعلماء الدماغ إجابة أكثر تفصيلاً: «لقد فعل ذلك بسبب عمليات كهروكيميائية في الدماغ، صيغت من خلال تركيبة جينية معينة».
لماذا أقرر قتل جاري المزعج بدلاً من تجاهله؟ لماذا أنا حريص جداً على شراء السيارة الحمراء بدل السوداء؟ أنا لا أختار أياً من هذه الرغبات، إنما أشعر بها لأنّ هذا هو الشعور الناتج عن العمليات الكيميائية الحيوية في دماغي. قد تكون تلك العمليات حتمية أو عشوائية، ولكنها ليست حرة.
قد تدفعني العمليات الحتمية في دماغي للشروع في مسار معين من التفكير أو ربما آخذ مساراً عشوائياً، لكنني لا أختار التفكير «بحرية» في تلك الأفكار التي ستجعلني أصوت لصالح حزب دون آخر.
يقفز الناس إلى استنتاج خاطئ مفاده أنه إذا أردت الضغط على ذلك المفتاح، فذلك لأنني اخترت ذلك. هذا بالطبع خاطئ. أنا لا أختار رغباتي. أشعر بها وحسب، وأتصرف وفقاً لذلك. قد يبدو الأمر غاية في التعقيد، لكن من السهل جداً اختبار هذه الفكرة.
في المرة القادمة التي تخطر ببالك فكرة ما، توقف واسأل نفسك: «هل قررت قبل دقيقة أن أفكر في هذه الفكرة؟ أم أنها ظهرت من دون أي توجيه أو إذن مني؟ إذا كنتُ سيد أفكاري وقراراتي فعلاً، فهل يمكنني أن أقرر عدم التفكير في أي شيء على الإطلاق خلال الستين ثانية القادمة؟» جرب…
جاري تحميل الاقتراحات...