القرآن الكريم يعلمنا في الواقع أن خارج الأخوة في الله توجد الأخوة في آدم، وأن اختلاف المشاعر الدينية لا يجوز أن يحول بيننا وبين أن نبادل إخواننا في الإنسانية المحبة والإحسان، وأن قسوة الكفار علينا، لا ينبغي أن تدفعنا إلى العدوان ولا لأن نكون غير مقسطين في معاملتهم.
#برنامج_واحات
#برنامج_واحات
الفصل الثاني
الخير أو العنصر الأخلاقي في القرآن
النفس الإنسانية لا تتغذى بالحقائق النظرية وحدها. فبجانب حاجة الإنسان إلى المعرفة والاعتقاد. يحتاج في إلحاح إلى القاعدة العملية القادرة على توجيه نشاطه في كل لحظة من حياته، سواء في تصرفاته مع نفسه أو في علاقاته مع غيره أو مع خالقه.
الخير أو العنصر الأخلاقي في القرآن
النفس الإنسانية لا تتغذى بالحقائق النظرية وحدها. فبجانب حاجة الإنسان إلى المعرفة والاعتقاد. يحتاج في إلحاح إلى القاعدة العملية القادرة على توجيه نشاطه في كل لحظة من حياته، سواء في تصرفاته مع نفسه أو في علاقاته مع غيره أو مع خالقه.
ولقد قدم القرآن إلى هذه الحاجة النظام الوافي، بأوسع وأدق طريقة ممكنة. وخط في كل فرع من فروع النشاط الإنساني خطاً واضحاً، يسلكه الإنسان في أمان واطمئنان.
فلا يكفي ليكون الإنسان مؤمنا حقيقيا أن يؤمن إيمانا عميقا بالحقائق المنزلة، وإنما يجب أيضاً أن يكرس حياته وأمواله في خدمة هذه
فلا يكفي ليكون الإنسان مؤمنا حقيقيا أن يؤمن إيمانا عميقا بالحقائق المنزلة، وإنما يجب أيضاً أن يكرس حياته وأمواله في خدمة هذه
العقيدة.
فعليه الاضطلاع بواجبه كمؤمن وأيضاً كمواطن. أي عبادة الله وفعل الخير
فالدين عقيدة وقانون، أي اعتقاد وطاعة، وتعريف القرآن للبر بمعناه الحقيقي هو الإيمان بالحقائق السامية، والتحلي بالفضائل الخلقية سواء في السلوك الشخصي أو في المعاملة مع الغير.
وبلغت أهمية الجانب العملي في
فعليه الاضطلاع بواجبه كمؤمن وأيضاً كمواطن. أي عبادة الله وفعل الخير
فالدين عقيدة وقانون، أي اعتقاد وطاعة، وتعريف القرآن للبر بمعناه الحقيقي هو الإيمان بالحقائق السامية، والتحلي بالفضائل الخلقية سواء في السلوك الشخصي أو في المعاملة مع الغير.
وبلغت أهمية الجانب العملي في
القرآن، أنه يتكرر ذكره كثيراً بصراحة، وكشرط لا غنى عنه للفلاح والسعادة الخالدة في الآخرة. وعندما لا ينص القرآن على ذلك في عبارته في موضع ما، فإن كلمة «مؤمن» تتضمنه وتلمح إليه بما يتفق مع مفهوم الإيمان حسب التعريف السابق. أليس في هذا الإصرار المزدوج نوع من التدرج السلمي بين هذين
العنصرين؟ فمن المتفق عليه أن الإيمان شرط لازم للنجاة يوم القيامة. فهل الأمر كذلك في شأن تنفيذ الشريعة؟ وإلى أي مدى؟ هل الخطيئة الكبرى التي لا تتبعها توبة لا تغفر بعد الموت؟ أو بمعنى آخر هل يترتب عليها هلاك لا رجوع فيه؟ (كما يقول غالبية المعتزلة) أو تستوجب عقوبة محدودة بزمن؟ (كما
يرى بعض المعتزلة) أو على عكس ذلك أن إيمان المذنب يصحح الموقف تلقائياً برحمة من الله؟ (طبقاً لرأي صفوة المرجئة)، أو أن لله الحق في العفو عن بعض الذنوب يوم لبعض المؤمنين بشروط معينة، من غير أن نحدد ما هي الذنوب وما هي صفات المؤمنين؟ (حسب رأي الأشعريين).
إن هذه المناقشات العقيدية
إن هذه المناقشات العقيدية
المتعلقة بالجوانب الثانوية والسلبية للمشكلة (أي بدرجة العقوبة الإلهية ومدتها وثبوتها عن الذنوب المختلفة) لا تضع خارج نطاق البحث موضوع المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية فحسب،بل إنها لا تتعرض كذلك وبصفة خاصة للقيمة الموضوعية للعمل الأخلاقي. فبالتقدم نحو الفضيلة نترقى في سلم الاستحقاق
سنكتفي بتوضيح بعض الجوانب التي أثرت بها الدعوة على الناس بفضل مادتها ومحتواها النفيس وبفضل أسلوبها في عرض الحقائق.
نبدأ بالمنهج :
لقد غرس الله في داخل كل منا بصيرة أخلاقية غريزية. إذ مهما بلغت درجة الانحراف والفساد اللذين قد نسقط فيهما -وفيما عدا حالات استثنائية خاصة بضلال الضمير
نبدأ بالمنهج :
لقد غرس الله في داخل كل منا بصيرة أخلاقية غريزية. إذ مهما بلغت درجة الانحراف والفساد اللذين قد نسقط فيهما -وفيما عدا حالات استثنائية خاصة بضلال الضمير
فإننا نعترف ونحب ونقدر الفضيلة في ذاتها وفي غيرنا حتى إن أعوزتنا الشجاعة للارتفاع إلى مستواها. ولا شك في أن مشهد أي سلوك هابط يثير نفورنا، حتى ولو راودنا الإغراء لاقتراف نفس العمل الذي نلوم عليه غيرنا، إننا نكره في أنفسنا عيوبنا الذاتية؛ وإذا كنا لا نبذل من الجهد المتواصل ما يكفل
تصحيحها فإننا نتلمس لأنفسنا المعاذير لتبرئة أنفسنا منها. فمن هو الرجل الذي يقبل أن يوصم بالكذب أو النفاق أو الخيانة أو الغش أو السكر أو بأي رذيلة أخرى؟
فعلى هذا الشعور العام القادر على التمييز بين العدل والظلم وبين الخير والشر، يستند القرآن في أغلب الأحيان ليؤسس نظامه الخلقي.
فعلى هذا الشعور العام القادر على التمييز بين العدل والظلم وبين الخير والشر، يستند القرآن في أغلب الأحيان ليؤسس نظامه الخلقي.
ويعتمد عليه في تعريف فكرته العملية. وها هي بعض العبارات التي يستخدمها القرآن ليلخص بها رسالته الأخلاقية ويبلورها. فالرسول {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} (بمعناها الحقيقي والمجازي) {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى} (وهو ما
ننساه كثيراً عندما ننفق من مال الله على الغرباء بغرض التفاخر والتباهي). {وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} {قل إن الله لا يأمر بالفحشاء.. قل أمر ربي بالقسط} {قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق}، وبدلا من سرد الآيات الكثيرة، يكفي أن نذكر أن استناد
القرآن على الضمير الأخلاقي –في عمومه– في التمييز بين الخير والشر، قد ذكر في أكثر من خمسة وأربعين موضعاً منه.
ومع ذلك ونظراً لأن هذه الحاسة الطبيعية التي يلجأ إليها القرآن كثيراً. ليست دائما بنفس القوة والفاعلية عند كل الناس لتلزمهم بالخضوع لقاعدة السلوك، فقد اقتضى الأمر وضع منهج
ومع ذلك ونظراً لأن هذه الحاسة الطبيعية التي يلجأ إليها القرآن كثيراً. ليست دائما بنفس القوة والفاعلية عند كل الناس لتلزمهم بالخضوع لقاعدة السلوك، فقد اقتضى الأمر وضع منهج
كامل في التربية. فالمؤدب المخلص الحريص على بث تعاليمه يلجأ إلى طريقة أخرى -ليست بأقل قوة- وإن كانت مستقلة كل الإستقلال عن رضاء الفرد ذاته، فبجوار الحاسة الخلقية وهب الإنسان فوقها الذكاء والعقل. فإذا غاب هذا الشعور الحيوي عن الخير والشر، تبقى فكرة الواجب العام أو المتعارف عليه
عالمياً. وأفضل طريقة لإيقاظ هذه الفكرة، ولجعلها تسمو بمشاعرنا الحالية، هي أن نستعين بتأييد ذوي الإختصاص لها وهم الحكماء والقديسين في كل زمان.
ومن أجل هذا كان ارتباط القرآن بالكتب السماوية السابقة ارتباطاً جذرياً وموضوعاً جليلاً، الغرض منه إعادة نورها ونشره على العالم بعد أن خفت
ومن أجل هذا كان ارتباط القرآن بالكتب السماوية السابقة ارتباطاً جذرياً وموضوعاً جليلاً، الغرض منه إعادة نورها ونشره على العالم بعد أن خفت
على مر العصور. فالقرآن يقدم لنا الواجبات الأساسية وعلم الحقيقة على أنها دعوة السابقين وسبيلهم المستقيم. فلقد حمل جميع رسل الله ميزان العدل والقسط. وأمروا بأن يكسبوا رزقهم بالحلال وأن يعبدوا الله ويفعلوا الخير. ولقد سن إبراهيم وإسحاق ويعقوب فريضة الصلاة والزكاة وكذلك إسماعيل وموسى
وعيسى. وفُرض كذلك الصوم على الأمم السابقة، والحج فرضه إبراهيم، ولقد كان لكل أمة من الأمم السابقة مناسكها وعبادتها ولقد أدان كل من هود وصالح النزعة المادية وحب الدنيا الزائد والعدوان والفساد، ولقد ثار لوط ضد فجور قومه، وشعيب ضد غش قومه في التجارة.
ولقد وعظ لقمان ابنه، وهو يربيه،
ولقد وعظ لقمان ابنه، وهو يربيه،
بدعوة الناس إلى الخير ونهيهم عن المنكر، وأن يتحمل في سبيل هذه المهمة السامية ما يصيبه من المصاعب والآلام، كما أمره بالحلم والتواضع.
فليس بمحض الصدفة العارضة إذن أن محمداً يدعو إلى ما سبق أن دعا إليه الرسل السابقون. فالقرآن يقول للمسلمين بصريح العبارة {يريد الله ليبين لكم ويهديكم
فليس بمحض الصدفة العارضة إذن أن محمداً يدعو إلى ما سبق أن دعا إليه الرسل السابقون. فالقرآن يقول للمسلمين بصريح العبارة {يريد الله ليبين لكم ويهديكم
سنن الذين من قبلكم}. ويقول للرسول بعد أن عدد من سبقه من الرسل {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده}.
والواقع أننا لا نجد مبدأ أخلاقياً ينقله لنا القرآن على أنه كان ضمن تعاليم هذا الرسول أو ذاك الحكيم من غير أن يورده القرآن في موضع آخر كواجب تلتزم به جماعة المسلمين.
هل نريد أن نرى
والواقع أننا لا نجد مبدأ أخلاقياً ينقله لنا القرآن على أنه كان ضمن تعاليم هذا الرسول أو ذاك الحكيم من غير أن يورده القرآن في موضع آخر كواجب تلتزم به جماعة المسلمين.
هل نريد أن نرى
قانون الأخلاق الذي جاء به موسى وجاء به عیسی كما ورد ذكرها بالإنجيل وبعيداً عن القرآن؟إننا سوف نجدهما محفوظين بعناية فائقة في الآيات القرآنية ولكنهما ليسا على شكل كتلة واحدة وإنما كآيات متفرقة في عدد من السور المكية والمدنية،وفي أغلب الأحيان على شكل آية نزلت في مناسبة معينة بذاتها
#برنامج_واحات
ثم ذكر الشيخ مقارنات بين نصوص التوراة والإنجيل ونصوص القرآن، وكيف أن نصوص القرآن مستوعبة لكتب الشرائع السابقة ومتميزة عليها، ثم قال رحمه الله:
لقد أغفلنا خلال العرض السابق موضوعين من العهد الجديد هما : الطلاق والقصاص، اللذان يبدوان وكأنهما يتعارضان. مع شريعة موسى.
ثم ذكر الشيخ مقارنات بين نصوص التوراة والإنجيل ونصوص القرآن، وكيف أن نصوص القرآن مستوعبة لكتب الشرائع السابقة ومتميزة عليها، ثم قال رحمه الله:
لقد أغفلنا خلال العرض السابق موضوعين من العهد الجديد هما : الطلاق والقصاص، اللذان يبدوان وكأنهما يتعارضان. مع شريعة موسى.
فمقابل حرية بدون قيد تبدو وكأن التوراة قد منحتها للزوج لكي يطلق زوجته عندما يرى فيها شيئاً يثير «الخجل» أو عندما يشعر «بالكراهية» نحوها، يبدو الإنجيل وكأنه يعارض حل الرابطة الزوجية إلا في حالة الخيانة. ومقابل الإصرار على المطالبة بدم القاتل والرد على كل سيئة بمثلها، علم عيسى واجب
عدم مقاومة الشرير والعفو عنه.
فإذا نظرنا إلى حرفية هذه المبادىء يتبين لنا أن المسيحية تكون قد ألغت قوانين شرعت في الماضي. وإذا أمعنا النظر، سنرى أن هذا لا يعدو أن يكون وجهين أو درجتين من قانون واحد خالد، أحدهما يُسمى العدل والثاني يسمى المحبة. إنهما طرفان يتحرك بينهما القانون
فإذا نظرنا إلى حرفية هذه المبادىء يتبين لنا أن المسيحية تكون قد ألغت قوانين شرعت في الماضي. وإذا أمعنا النظر، سنرى أن هذا لا يعدو أن يكون وجهين أو درجتين من قانون واحد خالد، أحدهما يُسمى العدل والثاني يسمى المحبة. إنهما طرفان يتحرك بينهما القانون
الأخلاقي ولا يستطيع أن يخرج عن حدودهما. فضلا عن أنه لا يستطيع عقلا أن ينحاز نحو أحدهما ويستبعد الآخر نهائيا. فالعدل يكلف كل من يرغب في استخدام حقه أن يلتزم بحدود إنسانية لا ينبغي أن يتعداها.أما من يرغب في التنازل عن حقه بدافع من الكرم والأريحية فلا غبار عليه. فالإحسان يدعونا إلى
كريم العفو من غير أن يذهب إلى حد حماية الجريمة وتحبيذ الرذيلة. فإذا أهملنا هذا العمل الكريم رغم يسره، يعتبر ذلك نوعاً من فقدان الذوق الأخلاقي.
-
وهكذا يوضح القرآن أعمال الرسل ويؤيد شرائعهم بالجمع والتوفيق بينها. ونعتقد أن في هذا التوحيد لمختلف الاتجاهات وبهذا الأسلوب -الذي يقبل
-
وهكذا يوضح القرآن أعمال الرسل ويؤيد شرائعهم بالجمع والتوفيق بينها. ونعتقد أن في هذا التوحيد لمختلف الاتجاهات وبهذا الأسلوب -الذي يقبل
في إطار قانون أخلاقي واحد درجات متفاوتة من أعمال الخير- عاملاً على جانب كبير من الأهمية استطاعت بمقتضاه الدعوة الإسلامية أن تنتشر في قطاع شاسع من البشرية، وأن تضم في رحابه أفكاراً واتجاهات وطبائع جد مختلفة، لا يجدى معها تشدد تجريدي غير متسامح ولا تساهل بغير حدود.
وبتوضيحنا لمنهج القرآن التوفيقي هذا، نكون قد أبرزنا في نفس الوقت مادته في الدعوة والتشريع. فكم هو جميل أن نرى كتاباً أخلاقياً قد جمع بين دفتيه حكمة الأولين، فضلا عن أنه قدم -في وقت واحد وبهدف واحد- عديداً من الدروس المتباعدة في الزمان والمتعارضة أحياناً في منطوقها.
