ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

21 تغريدة 63 قراءة Dec 22, 2021
أن تصحو صباحًا لتجد جدارًا ضخمًا يقسّم مدينتك إلى مدينتين منفصلتين متعاديتين، هذا ما حدث بالفعل في برلين 1961م، وذلك بعد سنوات قليلة من الحرب العالمية الثانية، انقسام قسم العالم الى جبهتين، شكل حربًا باردة استمرت لعقود؟!
وكان الرصاص مصير من يعبر للجانب الآخر!!!
#حياكم_تحت 🌹
بالنسبة للعالم أجمع لم يكن الثامن من مايو 1945 يوما عابرًا، بل كان يوما فارقًا ودع فيه الجميع النازية بكل ما عنته حينها من مآسي وجرائم وحروب، يوم توج فيه الجيش الروسي وكذا الحلفاء الغربيين مسيرة 6 سنوات كاملة من الحرب باستسلام غير مشروط من قبل من تبقى من القادة النازيين.
انتهت الحرب العالمية الثانية فعليًا يوم الثلاثين من مايو 1945 حين انتهت حياة هتلر، وحين زحفت جحافل الجيش الأحمر في لباس المنتصرين إلى قلب برلين، والتقط المصور العسكري السوفياتي يافجني خالدي صورته الأشهر حيث علم السوفييت مرفوعًا على مبنى الرايخستاغ وما اصعبها من صورة على الالمان
فضّل ما تبقى من الجيش الألماني المندحر الاستسلام ليس للروس وإنما للحلفاء الغربيين أملًا في معاملة أفضل، خلت وجه برلين وألمانيا جميعها للمنتصرين، وشوهد الجنود الروس والأمريكيون معًا في برلين في أجواء احتفالية نادرة، يرقصون حول إحدى صور هتلر المضرم فيها النيران.
لكن هذه الاحتفالات لم تدم طويلًا، فقد حانت اللحظة لتقسيم الكعكة، شهرين فقط قبل هذه الاحتفالات، اجتمع الروس والبريطانيين والأمريكان في مؤتمر يالطا، ذلك المؤتمر الذي أسس لواقع جغرافي جديد، اتفقت فيه هذه الدول على تقسيم ألمانيا بعد الحرب
نظرًا لخصوصية برلين وكونها العاصمة توصل المنتصرون إلى اتفاق يقضي بتقسيمها هي الأخرى، حيث بات الجزء الشرقي منها من نصيب السوفييت، بينما الجانب الغربي قُسِم بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا.
كان هدوءًا مؤقتًا فرضته ظروف ما بعد الحرب، لكن جعبة كلا الطرفين كانت مليئة بالأطماع والأيديولوجيات المتعارضة، وهو ما نشأ عنه تصادمات شتى كان أبرزها قرار القوى الغربية إغراق برلين بالفرنك كعملة بديلة عن الرايخ الألماني المنهار، وهو ما اعتبره السوفييت خطوة أحادية.
في يونيو من العام 1948 اتفقت الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا على توحيد مناطق نفوذها، كل هذه الأمور مجتمعة أدت بستالين إلى قطع الطرق وخطوط السكك الحديدية عن برلين الغريبة وفرض حصار شديد ومحكم عليها استمر مدة عام.
برلين الغربية مُحاصَرة من جميع الجهات والقوى الغربية أمام تحدٍ حقيقي في الوفاء بالتزاماتها نحو مناطق نفوذها، لذلك شيدت الدول الغربية جسرًا جويًا موازيًا للحصار، عمدت من خلاله إلى إيصال المساعدات والغذاء يوميًا إلى من مليوني شخص مدة عام كامل.
رفع السوفييت الحصار أخيرًا بعدما أيقنوا عدم جدواه، وأضحى العام 1949 شاهدًا على إعلان قيام دولتين جديدتين هما ألمانيا الغربية والتي ضمت المناطق الألمانية القابعة لنفوذ الدول الغربية الثلاث، ودولة ألمانيا الشرقية والتي ضمت المناطق الألمانية القابعة تحت النفوذ السوفيتي.
إلى ذلك الحد لم ينتهِ الصراع، إذ أضحت كلا الألمانيتين ساحة تتلاقى فيها أطراف الحرب الباردة، وصارت مع الوقت مسرحًا فعليًا للجواسيس والعمليات الاستخباراتية، وصار التنافس على أشده بين الجمهوريتين، نجحت الغربية في الاختبار مبدئيًا وقدمت نموذجًا أفضل من حيث الدخل المالي والحريات.
