فهد.
فهد.

@I0ll

8 تغريدة 5 قراءة Jan 26, 2023
اهتمام الشباب بالعلمِ، وشغف الناشئة بالمعرفة؛ من بواعثِ الفرح ومصادر السرور. وإن المتأمِّل ليُسر بما يراه لدى بعض الشباب من نشاطٍ في التزود المعرفي، ودأبٍ في نيل العلوم، وابتهاجٍ في سُبل التحصيل، لا سيّما في هذا العصر؛ عصر سيادة الدَّعة، وسيطرة اللهو، وسطوة الفراغ.
ولأن صاحبِ المَنقبة لا يخلو من مَثْلبة، ولن تسلم دولة الحُسن من مظاهرِ القبح؛ فإنَّ هذا السعي الحثيث لابتلاعِ المعارف، والجِد في هضمِ العلوم، قد أنتج من الأدواءِ ما لا يُحصى، من أشهرها: «وَهم الإحاطة»، وهذا الوهم خالِق للثقة العمياء الدافعة إلى جرأة الطرح والعجلة في التخطئة.
تجد أحدهم قرأ في موضوعٍ ما شرعي أو أدبي أو تاريخي أو ما كان؛ فظن أنه قد ألمَّ بكل جوانبه، ووقفَ على ما لم يُسبق إليه، وهو آتٍ الآن ”بما لم تستطعه الأوائل“. فيدفعه «وهم الإحاطة» إلى الطرح الاستعلائي، والسخرية بآراء مَن سبقوه، والزعم بامتلاكِ القول الفصل في المسألة.
ولئن حمدنا الوسائل الحديثة التي مكّنت شداة المعرفة من الوصولِ إلى المصادر بيسرٍ وسهولة، فإنا ذممناها لأنها نفخت بعضهم، وجعلته يرتفع حتى حكَّ يافوخه عنان السماء كِبرًا، وأخذ ينفش ويستعرض بزمكيه كالطاووس غرورًا، فتلبّسه «وهم الإحاطة» الآخذ بيده لا محالة إلى خلاف الصواب.
أول ما يجب أن يفيدك العِلم هو التواضع، والتواضع قائد لكل خير، قامع كل شر. والفائدة الثانية المتحصِّلة منه تربيتك على التأني في الجزم. لابد أن تعي أن العلم أوسع مما عرفت، وأشمل مما استوعبت، وأعظم مما ظننت، فإن أدركت هذا؛ هدأتَ، وقدَّرت جهد غيرك، وكرهت العجلة والجزم المتسرِّع.
حاول أن تدفن «وهم الإحاطة» قبل أن يقذف بك في لحدِ الخطأ ويدفنك في قبر العناد. شهرتك في وسائل التواصل ليست صكّاً للصواب تتباهى به. لا يمكن يا أخي أن تنقض كتاباً سلخ مؤلفه عشرات السنوات من عمرهِ في تأليفه وضبطه بتغريداتٍ يسيرة في تويتر، أو دقائق في سناب شات!
وأنا أُكبرك وأُجل عقلك أن يجمح بك الخيال، ويوردك الفهم الخطأ موارد الضلال؛ فتعتقد بأني أدعوك لتعطيل عقلك، وحبس رأيك، وأقول بتنزيه الأول عن الزلل، وإغلاق باب الاجتهاد.. كل ما أدعوك إليه أن تعد العدة قبل الغزو، ولا تتخبط في ساحةِ المعركة بنصلك الصغير فترديك حجارة طائشة!
ختامًا، أرجو ألا تصخ لأبي مرّة ووسوسته، فتقول: مَن هذا حتى نأخذ قوله؟ ولماذا يخاطبنا من مكانٍ مرتفع.. هوِّن عليك، فوالله ما سوّدت ودبّجت إلا لنفسي قبل كل شيء، لأنني في حربٍ طاحنة مستمرّة مع ما حذّرتك منه. فاقبل النصيحة الواضحة قبل السقطة الفاضحة.
والسلام.

جاري تحميل الاقتراحات...