ولكن القرآن
ولكن القرآن
لا يقف عند هذا الحد.
فإذا كان هدفه الأول هو أن يحافظ على التراث الأخلاقي الذي نزلت به الكتب المقدسة السابقة ويؤيده، فإن له رسالة أخرى لا تقل عنه أهمية وقدسية، ألا وهي إتمام وإنهاء الصرح الإلهي الذي بناه الرسل والأنبياء على مر العصور. يقول الرسول الكريم : «إنما بعثت لأتمم صالح
فإذا كان هدفه الأول هو أن يحافظ على التراث الأخلاقي الذي نزلت به الكتب المقدسة السابقة ويؤيده، فإن له رسالة أخرى لا تقل عنه أهمية وقدسية، ألا وهي إتمام وإنهاء الصرح الإلهي الذي بناه الرسل والأنبياء على مر العصور. يقول الرسول الكريم : «إنما بعثت لأتمم صالح
الأخلاق» ويقول : «مثلي ومثل الأنبياء كرجل بني بيتاً» أو كما يقول القرآن ذاته إن هدفه أن يوضح للناس أقوم الطرق في السلوك والاعتقاد.
ما هو الجديد والتقدمي إذن في تعاليم القرآن الأخلاقية؟ هذا هو ما سنوضحه في ملاحظات مختصرة تهم كل باحث منصف :
١- في مجال الفضيلة الشخصية
في هذا المجال
ما هو الجديد والتقدمي إذن في تعاليم القرآن الأخلاقية؟ هذا هو ما سنوضحه في ملاحظات مختصرة تهم كل باحث منصف :
١- في مجال الفضيلة الشخصية
في هذا المجال
الفردي نجد على الأقل قاعدة جديدة ومبدأ جديداً في القرآن. فالقاعدة الجديدة هي تحريم الخمر، والقضاء على مصادرها، بمنع تناول أي مشروب مسكر.
وأما المبدأ الجديد الذي نقصده هنا فهو«النية» باعتبارها لب العمل الأخلاقي. فلكي يحمس موسى قومه كان يغريهم بآمال أرض الميعاد، وبالنصر على الأعداء
وأما المبدأ الجديد الذي نقصده هنا فهو«النية» باعتبارها لب العمل الأخلاقي. فلكي يحمس موسى قومه كان يغريهم بآمال أرض الميعاد، وبالنصر على الأعداء
وبالبركة والرخاء في كل شؤون الحياة الدنيا. وجاء المسيح لكي يفتتح عهداً جديداً في الدعوة الدينية، فيوضح لنا الإنجيل أن النعيم والسعادة الموعودة ليست في هذه الدنيا.فآمال النفوس وطموح الأرواح عليها منذ ذلك الحين أن تنصرف عن الحياة الدنيوية وتتجه إلى السماء وأخيراً يأتي القرآن الكريم
وإذا هو بمنهجه البناء – يجمع بين هذين الوعدين ويوفق بينهما لا باعتبارهما الباعث المحرك للإنسان وإنما باعتبار أن الهدف. الذي ينبغي على الإنسان الفاضل أن يقصده ليس في ملكوت السماء ولا في ملك الدنيا. إنما هو أعلى من هذا كله، إنه في الخير المطلق أي في ابتغاء وجه الله تعالى الذي يجب
استحضاره في القلب عند أداء العمل الإنساني بتنفيذ أوامره.
٢-الفضيلة في العلاقات بين الأفراد
وها هو تقدم آخر يرتبط بالقاعدة الأخلاقية التي تحدد علاقاتنا بإخوتنا. فبأحكام التوراة وأحكام الإنجيل، استقامت شجرة الفضيلة وبزغت فروعها وأوراقها. أما في المجال القرآني،فإن هذه الشجرة الخضراء
٢-الفضيلة في العلاقات بين الأفراد
وها هو تقدم آخر يرتبط بالقاعدة الأخلاقية التي تحدد علاقاتنا بإخوتنا. فبأحكام التوراة وأحكام الإنجيل، استقامت شجرة الفضيلة وبزغت فروعها وأوراقها. أما في المجال القرآني،فإن هذه الشجرة الخضراء
سوف تزهر وتؤتى ثمارها. فبالإضافة إلى كنز العدل والمحبة الذي عني القرآن بحفظه، أوجد فصلاً رائعاً فيما يمكن تسميته بالحضارة الأخلاقية. إنه تقنين حقيقي في الأدب والذوق الاجتماعي والتحشم في المظهر.
٤،٣ - الفضائل الجماعية والفضائل العامة :
ونقطة بارزة في القانون الأخلاقي في الديانة
٤،٣ - الفضائل الجماعية والفضائل العامة :
ونقطة بارزة في القانون الأخلاقي في الديانة
الموسوية، ألا وهي هذا الحاجز العالي والقائم بين الإسرائيلي وغير الإسرائيلي. فأي خير يسديه الإسرائيلي إذا لم يكن مقتصراً على شعبه، ينبغي ألا يتعدى وطنه (ولا يشمل الغريب المقيم معه) «للأجنبي تقرض بربا ولكن لأخيك لا تقرض بربا» (تثنية ٢٣ : ٢٠). «الأجنبي تطالب وأما ما كان لك عند أخيك
فتبرئه يدك منه» (تثنية 3:15)
أما قانون الأخلاق المسيحي فله الفضل في إسقاط هذا الحاجز الذي كان يفصل بين الإنسان وأخيه الإنسان : «لأنه إذا أحببتم الذين يحبونكم فأي أجر لكم؟... وإن سلمتم على إخوتكم فقط فأي فضل تصنعون؟» (متى ٤٦ : ٥ ٤٧). ولكن في مقابل ذلك لا نجد هنا هذا الالتحام
أما قانون الأخلاق المسيحي فله الفضل في إسقاط هذا الحاجز الذي كان يفصل بين الإنسان وأخيه الإنسان : «لأنه إذا أحببتم الذين يحبونكم فأي أجر لكم؟... وإن سلمتم على إخوتكم فقط فأي فضل تصنعون؟» (متى ٤٦ : ٥ ٤٧). ولكن في مقابل ذلك لا نجد هنا هذا الالتحام
الاجتماعي وهذا الشعور بالمسؤولية الجماعية الذي تتضمنه النصوص العبرية مثل : «(هذه الكلمات) قصها على أولادك» (تثنية 6 : ٧) «فتنزعون الشر من بينكم» (تثنية 13 : 5) «فتحفظون جميع فرائضي جميع أحكامي وتعلمونها لكي لا تقذفكم الأرض» (لاويين ۲۲:۲۰) والفضيلة الاجتماعية المسيحية كما تقدمها
الأناجيل، تتعلق بالعلاقات بين الأفراد أكثر من دلالتها على الروح الجماعية بصفة أساسية. فقد كانت الروح الجماعية في الماضي تستهدف غرضين :
صالح الجماعة من ناحية وتمييزها عن صالح الغير من ناحية أخرى.
ولكن المحبة المسيحية بامتدادها خارج الحدود الإقليمية وبرغبتها في احتواء الإنسانية
صالح الجماعة من ناحية وتمييزها عن صالح الغير من ناحية أخرى.
ولكن المحبة المسيحية بامتدادها خارج الحدود الإقليمية وبرغبتها في احتواء الإنسانية
كلها، قد أحسنت صنعاً بإبطال هذا الطابع العنصري، واستبداله بأخوة عالمية. ولكنها لم تركز اهتمامها بالقدر الكافي لتقوية الرابطة المقدسة للجماعة بصفة خاصة.
ألا يمكن -في الوقت الذي نراعي فيه عملياً وقلبياً محبة عالمية- أن تخلق في ظل هذه الأسرة العالمية الكبرى أسرة أصغر وأكثر ترابطاً،
ألا يمكن -في الوقت الذي نراعي فيه عملياً وقلبياً محبة عالمية- أن تخلق في ظل هذه الأسرة العالمية الكبرى أسرة أصغر وأكثر ترابطاً،
وأكثر إدراكاً لكيانها، وكأنها مجموعة من الخلايا تكون كياناً عضويا داخل ذلك الجسم الكبير؟
إن هذا الجمع الموفق بين الفضيلة العامة والفضيلة الجماعية هو الذي أبرمه القرآن الكريم؛ إذ يعلمنا في الواقع أن خارج الأخوة في الله توجد الأخوة في آدم، وأن اختلاف المشاعر الدينية لا يجوز أن يحول
إن هذا الجمع الموفق بين الفضيلة العامة والفضيلة الجماعية هو الذي أبرمه القرآن الكريم؛ إذ يعلمنا في الواقع أن خارج الأخوة في الله توجد الأخوة في آدم، وأن اختلاف المشاعر الدينية لا يجوز أن يحول
بيننا وبين أن نبادل إخواننا في الإنسانية المحبة والإحسان، وأن قسوة الكفار علينا، لا ينبغي أن تدفعنا إلى العدوان ولا لأن نكون غير مقسطين في معاملتهم.
ولقد حرم على المؤمنين أن يتعاملوا بالربا مع أي إنسان، وبين أن التقي العادل في محيط الجماعة الإسلامية هو كذلك خارجها. وإذا كان على
ولقد حرم على المؤمنين أن يتعاملوا بالربا مع أي إنسان، وبين أن التقي العادل في محيط الجماعة الإسلامية هو كذلك خارجها. وإذا كان على
المسلم في بعض الظروف أن يبدي عناية خاصة في فك أسر إخوانه المسلمين، فإن عتق العبيد بوجه عام يعتبر إما التزاماً عليه، وإما عملا يستحق التقدير ويحث عليه القرآن دائماً. وهكذا تتطور فكرة الفضيلة العامة التي أعلنها الإنجيل وتتحدد أكثر فأكثر عندما عندما تتسع لتشمل مجالات الحياة المختلفة
ولكن هل معنى ذلك أن الجماعة الإسلامية ستتراخى في روابطها الداخلية لتضيع في محيط البشرية الواسع؟ على العكس إذ نجد أن مبدأين أساسيين يذكرانها بكل قوة بدورها كجماعة متميزة ومتماسكة :
الأول يدعو المؤمنين بأن يكونوا جماعة موحدة لا تنقسم، بدون فرقة أو انشقاق، تلتف حول مثل أعلى وحول
الأول يدعو المؤمنين بأن يكونوا جماعة موحدة لا تنقسم، بدون فرقة أو انشقاق، تلتف حول مثل أعلى وحول
[في الصلاة]سوف يرى المؤمنين مصطفين في نظام جميل، متلاصقين كتفاً إلى كتف.الغني بجانب الفقير، والرئيس بجوار مرؤوسه، في وضع واحد، واتجاه واحد. ودعاء واحد، كل منهم يدعو للجميع : «إياك نعبد وإياك نستعين. اهدنا الصراط المستقيم» إنهم جميعاً يطلبون النجاة والفلاح. ليس فقط لمجموعة المصلين
وإنما لجميع عباد الله الصالحين أينما كانوا : «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين». إن هذا التوافق في المظهر لا يعدو أن يكون وسيلة لتأليف القلوب والجمع بينها. يقول الرسول الكريم : «لتسوون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم» فالإسلام ليس ديناً فحسب، وإنما هو أخوة في الله.
والمسلمون في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى إليه سائر الأعضاء بالسهر والحمى. فالواجبان الأساسيان اللذان يعتبرهما المسلمون واجبين توأمين، يترتب على التخلف عنهما النبذ والعقاب، هما الصلاة والزكاة. إنهما ينهضان كدليل بليغ عن روح التضامن في الإسلام.
أما المبدأ الثاني - وهو على جانب كبير من الأهمية من الناحية الأخلاقية - فهو التزام جميع المسلمين بألا يتركوا المنكر يسود في مجتمعهم، وضرورة أن يتواصوا بالحق والفضيلة إنه ليس حق، ولكنه واجب كل مسلم صغيراً أو كبيراً، أن يدعوا أخاه المسلم إلى ما هو حق وعدل وأن ينهاه عن كل سوء. ويجب
ألا يقل اهتمامه بسعادته الأخروية عن اهتمامه بسعادته المادية. إن علينا جميعاً أن نتعاون في نشر الفضيلة والتقوى بيننا. ودليل القيمة التي يراها القرآن في وضع هذا التضامن موضع التنفيذ العملي، أن جعله المقياس الذي على أساسه سمي جماعة المسلمين الأولى بخير أمة أخرجت للناس.
٥- الفضيلة في المعاملات الدولية وبين الأديان :
نضيف إلى كل ما تقدم فصلا آخر في الأخلاق الإسلامية جديداً كل الجدة. لأن اليهودية والمسيحية في وقت تأسيسها لم تتح لهما الفرصة لإقامة علاقات مع دول معادية. فدعوة عيسى السلمية المحلية كانت تناقضها في اتجاه مضاد الحروب التي قادها موسى ضد
نضيف إلى كل ما تقدم فصلا آخر في الأخلاق الإسلامية جديداً كل الجدة. لأن اليهودية والمسيحية في وقت تأسيسها لم تتح لهما الفرصة لإقامة علاقات مع دول معادية. فدعوة عيسى السلمية المحلية كانت تناقضها في اتجاه مضاد الحروب التي قادها موسى ضد
الأمم المجاورة والتي انتهت بالقضاء عليها بسرعة. ولقد اختلف الوضع تماماً بالنسبة لمحمد ﷺ خلال العشر سنوات التي كان فيها على علاقات دائمة مع أمم وديانات مختلفة، تارة مسالمة وتارة معادية.
إن هذه الظروف الخاصة التي جعلت من المرشد الروحي والأخلاقي ﷺ سياسياً وقائداً، اقتضت تشريعاً
إن هذه الظروف الخاصة التي جعلت من المرشد الروحي والأخلاقي ﷺ سياسياً وقائداً، اقتضت تشريعاً
أخلاقياً لظروف السلم والحرب تضمن القرآن مبادئه الأساسية. ومن هذه المبادىء أن الحرب الشرعية لا تقوم إلا من أجل دفع العدوان ويجب أن تتوقف بمجرد انتهائه. وهناك بعد ذلك المبدأ الذي يحترم المواثيق المبرمة مع العدو مهما كانت فرص عقدها غير متكافئة. فالمعاهدة الموقعة بين الأطراف واجبة
الاحترام حتى ولو كانت في غير صالحنا. وحتى إذا بدأ العدو في نقض اتفاقه، فلا يحق لنا أن نهاجمه على غرة، بل يجب أولا إعلانه بإلغاء عهده معنا بطريقة واضحة بحيث يتيسر له العلم بقرارنا. هذا بخلاف القواعد التي حددتها السنة والتي نجحت على الأقل في التخفيف من النتائج القاسية لهذه الآفة
الفصل الثالث
الجمال أو الجانب الأدبي
توجد في أعماق النفس الإنسانية، كما سبق لنا القول: بصيرة داخلية تميز بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، مهما اختلفت صورهما بشرط أن يرى الإنسان بجلاء، وبذهن صاف، ورباطة جأش. فالعقول الثاقبة، والنفوس المهيأة، لا تحتاج لأكثر من ذلك لكي تعتنق دعوة
الجمال أو الجانب الأدبي
توجد في أعماق النفس الإنسانية، كما سبق لنا القول: بصيرة داخلية تميز بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، مهما اختلفت صورهما بشرط أن يرى الإنسان بجلاء، وبذهن صاف، ورباطة جأش. فالعقول الثاقبة، والنفوس المهيأة، لا تحتاج لأكثر من ذلك لكي تعتنق دعوة
جديدة طالما رأت أنه يتوفر فيها هذا الشرط المزدوج، ألا وهو : ١-تعليم الحقيقة ٢-والدعوة إلى الفضيلة. فبدون أن يثيرها المظهر الخارجي، تنفذ بسرعة من خلال هذا الغلاف وتكتشف الجوهر وتقدر قيمته حق قدرها. وعلى هذا النحو استطاع هرقل -الامبراطور الروماني رغم جهله باللغة العربية- أن يحكم
على صدق الرسالة المحمدية استناداً إلى بعض الشروط الأخلاقية التي اعتقد أنها ضرورية وكافية لكي تبرهن على ربانية هذه الرسالة.