الوضع الاقتصادي والاجتماعي المنفتح لألمانيا الغربية الرأسمالية قابله وضع خانق في الشرقية الشيوعية، ما دفع كثير من أصحاب التعليم الجيد لترك الشرقية والهجرة إلى الغربية، ليجد السوفييت أنفسهم أمام نقص شديد في العقول والعمالة الماهرة، نقص عطل علىهم تحقيق النجاح في جمهوريتهم الألمانية
كل هذه الأمور وأكثر جعلت من ليلة 13 أغسطس 1961 شاهدةً على البدء في تشييد سور مفاجئ فصلت به ألمانيا الشرقية نفسها عن ألمانيا الغربية، ومن وراء هذا الجدار تبلورت الحرب الباردة أكثر وانقسم معها العالم إلى معسكرين، أحدهما يتبع الغرب الرأسمالي، أما الآخر فيتبع السوفييت الشيوعيين.
بني الجدار على امتداد 186 كيلومترا، ووصل ارتفاعه إلى حوالي 3 أمتار، فيما أنشئت حول الجدار مناطق عسكرية وأعمدة إنارة قوية، ووضع شرق الجدار ممشى ترابي غرضه الكشف عن آثار المتسللين، وكانت الأوامر صارمة بالنسبة للحراس في التعامل مع المتسللين عبر إطلاق النار المباشر.
تقطع السبيل بين الألمان على شقي الجدار، حيث تفرقت العائلات والأسر وصار عصيًا على الشرقيين ملاقاة الغربيين والعكس،على الرغم من ذلك لم تنقطع محاولات اختراق الوضع، حيث اتخذ الألمان لذلك سبلًا كثيرة، فحفرت الأنفاق أحيانا، وتسلق المغامرون أحيانا أخرى، في حين مات كثيرون وهم يحاولون.
صمد الجدار ومعه هذا التقسيم المجحف لمدة 26 عامًا، لكن لا شيء يبقى على حاله، فقد دفعت الأوضاع السياسية المتدهورة في ألمانيا الشرقية كثير من المعارضين إلى الاحتجاج والتظاهر، وهو الأمر الذي قابلته السلطات بقمع شديد ومتكرر أخمد تلك التحركات وأتى عليها.
احتجاجات أكتوبر 1989 كانت مختلفة، إذ قابلتها الحكومة بمرونة وسمحت من خلالها للجماهير بالتعبير عن ذاتهم، فكانت الفرصة سانحة لجماهير غفيرة اجتمعت في ميدان ألكسندر ببرلين الشرقية مطالبة بالإصلاح، تجمعات كبيرة لم يكن أمام السلطات حينها من بد سوى الرضوخ لمطالبهم.
لم يكن من شيء ليستوعب كم الغضب الشعبي في ألمانيا الشرقية الذي تراكم عبر السنين، لم يكن من شيء ليستوعب ذلك إلا قرار تاريخي أقدمت عليه برلين الشرقية في مساء 9 نوفمبر 1989، حيث أعلنت قرارها بسقوط الجدار وفتح الحدود مع جارتها الغربية.
سادت الفرحة كلا الألمانيتين ولم ينتظر الشعب صباح اليوم الثاني، بل خرجت جموع غفيرة على شقي الجدار، وظهرت المعاول اليدوية بأيدي الألمان الذين ظهروا في لقطات تعبيرية يهدمون الجدار ويحطمون ما فرض عليهم من انقسام، وظفرت بعض العائلات أخيرا بالتلاقي بعد فراق دام نحو ثلاثة عقود.
ذلك الانهيار التاريخي لجدار برلين لم يقف عند حدود ألمانيا، بل انجرف رأسًا ناحية الشرق حيث دق مسمارًا أخيرًا في نعش الشيوعية، ومهد نحو تلاقي وحدوي لشطري ألمانيا، وذلك في الثالث من أكتوبر 1990، لتنطلق ألمانيا بعد كل هذا العناء نحو ما هي عليه الآن من تطور وازدهار.
بعد ٣عقود من سقوط الجدار وعودة ألمانيا موحدة، دب الحنين في نفوس كثير من الشرقيين إلى جمهوريتهم المتلاشية، حنين لا يحمل صبغة سياسية أو انفصالية، بل يحمل اشتياقًا إلى مظاهر الحياة التي سادت حينذاك، وتلك ظاهرة اجتماعية سميت بـ الأوستالغي.
جدار كان الاشهر بالتاريخ لم يبق منه الا ذكرى

جاري تحميل الاقتراحات...