ولكن الأمر قد يختلف عن ذلك بالنسبة لعامة الناس فما يجذب اهتمامنا فيما يقدم إلينا، هو سحر شكله الخارجي أكثر من متانة محتواه. وأي جديد يكتسي بمظهر حقير وغير
ولكن الأمر قد يختلف عن ذلك بالنسبة لعامة الناس فما يجذب اهتمامنا فيما يقدم إلينا، هو سحر شكله الخارجي أكثر من متانة محتواه. وأي جديد يكتسي بمظهر حقير وغير
جذاب، يجعلنا ننفر منه وننصرف عنه لأننا نتسرع في الحكم على الأشياء بحسب مظهرها قبل أن نختبر الجوهر واللباب. فالمحسوس لدينا يسبق المعقول وعن طريقه نتوصل إلى اختبار هذا الأخير عندما يعرض علينا. ومن هنا ندرك قيمة العون الحقيقي الذي يمكن أن يقدمه الأدب إلى العلم والحكمة عندما ينتصران
للحقيقة والفضيلة.
والدعوة الإسلامية تتمتع في هذه الناحية بالكمال الذي لا تشوبه شائبة.
فبمظهرها وجوهرها تشبع حاجة كل من يفهم اللغة العربية. والقرآن -حامل هذه الرسالة- كان وسيظل النموذج الذي لا يبارى في الأدب العربي. فجمال أسلوبه محل إعجاب الجميع في كل العصور. وإذا نظرنا نظرة مجردة
والدعوة الإسلامية تتمتع في هذه الناحية بالكمال الذي لا تشوبه شائبة.
فبمظهرها وجوهرها تشبع حاجة كل من يفهم اللغة العربية. والقرآن -حامل هذه الرسالة- كان وسيظل النموذج الذي لا يبارى في الأدب العربي. فجمال أسلوبه محل إعجاب الجميع في كل العصور. وإذا نظرنا نظرة مجردة
إلى الصفات الأدبية التي ينطوي عليها، نستطيع أن نقول إنه يعتبر المثل الأعلى لما يمكن أن يسمى أدباً بوجه عام. إذ أن لغة القرآن تمتاز بالسمو والجلالة لا بالغواية والتأثير. إنها تأخذ بالقلوب أكثر مما تغري الأسماع؛ إنها تثير الإعجاب لا المتعة؛ إنها تفحم بالحجة أكثر مما تستثير العواطف
وتجلب السرور الهادىء لا الصاخب.
ففي العصر الذهبي للغة العربية – حيث بلغت الذروة في الصفاء والقوة، وحيث كانت تخلع ألقاب التشريف والتكريم علانية على الشعراء والخطباء في المسابقات السنوية، ما أن ظهر محكم التنزيل حتى اكتسح الحماس للشعر والنثر، وأنزلت المعلقات السبع من باب الكعبة
ففي العصر الذهبي للغة العربية – حيث بلغت الذروة في الصفاء والقوة، وحيث كانت تخلع ألقاب التشريف والتكريم علانية على الشعراء والخطباء في المسابقات السنوية، ما أن ظهر محكم التنزيل حتى اكتسح الحماس للشعر والنثر، وأنزلت المعلقات السبع من باب الكعبة
واتجهت كل الأسماع إلى هذا الإعجاز الجديد في اللغة العربية.
فلغة القرآن مادة صوتية، تبعد عن طراوة لغة أهل الحضر، وخشونة لغة أهل البادية، وتجمع -في تناسق حكيم- بين رقة الأولى وجزالة الثانية، وتحقق السحر المنشود. بفضل هذا التوفيق الموسيقي البديع بينهما.
إنها ترتيب في مقاطع الكلمات
فلغة القرآن مادة صوتية، تبعد عن طراوة لغة أهل الحضر، وخشونة لغة أهل البادية، وتجمع -في تناسق حكيم- بين رقة الأولى وجزالة الثانية، وتحقق السحر المنشود. بفضل هذا التوفيق الموسيقي البديع بينهما.
إنها ترتيب في مقاطع الكلمات
في نظام أكثر تماسكاً من النثر، وأقل نظماً من الشعر، يتنوع في خلال الآية الواحدة ليجذب نشاط السامع، ويتجانس في آخر الآيات سجعاً، لكي لا يختل الجرس العام للوقفات في كل سورة.
أما كلماته، فمنتقاة من بين الكلمات المشهورة، دون أن تهبط إلى مستوى الدارج، ومختارة من بين الكلمات السامية،
أما كلماته، فمنتقاة من بين الكلمات المشهورة، دون أن تهبط إلى مستوى الدارج، ومختارة من بين الكلمات السامية،
التي لا توصف بالغريب إلا نادرا.
وتمتاز بالإيجاز العجيب في الكلام. إذ تعبر بأقل عدد من الكلمات عن أفكار كبيرة يصعب التعبير عنها في العادة إلا بجمل مطولة نسبياً.
ويضاف إلى هذا النقاء في التعبير، وهذا التركيز الشديد في المعنى -حيث لا تقابلنا كلمة زائدة بل اختصار معجز أحياناً- وضوح
وتمتاز بالإيجاز العجيب في الكلام. إذ تعبر بأقل عدد من الكلمات عن أفكار كبيرة يصعب التعبير عنها في العادة إلا بجمل مطولة نسبياً.
ويضاف إلى هذا النقاء في التعبير، وهذا التركيز الشديد في المعنى -حيث لا تقابلنا كلمة زائدة بل اختصار معجز أحياناً- وضوح
أخاذ، كأنه تحد سافر بحيث أن رجل الشارع قليل الحظ من المعرفة، يستطيع أن يقول لنفسه : لقد فهمت جيداً. ومع ذلك نجد العمق والمرونة والإيحاء والإشعاع في كل جانب مثل أوجه قطعة الماس البراقة، إلى درجة أن جميع العلوم والفنون الإسلامية تستمد على الدوام من هذا المصدر قواعدها ومبادئها. إنها
حقيقة مقررة عرفها الناس جميعاً، وهي أن كلا من النبيل والحقير، والسطحي والباحث الدؤوب، يلتقون على فهم القرآن. كأن كل عبارة فيه مفصلة تفصيلا بما يناسب عقلية كل منهم بحسب درجته في العلم والمعرفة.
وكل هذا في موضوعات غير مطروقة في الأدب الجاهلي، ونادراً ما تعرض لها الشعراء والخطباء
وكل هذا في موضوعات غير مطروقة في الأدب الجاهلي، ونادراً ما تعرض لها الشعراء والخطباء
إلا من بعيد وبصور مبهمة وموجزة، بحيث يحق لنا أن نؤكد بدون تردد أنه من الناحية اللغوية البحتة كان ظهور القرآن خلقاً للغة جديدة، ولأسلوب جديد.
أما ما يبدو أنه فوق طاقة البشر حقاً في الأسلوب القرآني، فهو أنه لا يخضع للقوانين النفسية التي بمقتضاها نرى العقل والعاطفة لا يعملان إلا
أما ما يبدو أنه فوق طاقة البشر حقاً في الأسلوب القرآني، فهو أنه لا يخضع للقوانين النفسية التي بمقتضاها نرى العقل والعاطفة لا يعملان إلا
بالتبادل وبنسب عكسية، بحيث يؤدي ظهور إحدى القوتين إلى اختفاء الأخرى. ففي القرآن لا نرى إلا تعاوناً دائماً في جميع الموضوعات التي يتناولها بين هاتين النزعتين المتنافرتين. وبالإضافة إلى الموسيقى الخالدة التي تعلو هذا الأسلوب المتنوع، نرى أن الكلمات ذاتها بمعناها المجازي - سواء
أكانت وصفاً أو استدلالا أو سن قاعدة في القانون أو في الأخلاق - تسعى بقوة وتجمع في نفس الوقت بين التعليم والإقناع والتأثير وتمنح القلب والعقل نصيبه المنشود. وعلاوة على ذلك فإن هذا الكلام الرباني وهو يؤثر على هذا النحو، في قوانا المختلفة يحتفظ دائماً وفي أي موضع بهيبة مدهشة وبجلالة
قوية لا تتأرجح ولا تضطرب.
وربما لا يكون هناك ما يدعو للوقوف طويلا أمام هذا الوصف التجريدي الذي ليس له معنى ولا قيمة إلا بمراجعة مضمونه على النص القرآني. وهو العمل الذي قمنا به في كتاب آخر ولا ينبغي أن نكرره هنا. فالعربي الأصيل الذي تسري في دمه غريزة اللغة، ليس في حاجة إلى هذا
وربما لا يكون هناك ما يدعو للوقوف طويلا أمام هذا الوصف التجريدي الذي ليس له معنى ولا قيمة إلا بمراجعة مضمونه على النص القرآني. وهو العمل الذي قمنا به في كتاب آخر ولا ينبغي أن نكرره هنا. فالعربي الأصيل الذي تسري في دمه غريزة اللغة، ليس في حاجة إلى هذا
التحليل لكي يقدر بنفسه طابع النص القرآني الفريد. وما يستفاد من هذه الدراسة البطيئة المنطقية، يدركه هو بفطنته وفطرته. فهو يشعر بالقرآن وكأنه آت من السماء، ينفذ إلى القلوب، ويبهر الأبصار. ولقد أدرك الكفار هذا التأثير في عهد الرسول. واختلفوا في التماس التفسير والتعليل له، إذ وجدوه
ظاهرة غريبة إلى درجة أن اطلقوا عليه «سحراً». وحتى في عصرنا الحاضر ورغم بعد الزمن واختلاط الأجناس وانحراف فطرة اللغة. نجد العرب على اختلاف دياناتهم. يعترفون بالسمو والجلال والهيبة التي ينفرد بها النص القرآني لا بالنسبة للأدب العربي بوجه عام، ولكن حتى بالنسبة لأحاديث الرسول ذاته
المعروفة ببلاغتها الرفيعة. فالواقع أنه يتوفر تحت أيدينا اليوم آلاف من أحاديث الرسول، منها ما كان بعد تفكير عميق امتد إلى ما يقرب من الشهر مثل حديث الإفك، وأحاديث أخرى كانت على أثر وحي بالمعنى لا بالنص مثل «اصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك» فجميع عبارات الرسول وجمله يتميز عنها النص
القرآني تمييزاً صارخاً.
وكأنه شعاع من الشمس يمر خلال ضوء منبعث من نجفة من الشموع، إذ نلحظ في القرآن في الحال لهجة فريدة لا تنبعث من قلب رجل، وليست سوى نفحة ربانية.
وقبل أن نترك هذا الفصل ينبغي أن نركز بعض الجهد على نقطة غفل عنها جميع المستشرقين فضلا عن بعض علماء المسلمين، وهي:
وكأنه شعاع من الشمس يمر خلال ضوء منبعث من نجفة من الشموع، إذ نلحظ في القرآن في الحال لهجة فريدة لا تنبعث من قلب رجل، وليست سوى نفحة ربانية.
وقبل أن نترك هذا الفصل ينبغي أن نركز بعض الجهد على نقطة غفل عنها جميع المستشرقين فضلا عن بعض علماء المسلمين، وهي:
طريقة القرآن الكريم في معالجة أكثر من موضوع في السورة الواحدة.
-السنة والأثر الصحيح متفقان على أن السور كانت بالشكل الذي نقرأها به اليوم، وبتركيبها الحالي منذ حياة الرسول. إذن قد يرجع السبب إلى عيب أصيل لا تكاد تجدي معه التبريرات السابقة إذا كانت حقاً وحدة السورة لا تعدو أن تكون
-السنة والأثر الصحيح متفقان على أن السور كانت بالشكل الذي نقرأها به اليوم، وبتركيبها الحالي منذ حياة الرسول. إذن قد يرجع السبب إلى عيب أصيل لا تكاد تجدي معه التبريرات السابقة إذا كانت حقاً وحدة السورة لا تعدو أن تكون
سلسلة من الحروف والصوتيات تخفي تشتيتاً وتفرقاً جوهرياً في المعنى، وتترك فواصل لا يقبلها المنطق في مسيرة الأفكار وتقفز قفزات مفاجئة في السورة عند الإنتقال من موضوع إلى موضوع جديد.
فعندما نريد أن نقدر جمال لوحة مرسومة لا ينبغي أن نحصر نظرتنا في جزء ضيق منها حيث لا نجد إلا ألواناً
فعندما نريد أن نقدر جمال لوحة مرسومة لا ينبغي أن نحصر نظرتنا في جزء ضيق منها حيث لا نجد إلا ألواناً
متنوعة تتجاور أو تتنافر أحياناً، بل يجب أن نرجع قليلا إلى الوراء، ليتسع مجال الرؤية وتحيط بالكل في نظرة شاملة. تستطيع وحدها أن تلاحظ التناسق بين الأجزاء والتوافق في التركيب.فبمثل هذه النظرة ينبغي دراسة كل سورة من سور القرآن الكريم لنقدر أبعادها الحقيقية. ولقد قمنا في الماضي أثناء
تدريسنا بجامعة الأزهر - بتطبيق هذه القاعدة في دراسة لإحدى السور المدنية (هي سورة البقرة) ولسورتين مكيتين (هما سورتي يونس وهود) ولم يكن اختيارنا لهذه السور عن قصد وإنما كانت كلها مقررة في البرنامج الدراسي. فالواقع أننا وجدنا أكثر مما كنا نتطلب من بحثنا. فقد كنا نبحث عما إذا كان
هناك نوعا من الترابط في الأفكار التي تتناولها السورة الواحدة، ولقد وضح لنا بما أثار دهشتنا أن هناك تخطيطاً حقيقياً واضحاً ومحدداً يتكون من ديباجة وموضوع وخاتمة. فتوضح الآيات الافتتاحية الأولى من السورة الموضوع الذي ستعالجه في خطوطه الرئيسية ثم يتبع ذلك التدرج في عرض الموضوع بنظام
لا يتداخل فيه جزء مع جزء آخر. وإنما يحتل كل جزء المكان المناسب له في جملة السورة. وأخيراً تأتي الخاتمة التي تقابل الديباجة.
فإذا أخذنا في اعتبارنا التواريخ التي لا حصر لها والتفتيت [تعليقي: لم أفهمها ولعلها: التوقيت] المتناهي في نزول الآيات. ولاحظنا أن هذا الوحي كان بوجه عام
فإذا أخذنا في اعتبارنا التواريخ التي لا حصر لها والتفتيت [تعليقي: لم أفهمها ولعلها: التوقيت] المتناهي في نزول الآيات. ولاحظنا أن هذا الوحي كان بوجه عام
مرتبطاً بظروف ومناسبات خاصة، فإن ذلك يدعونا إلى التساؤل عن الوقت الذي تمت فيه عملية تنظيم كل سورة على شكل وحدة مستقلة. وهذا التساؤل يضعنا أمام نقطة محيرة.
فسواء افترضنا أن هذا الترتيب كان قبل أو بعد اكتمال نزول القرآن، فقد كان ينبغي أن يتبع إما الترتيب التاريخي للنزول.
فسواء افترضنا أن هذا الترتيب كان قبل أو بعد اكتمال نزول القرآن، فقد كان ينبغي أن يتبع إما الترتيب التاريخي للنزول.
وإما الترتيب المنطقي البسيط المبني على تجانس الموضوعات.
إلا أن السور القرآنية تتنوع موضوعاتها ولا تخضع لأي من الفرضين أو الترتيبين السابقين. مما يدعونا إلى ترجيح وجود تصميم معقد يكون قد وضع في وقت سابق لنزول القرآن على قلب الرسول. ولكن سرعان ما نميل إلى الانصراف عن هذا الافتراض
إلا أن السور القرآنية تتنوع موضوعاتها ولا تخضع لأي من الفرضين أو الترتيبين السابقين. مما يدعونا إلى ترجيح وجود تصميم معقد يكون قد وضع في وقت سابق لنزول القرآن على قلب الرسول. ولكن سرعان ما نميل إلى الانصراف عن هذا الافتراض
بسرعة لأننا نرى مدى الجرأة والإستحالة التي ينطوي عليها وضع نظام سابق حسب ترتيب تحكمي بين فقرات حديث سوف يطلب إلقاؤه أو إظهاره على مدار عشرين عاماً، وبما يتناسب مع عديد من الملابسات والظروف التي تستدعي هذا الحديث والتي لا يمكن توقعها أو التنبؤ بها. غير أن السنة تؤكد لنا هذا
الافتراض الغريب وتؤيده. فالواقع أنه فور نزول الوحي على الرسول كان كل جزء منه صغيراً أو كبيراً يوضع في السور التي لم تكن قد اكتملت بعد وفي مكان محدد من السورة، وفي موضع رقمي من آياتها، وفي ترتيب لم يكن دائماً هو الترتيب التاريخي. وبمجرد وضع الآية أو الآيات في موضع ما، بقيت فيه إلى
الأبد،دون أن يطرأ عليها تحويل أو تصحيح. من هذا نقول إنه لا بد كان هناك تصميم لكل سورة، فضلا عن تصميم أو خطة عامة للقرآن في جملته، بمقتضى كل منهما، كأن كل وحي جديد يوضع في مكانه توا بين آيات هذه السورة أو تلك، من السور المفتوحة.
ولا شك أن طريقة القرآن هذه ليست لها مثيل على الإطلاق
ولا شك أن طريقة القرآن هذه ليست لها مثيل على الإطلاق
فلا يوجد أي كتاب من الكتب في الأدب أو في أي مجال آخر، يمكن أن يكون قد تم تأليفه على هذا النحو أو في مثل هذه الظروف. وكأن القرآن كان قطعاً متفرقة ومرقمة من بناء قديم، كان يراد إعادة بنائه في مكان آخر على نفس هيئته السابقة.وإلا فكيف يمكن تفسير هذا الترتيب الفوري والمنهجي في آن واحد
فيما يتعلق بكثير من السور، إذا لم تكن الصحائف الخالية والصحائف التامة تمثل وحدة كاملة في نظر المؤلف؟
ولكن أي ضمان تاريخي يستطيع أن يتحصل عليه الإنسان عند وضع مثل هذه الخطة، إزاء الأحداث المستقبلة، ومتطلباتها التشريعية، والحلول المنشودة لها، فضلا عن الشكل اللغوي الذي يجب أن تقدم
ولكن أي ضمان تاريخي يستطيع أن يتحصل عليه الإنسان عند وضع مثل هذه الخطة، إزاء الأحداث المستقبلة، ومتطلباتها التشريعية، والحلول المنشودة لها، فضلا عن الشكل اللغوي الذي يجب أن تقدم
به هذه الحلول، وتوافقها الأسلوبي مع هذه السورة بدلا من تلك؟وكيف يمكن مجرد تجميع وتقريب هذه القطع المبعثرة بعضها من بعض بدون تعديل أو لحام أو وصلات -رغم تنوعها الطبيعي وتفرقها التاريخي-أن يجعل منها وحدة عضوية متجانسة يتوافر فيها ما نرجوه من التماسك والجمال؟ألا يصدر مثل هذا المشروع
وقد بلغ هذا المبلغ من الطموح،إلا عن حلم خيالي،أو عن قوة فوق قدرة البشر؟.وبمعنى آخر إذا كان الاضطراب في النظام المنطقي أو الخلل اللغوي والبلاغي،هما النتيجة الحتمية لمثل هذا المشروع إذا اضطلع به إنسان لما يشتمل عليه من تعقيد محير،ألا ينبغي أن نستنتج من هذه المقدمات ذاتها، أن اكتمال
هذه الخطة وتحقيقها بالصورة المرجوة يتطلب تدخلا من قوة عظمى، تتوفر فيها القدرة على إقامة مثل هذا التنسيق المنشود؟ وإلا فمن هو المخلوق الذي يستطيع أن يوجه الأحداث بما يتوافق تماماً مع التصميم المرسوم، أو كيف يمكن أن نخرج من مجموعة مصادفات بمثل هذا البناء الأدبي الرفيع وهو القرآن؟
فإذا كانت السورة القرآنية من نتاج هذه الظروف، تكون وحدتها المنطقية والأدبية في نظرنا معجزة المعجزات. ولقد صرح بوجود هذه الوحدة المزدوجة كثير من ذوي الاختصاص في هذا الشأن، ومن بينهم : أبو بكر النيسابوري وفخر الدين الرازي وأبو بكر بن العربي وبرهان الدين البقاعي وأبو إسحاق الشاطبي.
ولمراجعة هذا على بعض المختارات من القرآن نشير إلى كتابنا السابق «النبأ العظيم».
وإننا لا ندعي أن هذه المختارات تمثل نموذجاً مطابقاً لباقي سور القرآن، وإلا نكون قد فصلنا في أمر تجريبي بناء على حكم سابق. والواقع أنه قد يصعب في بعض السور التمييز بين الفكرة الرئيسية والأفكار الثانوية
وإننا لا ندعي أن هذه المختارات تمثل نموذجاً مطابقاً لباقي سور القرآن، وإلا نكون قد فصلنا في أمر تجريبي بناء على حكم سابق. والواقع أنه قد يصعب في بعض السور التمييز بين الفكرة الرئيسية والأفكار الثانوية
أو اكتشاف العلاقة بين هذه الأفكار بعضها وبعض أو بينها وبين النواة المركزية للسورة. وقد نجهل حتى الظروف التي استدعت التجميع بينها في سورة واحدة. ومن المفهوم أن تركيز عبارات القرآن الكريم وجزالة معناها قد تترك بين كل جزء وآخر نقاطاً للوصل، وعديداً من الخيوط الإرشادية، مما جعل
المفسرين يختلفون في الربط بين هذه الأجزاء. ولكن أياً كانت الطريقة التي نتبعها، وأياً كانت درجة الدقة في معرفتنا، وسواء أكان الرسول الكريم ذاته يعرف ذلك أو لا يعرفه، فإن هذا التصميم كان موجوداً بالفعل وأسهم في تحقيق ذلك الترتيب الذي كان موضوعاً في زمن سابق على نزول القرآن.
أما الذين لا يهتمون بالكشف عن هذا التخطيط في السور القرآنية فإنهم يستطيعون أن يتأملوا تخطيطاً آخر ذا طابع أسلوبي، وبمقتضاه يمكن ملاحظة أن الأجزاء التي ستتجاور مجهزة مقدماً بطريقة معينة بحيث يتزاوج بعضها مع بعض بدون تصادم أو ثغرات، كل ذلك مع تنوع الموضوعات واختلاف البعد الزمني
الذي يفصل بين كل موضوع وآخر.
ولكن إعجابنا سيصل إلى ذروته إذا أدركنا أن هذه الأجزاء المبعثرة من الآيات القرآنية، قد اتبعت في نزولها تخطيطاً آخر مختلفاً تماماً عن التخطيط الذي تحدثنا عنه في الفقرات السابقة. وما علينا إلا أن نستعرض - من أولها إلى آخرها - المراحل التدريجية للعرض خلال
ولكن إعجابنا سيصل إلى ذروته إذا أدركنا أن هذه الأجزاء المبعثرة من الآيات القرآنية، قد اتبعت في نزولها تخطيطاً آخر مختلفاً تماماً عن التخطيط الذي تحدثنا عنه في الفقرات السابقة. وما علينا إلا أن نستعرض - من أولها إلى آخرها - المراحل التدريجية للعرض خلال
الثلاث والعشرين سنة؛ من النبوة إلى الرسالة (من «اقرأ» بسورة العلق إلى «قم فأنذر» بسورة المدثر)، ومن الدعوة السرية إلى الدعوة الجهرية {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين}، ومن دعوة الرسول لأقاربه {وأنذر عشيرتك الأقربين} إلى دعوة مكة بأسرها {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها
رسولا يتلو عليهم آياتنا}، ثم القرى المجاورة {ولتنذر أم القرى ومن حولها}، ثم البشرية جمعاء {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}؛ ومن إرساء القواعد الأساسية للإسلام (في السور المكية)، إلى التطبيق العملي (في السور المدنية)، ومن التبغيض في شرب الخمر {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم
كبير ومنافع للناس، وإثمهما أكبر من نفعهما}، إلى تحريمها صراحة {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون}، ومن الدعوة إلى الصبر واحتمال الأذى {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} إلى المقاومة المسلحة {وقاتلوا في
سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا} ... الخ.
وقد يكفي أن نسجل هنا تاريخين على جانب من الأهمية، هما تاريخ انطلاق الدعوة وتاريخ اختتامها. فالتاريخ الأول هو يوم غار حراء، حين تلقى محمد الوحي لأول مرة، وأعلن فيه أنه سيتلقى علماً من قبل الله {الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم}
وقد يكفي أن نسجل هنا تاريخين على جانب من الأهمية، هما تاريخ انطلاق الدعوة وتاريخ اختتامها. فالتاريخ الأول هو يوم غار حراء، حين تلقى محمد الوحي لأول مرة، وأعلن فيه أنه سيتلقى علماً من قبل الله {الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم}
وسيكلف بمهمة شاقة {إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا}. أما التاريخ الثاني فهو يوم حجة الوداع، حين أعلن الرسول بأن رسالته قد تمت، وأن مهمته على الأرض قد انتهت {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} وبعد ذلك لم يلبث الرسول أن لحق بالرفيق الأعلى.
إن هذا التطور إذن
إن هذا التطور إذن
كان متفقاً خطة تربوية وتشريعية موضوعة في وقت سابق، في إجمالها وفي تفصيلها، بمعرفة منزل الوحي سبحانه وتعالى.
فإذا كانت هذه النصوص ذاتها التي كانت تتبع في نزولها تخطيطاً تربوياً ممتازاً، قد تحولت بمجرد نزولها من شكلها التاريخي لكي تتوزع وتتجمع في شكل آخر على هيئة إطارات محددة
فإذا كانت هذه النصوص ذاتها التي كانت تتبع في نزولها تخطيطاً تربوياً ممتازاً، قد تحولت بمجرد نزولها من شكلها التاريخي لكي تتوزع وتتجمع في شكل آخر على هيئة إطارات محددة
ومختلفة الأطوال بحيث يظهر من هذا التوزيع المقصود في النهاية، كتاب يقرأ، مكون من وحدات كاملة، لكل منها نظامها الأدبي والمنطقي، لا يقل روعة عن النظام التربوي العام، فهذا هو التخطيط المزدوج الذي لا يمكن أن يصدر عن علم بشر.
@WBookreaders
@WBookreaders
الباب الثالث
المصدر الحقيقي للقرآن
ينبغي أن تسبق دراسة مصدر أي كتاب دراسة محتواه. أما القرآن فإن دراسة مصدره تستوجب مخالفة هذه القاعدة. لأن فكرة مصدره الإلهي ليست فقط جزءاً من دعوته، وإنما هي الجزء الأساسي منها. ومن أول القرآن إلى آخره نراه يتحدث إلى الرسول أو يتحدث عنه ولا يتركه
المصدر الحقيقي للقرآن
ينبغي أن تسبق دراسة مصدر أي كتاب دراسة محتواه. أما القرآن فإن دراسة مصدره تستوجب مخالفة هذه القاعدة. لأن فكرة مصدره الإلهي ليست فقط جزءاً من دعوته، وإنما هي الجزء الأساسي منها. ومن أول القرآن إلى آخره نراه يتحدث إلى الرسول أو يتحدث عنه ولا يتركه
أبداً يعبر عن فكره الشخصي. وفي كل جزء منه يتكلم الله تبارك وتعالى ليصدر أمراً، أو ليشرع قانوناً، ليخبر أو لينذر. فنقرأ ﴿يا أيها النبي... يا أيها الرسول... إنا أوحيناإليك… إنا أرسلناك... اتل عليهم... بلغ... افعل كذا… لا تفعل كذا… سيقولون… قل…﴾ وحتى عندما لا يتضمن النص بعض
علامات الأمر (مثل سورة الفاتحة) فكل شي ء يدل عليها.
ولكن كيف لا ننسب كلام القرآن والأفكار التي يتضمنها إلى الشخص الذي جاء به، باعتبارها نابعة من فكره الشخصي أو منقولة مما تعلمه في بيئته بالطريق الطبيعي؟ كيف يمكن أن نجعل من هذا الإنسان مجرد أداة استقبال يقدم كتابه جاهزاً وتاماً من
ولكن كيف لا ننسب كلام القرآن والأفكار التي يتضمنها إلى الشخص الذي جاء به، باعتبارها نابعة من فكره الشخصي أو منقولة مما تعلمه في بيئته بالطريق الطبيعي؟ كيف يمكن أن نجعل من هذا الإنسان مجرد أداة استقبال يقدم كتابه جاهزاً وتاماً من
مصدر خارجي وغير بشري؟
لا شك أن مثل هذا الإدعاء يبلبل الأفكار لمخالفته للقوانين النفسية ولو في مظهرها العادي على الأقل.
لا شك أن محمداً وهو يؤكد هذا القول لم يكن أول من أثار قضية الوحي. بل إنه كان أكثر تواضعاً في هذا الشأن من موسى عليه السلام - الذي كما يقول القرآن - تلقى التوراة
لا شك أن مثل هذا الإدعاء يبلبل الأفكار لمخالفته للقوانين النفسية ولو في مظهرها العادي على الأقل.
لا شك أن محمداً وهو يؤكد هذا القول لم يكن أول من أثار قضية الوحي. بل إنه كان أكثر تواضعاً في هذا الشأن من موسى عليه السلام - الذي كما يقول القرآن - تلقى التوراة
في لقاء مباشر بينه وبين الله تبارك وتعالى، حيث سمع كلام الله ذاته. أما بالنسبة لمحمد فالقرآن قول رسول سماوي، وسيط بينه وبين الله : ﴿إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين﴾ وفيما عدا هذا الاختلاف فإنهما متفقان في نسبة ما تلقياه إلى ماوراء الكون.
فأما المؤمنون
فأما المؤمنون
بالوحي من حيث المبدأ العام، فمن حقهم ألا يطبقوه على ظاهرة معينة إلا بعد استنفاد جميع فرص التفسير الطبيعي لهذه الظاهرة. وإذا ما رضخوا في النهاية واعترفوا بمنشئها الإلهي المباشر يكون هذا الاعتراف آخر مطاف البحث وقرار العلم،بعد استنفاد جميع الوسائل الممكنة.
فلنبعد إذن من بحثنا الحجة
فلنبعد إذن من بحثنا الحجة
التي يمكن استخلاصها من الإعجاز اللغوي في القرآن، والمؤيدة لمصدره الإلهي، ونتساءل عما إذا كان يمكن تفسير الأفكار التي يتضمنها القرآن بسبب آخر غير الوحي. والواقع أن بحوثاً ودراسات كثيرة قد سلكت هذا السبيل في الماضي. ومما يشرف القرآن والسنة أنهما سجلا بكل عناية وإنصاف، جميع الآراء
التي أبداها معاصرو النبي ﷺ لتعليل هذه الظاهرة وتبريرها، وهي تشتمل على افتراضات لا تعتمد على الحلول الممكنة والمعقولة وحدها، وإنما تلجأ إلى كل مستحيل وغير معقول لا يتوانى أي عقل ساخر عن التعبير عنه للحط من شأن أي جديد، مهما كانت جديته وأهميته بالنسبة للبشرية. وهذا يجعلنا نقرر أن
البحوث الحديثة في هذا المجال لا تعدو أن تكون زيادة أو تكراراً لنفس الكلام القديم وإن اختلفت في الشكل والأسلوب.
والغرض من هذا الجزء الثالث هو دراسة مختلف الحلول في شكلها الحاضر، وسنتبع في هذا الصدد الترتيب الزمني. فنقسم البحث إلى فصلين بحسب ما يكون الحديث عن المرحلة المكية أو
والغرض من هذا الجزء الثالث هو دراسة مختلف الحلول في شكلها الحاضر، وسنتبع في هذا الصدد الترتيب الزمني. فنقسم البحث إلى فصلين بحسب ما يكون الحديث عن المرحلة المكية أو
المرحلة المدنية.
الفصل الأول
البحث عن مصدر القرآن في الفترة المكية
الوسط الوثني ـ الحنفاء ـ الصابئون ـ العناصر المسيحية واليهودية – رحلات الرسول ومشاهداته - اطلاعاته - الأدب والأساطير الشعبية – تأملاته الفكرية الشخصية.
-
تحاول أبسط الافتراضات أن تجد في بيئة الحجاز المحدودة
الفصل الأول
البحث عن مصدر القرآن في الفترة المكية
الوسط الوثني ـ الحنفاء ـ الصابئون ـ العناصر المسيحية واليهودية – رحلات الرسول ومشاهداته - اطلاعاته - الأدب والأساطير الشعبية – تأملاته الفكرية الشخصية.
-
تحاول أبسط الافتراضات أن تجد في بيئة الحجاز المحدودة
جميع العناصر الضرورية لبناء الدعوة القرآنية.ومن هذه النظرة قدم لنا«إرنست رنان»نموذجاً فريداً لحياة العرب قبل الإسلام. ففي مقال له عن «محمد ومصادر الإسلام» عرض لنا هذا العالم الفرنسي صورة رائعة للجزيرة العربية في القرن السادس بعد الميلاد.وبدلا من هذا الشعب المشرك الذي تعرفه الدنيا
وضع لنا شعبا آخر لم يعرف في حياته عن الله تعدداً ولا تنوعاً وإنما عرفه كإله واحد لم يلد ولم يولد.
ولقد نجح «رنان» في إبراز الذوق الأدبي الرفيع لهذا الشعب، ونظرته الواقعية القوية،وفي إغفال سائر الصفات الأخرى التي لا تشرفه. فبدلاً من هذه النزعة المادية الطاغية الفاسدة التي لا تلتفت
ولقد نجح «رنان» في إبراز الذوق الأدبي الرفيع لهذا الشعب، ونظرته الواقعية القوية،وفي إغفال سائر الصفات الأخرى التي لا تشرفه. فبدلاً من هذه النزعة المادية الطاغية الفاسدة التي لا تلتفت
إلى أي تفكير ينتمي إلى الحقائق السامية، رسم لنا مجتمعاً في أوج حماسه الديني التقت فيه جميع الديانات وجميع الحضارات بالإضافة إلى أن الدين كان شغله الشاغل وعلى هذا المنوال لا تعدو أن تكون رسالة محمد إلا امتداداً للحركة الدينية التي سادت في عصره دون أن يسبقها محمد في أي جديد.
⛔️ولكن
⛔️ولكن
الصورة الحقيقية للحياة العربية في هذه الحقبة من الزمان، نجدها في القرآن ذاته، وتختلف عن ذلك كل الاختلاف. فلقد سبق أن رأينا كيف كان العرب يطمسون التوحيد الأولي تحت أركام من الخرافات والأساطير. وأما الجانب الخلقي والاجتماعي فلم يكن أسعد من ذلك حالا، فوأد الأطفال، والبغاء، وزنا
المحارم،وابتزاز المهور وإرث نساء الأقارب كرها،وظلم اليتامى، والجشع وإهمال الفقراء وازدراء الضعفاء،كان هو الطابع الغالب. بل إن المروءة العربية المشهورة كان القرآن يعتبرها عاطفة في غير موضعها، ملطخة بالرذيلة والفساد، إن لم تكن الفساد بعينه؛ فلم يكن الغرض منها سوى الإسراف والمباهاة.
وباختصار كانت حياتهم حياة (الضلال المبين) وزمانهم زمن «الجاهلية الأولى».
ولقد كانوا يحتفظون في عاداتهم ببعض الآثار من ديانة إبراهيم واسماعيل مثل الحج، ولكن هذه الآثار ذاتها كانت تختلط بأخطاء وأوهام كثيرة.
وفي وسط هذه الجموع من الناس ذات الجهل المفضوح، كانت تتميز صفوة قليلة العدد
ولقد كانوا يحتفظون في عاداتهم ببعض الآثار من ديانة إبراهيم واسماعيل مثل الحج، ولكن هذه الآثار ذاتها كانت تختلط بأخطاء وأوهام كثيرة.
وفي وسط هذه الجموع من الناس ذات الجهل المفضوح، كانت تتميز صفوة قليلة العدد
تعرف في الأثر باسم «الحنفاء» أي الثائرين على الرأي العام، والتي اعتمد عليها «رنان»ليصور لنا خصائص مجتمع العرب في هذا العصر. لقد كانت هذه الفئة عدداً ضئيلا يعد على الأصابع، بينما جموع هذا الشعب الغفير لم تعر لوجود هذه الفئة أي اهتمام.وعلينا أن نرجع الى أدب العصر الجاهلي لكي نستوثق
من ذلك. فقد كان الحاضرون في سوق عكاظ لا يتناظرون في الدين وإنما في المفاخر الدنيوية.وكانت كل قبيلة تستعرض عبقريتها الأدبية، ومغامراتها في الفروسية، ومفاخر الآباء والأجداد.ولا نكاد نجد أثراً للفكر الديني في أشهر القصائد المعروفة بالمعلقات الذهبية.
وبعد هذا كله ماذا كانت دعوة هؤلاء
وبعد هذا كله ماذا كانت دعوة هؤلاء
«المصلحين» السابقين لمحمد؟ يقينا : لا شيء!! سوى أنهم أناس متمردون على عصرهم لأن إشراك مواطنيهم وعاداتهم القاسية، وإباحيتهم، لم تكن لترضى عنه نفوسهم، فتطلعوا إلى دين صحيح ظاهر حاولوا التماسه خارج محيطهم ولم يكن عندهم عنه أية فكرة دقيقة قادرة على أن تنبىء عن دعوة القرآن ولو من بعيد
ولقد اعترف زيد بن عمرو بن نفيل -أكثر هذا الفريق حزماً و استقلالا - أنه كان يجهل كيفية عبادة الله.
واذا كان لا بد من الحديث عن الأنظمة الدينية المعروفة في ذلك الوقت في إطار البيئة التي ولد فيها الرسول، فإن الحديث عن مذهب الصابئين أولى من الحديث عن الحنفاء ويقصد بهذه الكلمة الواردة
واذا كان لا بد من الحديث عن الأنظمة الدينية المعروفة في ذلك الوقت في إطار البيئة التي ولد فيها الرسول، فإن الحديث عن مذهب الصابئين أولى من الحديث عن الحنفاء ويقصد بهذه الكلمة الواردة
في القرآن طائفة وثنية متميزة (صابئي حران الذي ينسبون أنفسهم إلى صابي بن سث، الذي كان يدعي نشر تعاليم ديانة أبيه وأنه كان عنده كتابها باللغة السريانية)؛ أو أنها طائفة يهودية مسيحية تسمى «الصابئة» (من مسيحيي يوحنا المعمداني)، أو أنها هي ذاتها الطائفة الوثنية الأولى التي كانت تنتحل
هذا الإسم. المسألة محل خلاف؛ ولقد ذكر الفيومي هذا التفسير الأخير في قاموسه العربي (المصباح المنير). وعلى كل حال هناك اعتباران يقتضيان استبعاد التفسير الثاني، أولهما هو اختلاف أصل كلمة «صبا» عن أصل «سبح». والثاني سكوت السنة والأثر عن مبادىء الصابئة : وهي الفيض والتجسيد على حين أن
الأفكار الجوهرية والشعائر الأساسية للصابئين كانت معروفة وفندها القرآن والسنة. ولقد انتشرت بعض عادات هذا المذهب في قريش الى درجة أنه يصعب عزلها عن الوثنية السائدة. وذلك مثل :
١-تأليه الملائكة والكواكب وتأثيرها على الأحداث الأرضية.
٢-نصيب الأسد الذي كان يؤخذ من القرابين ليقدم إلى
١-تأليه الملائكة والكواكب وتأثيرها على الأحداث الأرضية.
٢-نصيب الأسد الذي كان يؤخذ من القرابين ليقدم إلى
الآلهة الأقل في الدرجة بدلا من تقديمها إلى الله.
٣-عبارة الإبتهال التي كانت تتضمن الشرك بالله وتستخدم في الحج ... الخ
وهناك بعض الشعائر الأخرى والعادات التي تتميز عن كل من العادات الوثنية والإسلامية. فقد كان الحج عند الصابئين يتم بحران بالعراق، وليس حول الكعبة؛ كما كانت قرابينهم
٣-عبارة الإبتهال التي كانت تتضمن الشرك بالله وتستخدم في الحج ... الخ
وهناك بعض الشعائر الأخرى والعادات التي تتميز عن كل من العادات الوثنية والإسلامية. فقد كان الحج عند الصابئين يتم بحران بالعراق، وليس حول الكعبة؛ كما كانت قرابينهم
تحرق تماماً ولا يؤكل منها شيء، وكانوا يحرمون تعدد الزوجات ولا يزاولون الختان. وكانت عباداتهم طقوساً يقصد بها الكواكب : فقد كانت تمارس ثلاث مرات يوميا، بحيث تتوافق تماماً مع شروق الشمس والزوال والغروب، وذلك بما يخالف مواعيد الصلاة في الإسلام.
وهكذا نرى الوثنية التي كانت سائدة
وهكذا نرى الوثنية التي كانت سائدة
بالحجاز لا تقدم لنا تفسيراً سليماً عن مصدر القرآن الكريم سواء وصفت بالرقة أو الخشونة، بالخرافات والشك، أو بروح النقد.
لنترك إذن هذه الأوساط ونتجه ببحثنا إلى مكان آخر. فلعل البيئة اليهودية والمسيحية وقتئذ تلقي لنا بعض الضوء على هذا الموضوع.
-
قد رأينا أن محمداً في شبابه كان من وقت
لنترك إذن هذه الأوساط ونتجه ببحثنا إلى مكان آخر. فلعل البيئة اليهودية والمسيحية وقتئذ تلقي لنا بعض الضوء على هذا الموضوع.
-
قد رأينا أن محمداً في شبابه كان من وقت
لآخر يسافر إلى سوريا في تجارته وربما إلى اليمن لنفس الغرض. ومن المعلوم أن الغساسنة بسوريا، وبني الحارث بنجران في اليمن كانوا قد اعتنقوا المسيحية (فضلا عن وجود القبائل اليهودية بالمدينة وخيبر التي لم يتصل بها محمد ﷺ إلا بعد الهجرة). فلماذا لا يكون هذا المسافر العربي - بما عرف عنه
من ملاحظة ذكية واهتمام فطري بالمسائل الأخلاقية - قد تأثر بأخلاق وأفكار هذه المجتمعات التي تفوق في سموها ورقتها أخلاق قومه الخشنة التي كانت تثير حنقه؟
كان هذا رأي «جولد سيهر» وآخرين. فلقد اعتقد هذا المفكر المجري أن مقارنة محمد لحياة قومه وتقاليدهم، بانطباعاته الحية التي اكتسبها من
كان هذا رأي «جولد سيهر» وآخرين. فلقد اعتقد هذا المفكر المجري أن مقارنة محمد لحياة قومه وتقاليدهم، بانطباعاته الحية التي اكتسبها من
رحلاته العديدة قد أوجدت عنده الدفعة الأولى لنظامه الإصلاحي.
إلى أي حد سيساعدنا هذا الرأي في حل المشكلة؟ أولا هل دخل محمد الأراضي المسيحية الحقيقية؟ بعض الكتاب يشكون في هذا نظراً لعدم وجود أية إشارة في القرآن عن المظاهر الخارجية للديانة المسيحية. بينما يتكلم بتوسع عن أعماق روح
إلى أي حد سيساعدنا هذا الرأي في حل المشكلة؟ أولا هل دخل محمد الأراضي المسيحية الحقيقية؟ بعض الكتاب يشكون في هذا نظراً لعدم وجود أية إشارة في القرآن عن المظاهر الخارجية للديانة المسيحية. بينما يتكلم بتوسع عن أعماق روح
المسيحية الشرقية مما يتناقض تماماً مع مسلك الشعراء العرب المعاصرين للرسول، والذين زاروا هذه البلاد. وهناك كتاب آخرون أكثر اقتراباً من الحقيقة، إذ يؤكدون أن رحلات القوافل التجارية التي صاحبها الرسول لم تقده إلى أبعد من سوق «حباشا» بتهامة وغراش باليمن.
#برنامج_واحات
#برنامج_واحات
ولنفرض أنه اتصل بالفعل بالمسيحية في ذلك الوقت، فهل كان سيجد ما يسره؟ لنستمع أولا إلى ملاحظات بعض الكتاب المسيحيين : يقول «ج. سال» : إذا قرأنا التاريخ الكنسي بعناية، فسنرى أن العالم المسيحي قد تعرض منذ القرن الثالث لمسخ صورته، بسبب أطماع رجال الدين، والانشقاق بينهم، والخلافات على
أتفه المسائل، والمشاجرات التي لا تنتهي، والتي كان الإنقسام يتزايد بشأنها. وكان المسيحيون في تحفزهم لإرضاء شهواتهم واستخدام كل أنواع الخبث والحقد والقسوة.. قد انتهوا تقريباً إلى طرد المسيحية ذاتها من الوجود، بفعل جدالهم المستمر حول طريقة فهمها. وفي هذه العصور المظلمة بالذات ظهرت،
بل وثبتت أغلب أنواع الخرافات والفساد ..
ولقد كتب تايلور في كتابه «المسيحية القديمة» المجلد الأول صفحة ٢٦٦ يقول «إن ما قابله محمد وأتباعه في كل اتجاه.. لم يكن إلا خرافات منفرة، ووثنية منحطة ومخجلة، ومذاهب كنسية مغرورة، وطقوساً دينية منحلة وصبيانية، بحيث شعر العرب ذوو العقول النيرة
ولقد كتب تايلور في كتابه «المسيحية القديمة» المجلد الأول صفحة ٢٦٦ يقول «إن ما قابله محمد وأتباعه في كل اتجاه.. لم يكن إلا خرافات منفرة، ووثنية منحطة ومخجلة، ومذاهب كنسية مغرورة، وطقوساً دينية منحلة وصبيانية، بحيث شعر العرب ذوو العقول النيرة
بأنهم رسل من قبل الله، مكلفين بإصلاح ما ألم بالعالم من فساد..» وعندما وصف راهب مؤرخ الآلام والعذاب والذي أوقعه الفرس بشعب فلسطين في زمن محمد لم يتردد في أن يقرر أن الله لم يصب المسيحيين هناك بقسوة الذنادقة الظلمة إلا بسبب ظلمهم وشرورهم. وعندما أراد «موشایم» Mosheim وصف هذا العصر،
رسم صورة للمقارنة، أبرز فيها التعارض بين المسيحيين الأوائل والأواخر، وخرج بأن الديانة الحقيقية في القرن السابع كانت مدفونة تحت أكوام من الخرافات والأوهام السخيفة، حتى أنه لم يكن في مقدورها أن ترفع رأسها.
وكأن هذه الصفحات قد كتبت لتفسر الآية القرآنية الوجيزة من سورة المائدة
وكأن هذه الصفحات قد كتبت لتفسر الآية القرآنية الوجيزة من سورة المائدة
﴿ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم، فنسوا حظا مما ذكروا به، فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون﴾ فهذه الآية الكريمة تشير مجرد إشارة إلى البعد الذي كان بين المسيحية والمسيحيين في عصر الرسول وتعلن أن الإنشقاق الناتج من هذا البعد
سيمتد إلى يوم القيامة.
فهل كان مسلك العرب الذين تنصروا أحسن حالا من مسلك المسيحيين أنفسهم؟ لا، فرغم تنصر قبائل العرب بسوريا في الجاهلية (الغساسنة)، احتفظوا بعاداتهم وتقاليدهم الوثنية القديمة.
ولقد قال علي إن ما أخذه التغالبة من المسيحية لم يكن سوى شرب الخمر. ويقرر «هوارت» Huart
فهل كان مسلك العرب الذين تنصروا أحسن حالا من مسلك المسيحيين أنفسهم؟ لا، فرغم تنصر قبائل العرب بسوريا في الجاهلية (الغساسنة)، احتفظوا بعاداتهم وتقاليدهم الوثنية القديمة.
ولقد قال علي إن ما أخذه التغالبة من المسيحية لم يكن سوى شرب الخمر. ويقرر «هوارت» Huart
في النهاية «مهما كان إغراء الفكرة التي تقول بأن تفكير المصلح الشاب (محمد) قد تأثر بقوة عندما شاهد تطبيق الديانة المسيحية بسوريا، فإنه يتحتم استبعادها، نظراً لضعف الوثائق والأسس التاريخية الصحيحة».
✅هذا إذن هو المشهد الحي الذي يمتد أمام نظر المشاهد. فحيثما اتجه وجد ضلالا يحتاج
✅هذا إذن هو المشهد الحي الذي يمتد أمام نظر المشاهد. فحيثما اتجه وجد ضلالا يحتاج
إلى الهداية، وانحرافاً يتطلب التقويم. ولن يجد أبدأ نموذجاً أخلاقياً ودينيا يصلح لأن ينقله محمد أو يبني عليه نظامه الإصلاحي. فلا شك أن المواد التي صادفها حتى الآن قد تجمعت في بناء يصلح للهدم، ولم يكن فيها ما يصلح ليقيم عليه بناءه الجديد.
فلنوسع حقل البحث قليلا. إذ خارج العالم
فلنوسع حقل البحث قليلا. إذ خارج العالم
الملموس والمنظور، يوجد العالم المسموع، وبيئة الكتب والإطلاع. وإذا لم يصلح المثل والواقع، فقد يصلح الدرس. ولكن من أين يأتي الدرس؟ ومن هو حامله؟ إن أول إجابة تتبادر إلى الذهن في هذا المجال، هو أن محمداً قد استخلص دروسه من مطالعاته المباشرة للكتب المقدسة القديمة سواء كانت مسيحية أو
يهودية أو غيرها. ولكن هل كان محمد يعرف القراءة والكتابة؟
يجيب القرآن بالنفي : ويبرهن بأمية الرسول الكريم على ربانية تعليمه إنه لا يقرر فحسب أنه أمي من شعب أمي، أي غير متعلم، وليس فقط كما يريد «سبرنجر» أنه ينتمي إلى شعب وثني لم يتلق أي كتاب سماوي من قبل، وإنما يؤكد بصريح العبارة،
يجيب القرآن بالنفي : ويبرهن بأمية الرسول الكريم على ربانية تعليمه إنه لا يقرر فحسب أنه أمي من شعب أمي، أي غير متعلم، وليس فقط كما يريد «سبرنجر» أنه ينتمي إلى شعب وثني لم يتلق أي كتاب سماوي من قبل، وإنما يؤكد بصريح العبارة،
أنه لم يسبق له أن قرأ كتاباً قبل القرآن، أو كتب بيده : ﴿ما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك﴾ (العنكبوت ٤٨). ولا شك أن معارضيه كانوا يعرفون فيه هذه الأمية جيداً، لأنهم عندما أرادوا تعليل المصدر الذي تلقى عنه أساطير العصور القديمة، لم يجرؤوا أن يقولوا «كتبها» وإنما قالوا
«اكتتبها» أي كتبها له غيره، ﴿وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا﴾ (الفرقان ٥) وهما عبارتان مختلفتان تمام الاختلاف، إلا أنه التبس معناهما على بعض المستشرقين. وحتى على فرض أنه كان يعرف القراءة، فقد كانت هناك عقبة يستحيل تذليلها، لأن في هذا الوقت لم تكن قد وجدت
بعد توراة ولا إنجيل باللغة العربية. ووجود هذه الوثائق بلغات أجنبية جعلها حكراً لبعض العلماء المتحدثين بأكثر من لغة الذين حفظوها بعناية، بل لقد وصفهم القرآن بالبخل بما عندهم من العلم، بحيث أنهم لم يكونوا يتنازلون عن بضع أوراق من التوراة إلا مع حرصهم على إخفاء الجزء الأكبر منها.
وسوف يكشف القرآن فيما بعد في المدينة، وسائلهم الأخرى لإخفاء العلم شفوياً، وتحريرياً.
وعلى كل حال لم ينبئنا التاريخ عن أي اتصال كان بين النبي وبين وسط العلماء قبل الهجرة. فطالما أن الكلام يدور في العموميات التي يصعب التحكم فيها، فلا شك أنه يمكن افتراض وجود مثل هذه العلاقة، وذلك
وعلى كل حال لم ينبئنا التاريخ عن أي اتصال كان بين النبي وبين وسط العلماء قبل الهجرة. فطالما أن الكلام يدور في العموميات التي يصعب التحكم فيها، فلا شك أنه يمكن افتراض وجود مثل هذه العلاقة، وذلك
بإتاحة الفرصة لكل حدس وخيال، أما عندما نطالب بالتحديد فإنه يحدث التناقض والتخبط في الحال.
ولكن إذا كان محمد لم يحصل على أفكاره الدينية لا من نصوص التوراة مباشرة ولا بفضل أي تعليم منهجي من العلماء ذوي الاختصاص،أليس من المحتمل أن يكون قد جمعها من بعض الشعراء العرب اليهود أو النصارى
ولكن إذا كان محمد لم يحصل على أفكاره الدينية لا من نصوص التوراة مباشرة ولا بفضل أي تعليم منهجي من العلماء ذوي الاختصاص،أليس من المحتمل أن يكون قد جمعها من بعض الشعراء العرب اليهود أو النصارى
أو ما شابههم؟.
نلاحظ أولا أن القرآن يوضح لنا أن الرسول لم يكن يألف الشعر بوجه عام، بحيث اعتبره القرآن بالنسبة للرسول لهواً لا يليق بشخصه ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له﴾ ونمر على هذه النقطة بسرعة، ونتساءل عن هذا التعليم الذي يمكن أن يخرج من هذا النوع من الأدب؟
وهنا نجد اتجاهين
نلاحظ أولا أن القرآن يوضح لنا أن الرسول لم يكن يألف الشعر بوجه عام، بحيث اعتبره القرآن بالنسبة للرسول لهواً لا يليق بشخصه ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له﴾ ونمر على هذه النقطة بسرعة، ونتساءل عن هذا التعليم الذي يمكن أن يخرج من هذا النوع من الأدب؟
وهنا نجد اتجاهين
في الأدب الجاهلي : الأول وهو أن بعض الشعراء، مثل الأعشى يهتم بوصف التقاليد والطقوس الكنسية. وهو ما لا نجد له أثراً في القرآن بل لقد كان اهتمام هؤلاء الشعراء ينصب أكثر على شرب الخمر، الذي سيوجه إليه القرآن ضربته القاضية بدلا من تحبيذه. فالقرآن لا ينتمي إذن إلى هذه الفئة.
أما النوع
أما النوع
الثاني من الشعر، فقد كان يكاد يتخصص تماماً في الأفكار الدينية؛ وقصائد أمية بن أبي الصلت أصلح نموذج لهذا النوع، حيث نقابل موضوعين أساسيين هما : وصف الحياة الأخروية؛ وقصص الديانات القديمة؛ وفي بعض المواضع بنفس عبارات القرآن. فلماذا لا نرى هنا النموذج الذي أخذ عنه محمد؟.
وإذا حالف
وإذا حالف
التوفيق محاولة إثبات هذه العلاقة، سيكون ذلك أهم اكتشاف علمي، يخفف عنا عبء التفسيرات الغيبية ولو جزئياً. وستكون نظرة الكتاب الذين اعتبروا شعر أمية الحلقة بين القرآن والتوراة نظرة صائبة.
ولكي نتمسك بهذه الحجة لا شك أن أول شرط يطلب إثباته أو طرحه هو صحة الشعر موضوع البحث. ولكننا لا
ولكي نتمسك بهذه الحجة لا شك أن أول شرط يطلب إثباته أو طرحه هو صحة الشعر موضوع البحث. ولكننا لا
ننوي أن نثير أي خلاف على هذه النقطة. فإذا كان هناك بعض جامعي الشعر، مثل حماد وخلف الأحمر، قد اشتبه في أنهم لفقوا بعض الأشعار ونسبوها إلى القدماء بعد أن خلطوها بشعر هؤلاء، فإن تعميم هذا العمل المشبوه - بحيث يشكل كل الشعر العربي أو الجاهلي على الأقل - سيتضمن نوعاً من المبالغة.
إلا
إلا
أنه لا يكفي أن يكون النص صحيحاً لكي يمكن اعتباره مصدراً للنص المشابه له، وإنما يجب أن يكون سابقاً له في التاريخ. ولكن قضية أسبقية شعر أمية بالنسبة لآيات القرآن قضية مستحيلة الحل. لأن محمداً وأمية قد عاصر كل منهما الآخر، وهما أيضاً من نفس العمر تقريباً، فضلا عن أن أمية عاش واستمر
في قرض الشعر طوال ما يقرب من ثماني سنوات بعد نزول آخر آية من سور القرآن المكية التي يوجد تشابه بينها وبين شعر أمية بحيث يكون من التعسف الادعاء بأن هذا الشعر كان سابقاً للقرآن من حيث التاريخ.
ونضيف أن أمية لم يدع الأصالة ولا الإلهام، بل إنه كثيراً ما عبر عن خيبة أمله وأسفه في هذا
ونضيف أن أمية لم يدع الأصالة ولا الإلهام، بل إنه كثيراً ما عبر عن خيبة أمله وأسفه في هذا
الشأن، مما يحملنا على الإعتقاد بأنه قد اندفع إلى التقليد بروح المنافسة وعلى عكس ذلك،لقد أعلن محمد على مسمع من جميع معاصريه بأنه لم يتلق علمه من بشر. ولنأخذ في اعتبارنا موقف خصوم النبي في هذا الموضوع. فلقد كانوا دائماً على يقظة لأقل ثغرة ليوجهوا من خلالها ضربتهم،ويحولوها إلى سخرية
واستهزاء.ألم يكن من الأيسر لهم أن يضعوا يده على مسروقاته المفضوحة من شعر أمية الذي لم يكن قد جف مداده،بدلا من أن يوجهوا حججهم في كل اتجاه،وأن يلجأوا إلى كل افتراض، وصل إلى حد وصم الرسول بالجنون لتفسير ظاهرة القرآن العجيبة؟.
ومن هذا نخلص -إن لم يكن بتأكيد- فعلى الأقل باحتمال كبير
ومن هذا نخلص -إن لم يكن بتأكيد- فعلى الأقل باحتمال كبير
بأن القرآن هو الذي كان أساس الإنتاج الأدبي في عصر نزوله، كما كان يقيناً أساسه في العصور التالية. ولا يضير فن الشعر في شيء أن نشكك في أصالة مصادره، بعكس ما قد يحدث إذا قلنا نفس الشيء عن مذهب ديني. لأن الشاعر لا يركز اهتمامه في الحقيقة التي يعلنها، بقدر ما يركزه في جمال القالب الذي
يقدمها فيه، بغض النظر عن المصدر الذي يبحث فيه عن خاماته سواء في حكمة القدماء أو المعاصرين، في وقائع تجاربه، أو في الرأي العام، في أي شعور أو خيال، مهما كانت درجة هبوطه. ولقد أثبت نقد شعر أمية بصفة خاصة أنه يرجع إلى عدة مصادر مختلفة -وهذا ما لاحظه هوارت- فعندما يتكلم الشاعر عن وصف
النار يقلد أسلوب التوراة، وعندما يشرع في وصف الجنة يستخدم عبارات القرآن، وعندما يقص التاريخ الديني يلجأ أحياناً إلى الأسطورة الشعبية،وإلى ما يشبه الأساطير الميثولوجية (أو أساطير الآلهة اليونانية) حيث يتمثل الشخص أحياناً في صورة إنسان،وأحياناً في صورة حيوان أو نبات.
@WBookreaders
@WBookreaders
وتبقى أمامنا مرحلة أخيرة في مجال هذا التنقيب عن المصادر الطبيعية الخارجية للقرآن، ألا وهي : الأفكار الشعبية
إننا لا ننوي أن ننفي عن محمد ﷺ - وهو في شبابه - أي نوع من العلم المنقول إليه بطريق السمع عن الأديان السابقة. فليس من المقبول عقلا الإدعاء بأنه كان يعيش في عزلة تامة تجعله
إننا لا ننوي أن ننفي عن محمد ﷺ - وهو في شبابه - أي نوع من العلم المنقول إليه بطريق السمع عن الأديان السابقة. فليس من المقبول عقلا الإدعاء بأنه كان يعيش في عزلة تامة تجعله
أجهل من شعبه في هذه النقطة. ويبدو لنا هذا الشعب من خلال القرآن الكريم وقد توفرت عنده بعض المعلومات عن الأديان السابقة، مما جعله يطلب من الرسول أن يأتي بآيات ربانية تشبه الآيات التي جاء بها المرسلون من قبل، ويعارض دعوة الوحدانية بما كان قد سمعه عن آخر الأديان المنزلة، ويقارن ملة
عيسى بعقيدة الوثنية، ومن السهل أن نتصور أن بعض المعلومات الأخرى عن التوراة قد انتشرت بين طبقات الشعب العربي بفضل تلاقي هذه الأديان في الجزيرة العربية.
ولكن أسباباً كثيرة، تحول بيننا وبين أن نوسع من خيالنا في هذا الشأن منها أولاً : عدم توفر الدعاية واختفاء الرؤساء الدينيين،
ولكن أسباباً كثيرة، تحول بيننا وبين أن نوسع من خيالنا في هذا الشأن منها أولاً : عدم توفر الدعاية واختفاء الرؤساء الدينيين،
ثانياً : ندرة المعتنقين الجدد وتشتتهم – وبصفة خاصة جهلهم. ثالثاً : اعتزاز العرب القدماء بجنسهم، وقلة اهتمامهم بالأمور التي لا تتعلق بمصالحهم المباشرة أو تاريخهم القومي. رابعاً : عدم وجود الموضوعات الدينية في أدبهم، فيما عدا بعض الاستثناءات القليلة. ومن الجدير بالملاحظة هنا، أن
نرى أن الاهتمام - حتى من جانب الذين سافروا وتعلموا - كان ينحصر في أشياء أخرى غير الأمور الدينية. فعندما أراد «النضر بن الحارث» منافسة القصص القرآني، شرع يقص على مستمعيه أساطير ملوك فارس القدامى، ومغامرات أبطالها، مثل رستم واسفندار ... الخ، بدلا من قصص الأنبياء والمرسلين. و وماذا
كان ينشد النابغة الذبياني في شعره؟ يقول هوارت : تاريخ الملك سليمان. ومعنى ذلك أن بريق ومظاهر حياة البذخ هي التي كانت تستهوي العرب وقتئذ.
وإزاء سكوت التاريخ عن الدرجة الفعلية للمعارف المدونة، التي كانت تتوفر عند هذا الشعب الأمّي الغافل، فكل ما نستطيع عقلا أن ننسبه إليه يجب ألا
وإزاء سكوت التاريخ عن الدرجة الفعلية للمعارف المدونة، التي كانت تتوفر عند هذا الشعب الأمّي الغافل، فكل ما نستطيع عقلا أن ننسبه إليه يجب ألا
يتعدى بعض المعلومات المبهمة والبدائية التي لا تختلف عما سبق توضيحه، ولا تهدينا إلى مصدر الحقائق القرآنية، بما اتصفت به من اتساع ودقة وعمق. والواقع أن تصور هذا الشعب الذي كان في عصر «الجاهلية» على درجة من العلم تؤهله للمشاركة في العلوم التي اقتصرت معارفها على بعض العلماء المعدودين
في ذلك الوقت، تعد فكرة غريبة لا تستقيم مع الحقائق المقررة. فلم يسبق في أي عصر من عصور التاريخ، وعند أكثر الشعوب تحضراً وعلماً، أن وجدنا مثل هذا الربط بين الجاهل وبين العالم المتخصص. فهذا الأخير وحده هو الذي يستطيع أن يتحدث عن «القنبلة الذرية» لأنه يعلم أسرارها،بينما الآخر لا يملك
أكثر من ترديد اسمها دون أن يدري عن تركيبها شيئاً. وكل هذا لا يعدو أن يكون تفكيراً مبنياً على الاستنتاج، لا يجوز الاعتماد عليه إلا في غياب الحقائق اليقينية. وإليك ما يقوله القرآن الكريم الذي لا يلتزم الصمت عن جدة تعاليمه بالنسبة للعرب، بما فيهم النبي ﷺ، ففي مواضع كثيرة لا يفوته
-وهو يقص بعض قصص القرآن- أن يؤكد أن محمداً -فضلا عن قومه- لم يكونوا يألفون أو يعلمون منها شيئاً قبل نزول الوحي على الرسول. فإذا كان الأمر على خلاف ذلك، ماذا كان ينتظر من أعداء الإسلام؟.
وحتى على فرض تسرب بعض التفاصيل إلى معارف العرب البدائية هل كان يستطيع محمد أن يثق بكل بساطة
وحتى على فرض تسرب بعض التفاصيل إلى معارف العرب البدائية هل كان يستطيع محمد أن يثق بكل بساطة
في علم الجماهير، وهو الذي كان يقف مما يرويه العلماء موقف التحدي؟ ونظراً لأن الأفكار التي كانت رائجة في هذا المجتمع الديني الكبير لم يكن لها اتجاه واحد، بل كان لكل من المشركين والصابئين ورجال الدين والفرس واليهود والنصارى أسلوبهم الخاص في عرض الحقيقة ! ففي أي فريق من هؤلاء كان
الرسول يستطيع أن يضع ثقته؟ وعلى أي دعوة من هذه المتناقضات يعتمد؟ وهب أنه حرص على أن يقص علينا عقيدة كل طائفة، وكل مذهب، وكل فرع من تلك المذاهب المعاصرة، فأي خليط مخيف كنا سنجده في القرآن.
وهنا يتعين علينا إدخال عامل جديد ألا وهو العامل الشخصي.
فقد يظن أن الرسول - وهو في فترات
وهنا يتعين علينا إدخال عامل جديد ألا وهو العامل الشخصي.
فقد يظن أن الرسول - وهو في فترات
تعبده في حراء قبيل نزول الوحي، بل وهو في خلوته عندما كان يرعى الغنم في شبابه - كان ينطلق في تأملاته العميقة باحثاً عن نوع الحقيقة في هذا الموضوع أو ذاك، وبعد إتمام بحثه يقوم بالإختيار والتحديد.
وهنا يجدر بنا التمييز بين مجالين من مجالات المعرفة الإنسانية، ألا وهما المعرفة
وهنا يجدر بنا التمييز بين مجالين من مجالات المعرفة الإنسانية، ألا وهما المعرفة
الإمبيريفية (المنبعثة من الحياة اليومية) والمعرفة العقلية. فالتاريخ الإنساني لا يخضع لمنطقنا لأنه قد يشتمل على أحداث تتعارض مع ما يقبله العقل.فلا يستطيع محمد بانطوائه على نفسه أن يكتشف حادثاً ما وقع في تاريخ ما من الزمان الغابر. ولهذا تتركز الجهود على المقارنة بين القصص الديني في
القرآن، وبينه في الكتب المنزلة السابقة للبحث عن الطريقة التي نتج عنها هذا التوافق العجيب.
ولكن إذا كانت التأملات العقلية غير ذات جدوى في مجال الأحداث الواقعية، فإنها بلا أدنى شك تكون ذات قيمة عظيمة في مجال الكشف عن الحقائق الخالدة. فما هي حدود العقل الصافي المجرد في مادة الدين؟
ولكن إذا كانت التأملات العقلية غير ذات جدوى في مجال الأحداث الواقعية، فإنها بلا أدنى شك تكون ذات قيمة عظيمة في مجال الكشف عن الحقائق الخالدة. فما هي حدود العقل الصافي المجرد في مادة الدين؟
إنها ضيقة بلا شك لأن العقل في مقدوره أن يثبت لنا ضلال الوثنية والخرافات وفراغها وعدم جدواها ولكن متى أزاح من طريقه هذه الخزعبلات، فماذا يبني مكانها؟ فليست هناك دعوة أو مذهب أو نظرية تنبني على حقائق سلبية. ومن الأرجح أن محمداً قد وجد نفسه وهو في هذه المرحلة في موقف الحنفاء، أي
قلقاً وحزيناً. وهو الحال الذي يرسمه لنا القرآن عن صورته قبيل نزول الوحي عليه : لقد كان حزيناً وكأنه يئن تحت حمل ثقيل.
ولنفرض أن اجتياز مرحلة البحث الأولى كان سريعاً، وأن اكتشاف الحقيقة الجوهرية كان سهلا أو حدث في وقت مبكر. ولكن معرفة الله سبحانه وتعالى ليست هي كل العلم الديني
ولنفرض أن اجتياز مرحلة البحث الأولى كان سريعاً، وأن اكتشاف الحقيقة الجوهرية كان سهلا أو حدث في وقت مبكر. ولكن معرفة الله سبحانه وتعالى ليست هي كل العلم الديني
الموجود في القرآن، والطريق الموصل إلى هذا العلم طويل ومتعثر إن لم يكن مغلقاً ومسدوداً أمام عقل الإنسان في حالة اعتماده على إمكانياته المحدودة. بأي إلهام إذن استطاع محمد أن يكتشف صفات الله العديدة، وأسمائه الحسنى، وعلاقة الله بالكون المنظور وغير المنظور، والمصير الذي ينتظر الإنسان
بعد الموت .. ومن غير أن يتراجع في حقيقة سبق أن أعلنها، ومع احتفاظه في نفس الوقت بتوافقه العجيب مع حقائق الكتب السماوية السابقة والمحفوظة بعناية تحت يد العلماء؟ لا شك أن العقل مهما بلغ من الصفاء والقوة لا يستطيع أن يخطو خطوة واحدة في هذا السبيل بمثل هذه الثقة وهذا الوضوح ما لم يكن
له عون ومدد من تعاليم إيجابية خارج نطاق البشر. والقرآن يؤكد هذا في تلك النقطة التي تشغلنا، ويقرر أن محمداً عليه السلام لم يكن يدري قبل نزول الوحي عليه ﴿ما الكتاب ولا الإيمان﴾ (الشورى – ٥٢)، وذلك بصرف النظر عن البناء التشريعي بمظاهره المختلفة، الأخلاقي منها والاجتماعي والتعبدي.
كيف نعبد الله؟ ما هي قاعدة السلوك المثلى للفرد والمجتمع والإنسانية؟ لقد كان محمد يجهل كل ذلك فهل كان في استطاعته هداية غيره، بينما كان عاجزاً عن هداية نفسه في أمور دينه؟
أجهل من شعبه في هذه النقطة. ويبدو لنا هذا الشعب من خلال القرآن الكريم وقد توفرت عنده بعض المعلومات عن الأديان
أجهل من شعبه في هذه النقطة. ويبدو لنا هذا الشعب من خلال القرآن الكريم وقد توفرت عنده بعض المعلومات عن الأديان
السابقة، مما جعله يطلب من الرسول أن يأتي بآيات ربانية تشبه الآيات التي جاء بها المرسلون من قبل، ويعارض دعوة الوحدانية بما كان قد سمعه عن آخر الأديان المنزلة، ويقارن ملة عيسى بعقيدة الوثنية،ومن السهل أن نتصور أن بعض المعلومات الأخرى عن التوراة قد انتشرت بين طبقات الشعب العربي بفضل
تلاقي هذه الأديان في الجزيرة العربية.
ولكن أسباباً كثيرة، تحول بيننا وبين أن نوسع من خيالنا في هذا الشأن منها أولاً : عدم توفر الدعاية واختفاء الرؤساء الدينيين، ثانياً : ندرة المعتنقين الجدد وتشتتهم – وبصفة خاصة جهلهم. ثالثاً : اعتزاز العرب القدماء بجنسهم، وقلة اهتمامهم بالأمور
ولكن أسباباً كثيرة، تحول بيننا وبين أن نوسع من خيالنا في هذا الشأن منها أولاً : عدم توفر الدعاية واختفاء الرؤساء الدينيين، ثانياً : ندرة المعتنقين الجدد وتشتتهم – وبصفة خاصة جهلهم. ثالثاً : اعتزاز العرب القدماء بجنسهم، وقلة اهتمامهم بالأمور
التي لا تتعلق بمصالحهم المباشرة أو تاريخهم القومي. رابعاً : عدم وجود الموضوعات الدينية في أدبهم، فيما عدا بعض الاستثناءات القليلة. ومن الجدير بالملاحظة هنا، أن نرى أن الاهتمام - حتى من جانب الذين سافروا وتعلموا - كان ينحصر في أشياء أخرى غير الأمور الدينية. فعندما أراد «النضر بن
الحارث» منافسة القصص القرآني، شرع يقص على مستمعيه أساطير ملوك فارس القدامى، ومغامرات أبطالها، مثل رستم واسفندار ... الخ، بدلا من قصص الأنبياء والمرسلين. و وماذا كان ينشد النابغة الذبياني في شعره؟ يقول هوارت : تاريخ الملك سليمان. ومعنى ذلك أن بريق ومظاهر حياة البذخ هي التي كانت
تستهوي العرب وقتئذ.
وإزاء سكوت التاريخ عن الدرجة الفعلية للمعارف المدونة، التي كانت تتوفر عند هذا الشعب الأمّي الغافل، فكل ما نستطيع عقلا أن ننسبه إليه يجب ألا يتعدى بعض المعلومات المبهمة والبدائية التي لا تختلف عما سبق توضيحه، ولا تهدينا إلى مصدر الحقائق القرآنية، بما اتصفت به
وإزاء سكوت التاريخ عن الدرجة الفعلية للمعارف المدونة، التي كانت تتوفر عند هذا الشعب الأمّي الغافل، فكل ما نستطيع عقلا أن ننسبه إليه يجب ألا يتعدى بعض المعلومات المبهمة والبدائية التي لا تختلف عما سبق توضيحه، ولا تهدينا إلى مصدر الحقائق القرآنية، بما اتصفت به
من اتساع ودقة وعمق. والواقع أن تصور هذا الشعب الذي كان في عصر «الجاهلية» على درجة من العلم تؤهله للمشاركة في العلوم التي اقتصرت معارفها على بعض العلماء المعدودين في ذلك الوقت، تعد فكرة غريبة لا تستقيم مع الحقائق المقررة. فلم يسبق في أي عصر من عصور التاريخ، وعند أكثر الشعوب تحضراً
وعلماً، أن وجدنا مثل هذا الربط بين الجاهل وبين العالم المتخصص. فهذا الأخير وحده هو الذي يستطيع أن يتحدث عن «القنبلة الذرية» لأنه يعلم أسرارها، بينما الآخر لا يملك أكثر من ترديد اسمها دون أن يدري عن تركيبها شيئاً. وكل هذا لا يعدو أن يكون تفكيراً مبنياً على الاستنتاج، لا يجوز
الاعتماد عليه إلا في غياب الحقائق اليقينية. وإليك ما يقوله القرآن الكريم الذي لا يلتزم الصمت عن جدة تعاليمه بالنسبة للعرب، بما فيهم النبي ﷺ، ففي مواضع كثيرة لا يفوته - وهو يقص بعض قصص القرآن - أن يؤكد أن محمداً -فضلا عن قومه- لم يكونوا يألفون أو يعلمون منها شيئاً قبل نزول الوحي
على الرسول. فإذا كان الأمر على خلاف ذلك، ماذا كان ينتظر من أعداء الإسلام؟
وحتى على فرض تسرب بعض التفاصيل إلى معارف العرب البدائية هل كان يستطيع محمد أن يثق بكل بساطة في علم الجماهير، وهو الذي كان يقف مما يرويه العلماء موقف التحدي؟ ونظرا لأن الأفكار التي كانت رائجة في هذا المجتمع
وحتى على فرض تسرب بعض التفاصيل إلى معارف العرب البدائية هل كان يستطيع محمد أن يثق بكل بساطة في علم الجماهير، وهو الذي كان يقف مما يرويه العلماء موقف التحدي؟ ونظرا لأن الأفكار التي كانت رائجة في هذا المجتمع
الديني الكبير لم يكن لها اتجاه واحد، بل كان لكل من المشركين والصابئين ورجال الدين والفرس واليهود والنصارى أسلوبهم الخاص في عرض الحقيقة ! ففي أي فريق من هؤلاء كان الرسول يستطيع أن يضع ثقته؟ وعلى أي دعوة من هذه المتناقضات يعتمد؟ وهب أنه حرص على أن يقص علينا عقيدة كل طائفة، وكل مذهب
وكل فرع من تلك المذاهب المعاصرة، فأي خليط مخيف كنا سنجده في القرآن.
وهنا يتعين علينا إدخال عامل جديد ألا وهو العامل الشخصي.
فقد يظن أن الرسول - وهو في فترات تعبده في حراء قبيل نزول الوحي، بل وهو في خلوته عندما كان يرعى الغنم في شبابه - كان ينطلق في تأملاته العميقة باحثاً عن نوع
وهنا يتعين علينا إدخال عامل جديد ألا وهو العامل الشخصي.
فقد يظن أن الرسول - وهو في فترات تعبده في حراء قبيل نزول الوحي، بل وهو في خلوته عندما كان يرعى الغنم في شبابه - كان ينطلق في تأملاته العميقة باحثاً عن نوع
الحقيقة في هذا الموضوع أو ذاك، وبعد إتمام بحثه يقوم بالإختيار والتحديد.
وهنا يجدر بنا التمييز بين مجالين من مجالات المعرفة الإنسانية، ألا وهما المعرفة الإمبيريفية (المنبعثة من الحياة اليومية) والمعرفة العقلية.فالتاريخ الإنساني لا يخضع لمنطقنا لأنه قد يشتمل على أحداث تتعارض مع ما
وهنا يجدر بنا التمييز بين مجالين من مجالات المعرفة الإنسانية، ألا وهما المعرفة الإمبيريفية (المنبعثة من الحياة اليومية) والمعرفة العقلية.فالتاريخ الإنساني لا يخضع لمنطقنا لأنه قد يشتمل على أحداث تتعارض مع ما
يقبله العقل. فلا يستطيع محمد بانطوائه على نفسه أن يكتشف حادثاً ما وقع في تاريخ ما من الزمان الغابر. ولهذا تتركز الجهود على المقارنة بين القصص الديني في القرآن، وبينه في الكتب المنزلة السابقة للبحث عن الطريقة التي نتج عنها هذا التوافق العجيب.
ولكن إذا كانت التأملات العقلية غير
ولكن إذا كانت التأملات العقلية غير
ذات جدوى في مجال الأحداث الواقعية،فإنها بلا أدنى شك تكون ذات قيمة عظيمة في مجال الكشف عن الحقائق الخالدة. فما هي حدود العقل الصافي المجرد في مادة الدين؟إنها ضيقة بلا شك لأن العقل في مقدوره أن يثبت لنا ضلال الوثنية والخرافات وفراغها وعدم جدواها ولكن متى أزاح من طريقه هذه الخزعبلات
فماذا يبني مكانها؟ فليست هناك دعوة أو مذهب أو نظرية تنبني على حقائق سلبية. ومن الأرجح أن محمداً قد وجد نفسه وهو في هذه المرحلة في موقف الحنفاء، أي قلقاً وحزينا وهو الحال الذي يرسمه لنا القرآن عن صورته قبيل نزول الوحي عليه : لقد كان حزيناً وكأنه يئن تحت حمل ثقيل.
ولنفرض أن اجتياز
ولنفرض أن اجتياز
مرحلة البحث الأولى كان سريعاً،وأن اكتشاف الحقيقة الجوهرية كان سهلا أو حدث في وقت مبكر.ولكن معرفة الله سبحانه وتعالى ليست هي كل العلم الديني الموجود في القرآن،والطريق الموصل إلى هذا العلم طويل ومتعثر إن لم يكن مغلقاً ومسدوداً أمام عقل الإنسان في حالة اعتماده على إمكانياته المحدودة
بأي إلهام إذن استطاع محمد أن يكتشف صفات الله العديدة، وأسمائه الحسنى، وعلاقة الله بالكون المنظور وغير المنظور، والمصير الذي ينتظر الإنسان بعد الموت.. ومن غير أن يتراجع في حقيقة سبق أن أعلنها، ومع احتفاظه في نفس الوقت بتوافقه العجيب مع حقائق الكتب السماوية السابقة والمحفوظة بعناية
تحت يد العلماء؟ لا شك أن العقل مهما بلغ من الصفاء والقوة لا يستطيع أن يخطو خطوة واحدة في هذا السبيل بمثل هذه الثقة وهذا الوضوح ما لم يكن له عون ومدد من تعاليم إيجابية خارج نطاق البشر. والقرآن يؤكد هذا في تلك النقطة التي تشغلنا، ويقرر أن محمداً عليه السلام لم يكن يدري قبل نزول
الوحي عليه ﴿ما الكتاب ولا الإيمان﴾ (الشورى – ٥٢)، وذلك بصرف النظر عن البناء التشريعي بمظاهره المختلفة، الأخلاقي منها والاجتماعي والتعبدي. كيف نعبد الله؟ ما هي قاعدة السلوك المثلى للفرد والمجتمع والإنسانية؟ لقد كان محمد يجهل كل ذلك فهل كان في استطاعته هداية غيره، بينما كان عاجزا
عن هداية نفسه في أمور دينه؟
-
الفصل الثاني البحث عن مصدر القرآن في الفترة المدنية
هل أثر انتقال الرسول صلّى الله عليه وسلم إلى بيئة جديدة واتصاله بأهل الكتاب في سلوكه ومصدر علمه؟
بعد أن جبنا الآفاق المكية في عجل، وتوصلنا إلى نتيجة سلبية أينما بحثنا، كان أجدر بنا أن نصدر حكمنا
-
الفصل الثاني البحث عن مصدر القرآن في الفترة المدنية
هل أثر انتقال الرسول صلّى الله عليه وسلم إلى بيئة جديدة واتصاله بأهل الكتاب في سلوكه ومصدر علمه؟
بعد أن جبنا الآفاق المكية في عجل، وتوصلنا إلى نتيجة سلبية أينما بحثنا، كان أجدر بنا أن نصدر حكمنا
الآن لو لم يطرأ أي تغيير على مسيرة النبوة المباركة.
ونظرا لأننا لم نقابل هذا التعبير في بداية الفترة المكية، فقد بحثنا هذه الفترة ككل، من غير تمييز بين ما كان قبل أو بعد نزول الوحي. ولما كنا بصدد البحث عن مصدر بشري للقرآن، فقد تعيّن علينا فيما تقدم -وينبغي علينا هنا- أن نبعد عن
ونظرا لأننا لم نقابل هذا التعبير في بداية الفترة المكية، فقد بحثنا هذه الفترة ككل، من غير تمييز بين ما كان قبل أو بعد نزول الوحي. ولما كنا بصدد البحث عن مصدر بشري للقرآن، فقد تعيّن علينا فيما تقدم -وينبغي علينا هنا- أن نبعد عن
مجال البحث ظاهرة الوحي، فإذا أبعدنا هذه الظاهرة -نستطيع أن نقرر- أنه طوال نصف مدة الرسالة المحمدية، أي خلال مدة إقامته بمكة، بقيت جميع الظروف البيئية بدون تغيير بينما مالت احتمالات حصوله على تعليم خارجي إلى الضعف ومنذ أن أعلن محمد عليه السلام دعوته، دخل التاريخ من أوسع أبوابه، ثم
بدأت تعد عليه خطواته تدريجيا وتحسب عليه اتصالاته، ثم باطراد زيادة المعارضة والاضطهاد، زاد استقلاله وإيمانه، وارتفع شأن دعوته.
وعليه فنظرا لضعف احتمال وجود أي مصدر يصلح استخدامه في الفترة المكية، بل انعدام هذا المصدر، فإن الإتجاه الآن يزداد أكثر فأكثر نحو استبعاد الفرض القائل
وعليه فنظرا لضعف احتمال وجود أي مصدر يصلح استخدامه في الفترة المكية، بل انعدام هذا المصدر، فإن الإتجاه الآن يزداد أكثر فأكثر نحو استبعاد الفرض القائل
بتلقي محمد صلّى الله عليه وسلم لتعليم بشرى فيما قبل الهجرة.
تغيير الموطن:
ولكن تغييرا عظيما قد طرأ في الواقع مع الهجرة على وجه التحديد. فمن بيئة وثنية جاهلة عنيدة، انتقل الرسول صلّى الله عليه وسلم إلى جو مرحب ودود، يحوطه فيه أتباعه الأقوياء المخلصون. وهو منذ ذلك الحين على اتصال
تغيير الموطن:
ولكن تغييرا عظيما قد طرأ في الواقع مع الهجرة على وجه التحديد. فمن بيئة وثنية جاهلة عنيدة، انتقل الرسول صلّى الله عليه وسلم إلى جو مرحب ودود، يحوطه فيه أتباعه الأقوياء المخلصون. وهو منذ ذلك الحين على اتصال
بطائفة منظمة دينيا، ولها كتابها المقدس ألا وهم يهود المدينة فهلا نجد في هذا العهد الجديد، وهذا الوسط الجديد، فرصة سانحة لعقد بحوث تاريخية، وإجراء تقريب بين المبادئ المتجاورة؟
لنستعرض أولا الموقف عموما بالنسبة لروح القرآن من اليهود، ويمكننا أن نرجع إلى الفترة السابقة على الهجرة،
لنستعرض أولا الموقف عموما بالنسبة لروح القرآن من اليهود، ويمكننا أن نرجع إلى الفترة السابقة على الهجرة،
لكي نرى ما إذا كان القرآن يعتبر المجتمع الجديد مثلا صادقا للفضيلة المنزلة من عند الله، وبالتالي جديرا بالإتباع والتأسي.
أخلاق اليهود في نظر القرآن:
من الغريب أن نلاحظ هذا التعارض الصارخ بين موقف القرآن الدائم من المجتمع اليهودي،وموقفه من المجتمع المسيحي،فعندما يتكلم عن المسيحيين
أخلاق اليهود في نظر القرآن:
من الغريب أن نلاحظ هذا التعارض الصارخ بين موقف القرآن الدائم من المجتمع اليهودي،وموقفه من المجتمع المسيحي،فعندما يتكلم عن المسيحيين
بصفة خاصة، نجده إذا لم يثني عليهم فعلى الأقل يوجه إليهم بعض اللوم في لهجة مخففة نسبيا ولكن الأمر ليس كذلك عندما يتحدث إلى اليهود في ذلك العصر، أو إلى أهل الكتاب عموما، فهم - في نظر القرآن - أناس لا يتبعون ما أنزل إليهم، وإنما يتبعون إلهام الشياطين وعندما ألمح إلى ما أوقعه يهود
اليمن في الماضي من تعذيب المسيحيين بنار الأخدود، انضم القرآن إلى صف المسيحيين واعتبر هذه الجريمة تآمرا مع سبق الإصرار على الإيمان الحق.
وعندما انتقل القرآن إلى المدينة بعد ذلك احتفظ بموقفه وعدّد إدانتهم. فالذين تلقوا التوراة وحفظوا نصوصها لا يراعونها بإخلاص، وهم يتعاملون بالربا،
وعندما انتقل القرآن إلى المدينة بعد ذلك احتفظ بموقفه وعدّد إدانتهم. فالذين تلقوا التوراة وحفظوا نصوصها لا يراعونها بإخلاص، وهم يتعاملون بالربا،
ويلجأون إلى حيل مختلفة لأكل أموال الناس بالباطل. واعتمادا على بعض الأماني والأوهام، يستبيحون الرشوة والكذب ويعتقدون أنه ليس عليهم حساب بشأن الطوائف الأخرى، ولا التزام بالعدل في معاملاتهم معهم.
المعارضة الشعبية لنظامين مدنيين:
أليس من الغريب أن نفترض أن هذا الشعب الذي يقف القرآن
المعارضة الشعبية لنظامين مدنيين:
أليس من الغريب أن نفترض أن هذا الشعب الذي يقف القرآن
منه هذا الموقف، ويحكم عليه هذا الحكم الصارم، يمكن أن يكون نموذجا يحتذي به محمد ومصدرا لتعاليمه؟ مهما بلغ من تعارض هذا الافتراض مع المنطق. فإن ذلك لا يمنع من بحثه ودراسته فقد تكذب الوقائع أي حكم جزافي مسبق. ولهذا علينا أن نتقبل بالترحيب أي بحث جدّي يكون غرضه كشف أي جانب مجهول من
الحقيقة. وإن شك ديكارت المنهجي في نظرنا مبدأ صالح ولا غنى عنه سواء في مجال الإيمان أو في مجال العلم؛ فماذا يفيد بناء الإيمان على رمال متحركة؟ فالأخطاء والأحكام المتحيزة، أمام الضمير المخلص، هما العدو الأول الجدير بالمطاردة حتى عند بحث الحقائق التي تبدو كما لو كانت البراهين قد
أجمعت على صحتها.
فعندما نرى القمر يغيّر منازله بحسب موقعه من الشمس، نحكم عن معرفة، بأنه يتلقى نوره من الشمس.ألا يتعين علينا أن نحكم نفس الحكم عندما نرى أن ما نزل على محمد يتطور ويتعدل ويتراجع بحسب اتصاله مع المجتمع المدني المزود بالعلم؟ هذا هو ما حاول بعض الكتاب الأوروبيين إثباته
فعندما نرى القمر يغيّر منازله بحسب موقعه من الشمس، نحكم عن معرفة، بأنه يتلقى نوره من الشمس.ألا يتعين علينا أن نحكم نفس الحكم عندما نرى أن ما نزل على محمد يتطور ويتعدل ويتراجع بحسب اتصاله مع المجتمع المدني المزود بالعلم؟ هذا هو ما حاول بعض الكتاب الأوروبيين إثباته
ومن غير أن نبعد كثيرا، فقد تأثر أغلبهم بمظهرين عامين وجدوهما متعارضين مع ربانية الرسالة. وتتركز أكبر حججهم في موقف الرسول المعادي الذي اتخذه في المدينة، والذي اعتبروه تغييرا مفاجئا بالنسبة لموقفه في مكة.وعند ما نضيف إلى ذلك تعدد زوجات الرسول في أواخر أيام حياته، يكون ذلك في نظرهم
بمثابة هدم نظام الأخلاق الإسلامي في مرحلته الأخيرة.
ج/ نستطيع أن نكشف بسهولة تحت هذا الأسلوب التصويري لكّتاب مسيحيين، أساسا للاستدلال، لا يمكنهم أخذه مأخذ الجد دون أن يهدموا جزءا من إيمانهم بتعاليم التوراة قبل مجيء المسيح، وهي تلك التي يمكن أن تثير بشأنها حجتهم المزدوجة. وحينئذ
ج/ نستطيع أن نكشف بسهولة تحت هذا الأسلوب التصويري لكّتاب مسيحيين، أساسا للاستدلال، لا يمكنهم أخذه مأخذ الجد دون أن يهدموا جزءا من إيمانهم بتعاليم التوراة قبل مجيء المسيح، وهي تلك التي يمكن أن تثير بشأنها حجتهم المزدوجة. وحينئذ
لا مناص من القول بأنهم كانوا مدفوعين بشعورهم، أكثر من اعتمادهم على التدليل المنطقي الصارم.
وعلى كل حال لقد أثبتنا فيما تقدم -بما يغنينا عن التكرار- موقف القانون القرآني الحقيقي إزاء النقطة الأولى.
أما النقطة الثانية فإنها تكاد تمس من بعيد موضوع دراستنا، وهو القرآن لا شخصية الرسول
وعلى كل حال لقد أثبتنا فيما تقدم -بما يغنينا عن التكرار- موقف القانون القرآني الحقيقي إزاء النقطة الأولى.
أما النقطة الثانية فإنها تكاد تمس من بعيد موضوع دراستنا، وهو القرآن لا شخصية الرسول
وبما أن القرآن لا يتوانى في إلقاء الضوء على حياة رسوله الخاصة، فسوف نرى كيف تبدو حياته من خلاله:
تبدو شخصية الرسول صلّى الله عليه وسلم في القرآن محددة بخطوط ثلاثة: الشعور والإرادة والإيمان. فهو بطبيعته بشر كما كان حال من سبقه من المرسلين، وهو يأكل الطعام ويسعى في كسب رزقه، وله
تبدو شخصية الرسول صلّى الله عليه وسلم في القرآن محددة بخطوط ثلاثة: الشعور والإرادة والإيمان. فهو بطبيعته بشر كما كان حال من سبقه من المرسلين، وهو يأكل الطعام ويسعى في كسب رزقه، وله
مثل -بعض الرسل عليهم السلام- زوجات وذرية،فضلا عن أنه يقدر الجمال الإنساني،ولما كان هناك اتفاق على تحديد الحاسة الخلقية بأنها ليست في انعدام الشعور بل في السيطرة على الأهواء الذاتية، وجب أن نأخذ في اعتبارنا العامل الثاني وهو: الإرادة.وهنا نراه عليه السلام يتمتع بقدرة على الامتناع،
بلغت من قوتها أنه يستطيع أن يحرم على نفسه المباح من الطعام لمجرد عدم إثارة سوء تفاهم. ولقد قالت عنه عائشة إنه لم يوجد مثله في التحكم في حواسه، ثم يأتي أخيرا موضوع خضوعه المطلق لتعاليم الله تبارك وتعالى التي تعلو على نظرته وميوله. ونذكر بهذه المناسبة القاعدة القرآنية التي تحدد له
فئات النساء اللاتي يستطيع أن يتزوج منهن، والقاعدة الأخرى التي جاءت في وقت آخر لتحرم عليه صراحة عقد أي زواج جديد مهما كانت قوة رغبته فيه، ولا أن يتبدل بزوجاته زوجات أخر. ولقد بلغت هذه السلسلة من القواعد ذروتها في حالة مطلّقة زيد (ابنه بالتبني) وهي الزيجة الوحيدة المنصوص عنها في
القرآن فنراه يحاول بكل جهده أن يمنع إتمام هذا الزواج. ولكن قانون القرآن يفرضه عليه فرضا ليضع حدا (ليس فقط بالنص كما كان الرسول صلّى الله عليه وسلم يرجو، وإنما بالتطبيق العملي أيضا) لنظام تبني الأطفال في الوثنية الذي كان يقضي بالتماثل بين الابن المتبني والابن الشرعي. وهو ما يمكن
تسميته حرفيا: الزواج بدافع الواجب رغم أي شعور معارض.
وإذا بحثنا الظروف التي عقدت فيها زيجاته الأخرى، نجد أن أغلبها فرضت عليه -ليس بدافع من ضرورة تشريعية مشابهة- وإنما لاعتبارات إنسانية سامية مثل :
مواساة وتشريف زوجة شهيد
أو مهاجر مات بين أصحابه في هجرته
أو توثيق بعض الروابط
وإذا بحثنا الظروف التي عقدت فيها زيجاته الأخرى، نجد أن أغلبها فرضت عليه -ليس بدافع من ضرورة تشريعية مشابهة- وإنما لاعتبارات إنسانية سامية مثل :
مواساة وتشريف زوجة شهيد
أو مهاجر مات بين أصحابه في هجرته
أو توثيق بعض الروابط
القبلية بين القبائل التي تعاهد معها
أو إيجاد جو مناسب لعتق أسرى قبيلة بأكملها (وقد كانوا بالفعل في أيدي المسلمين، وأعتقهم المسلمون في الحال نظرا لقرابتهم الجديدة برسول الله صلّى الله عليه وسلم) ... الخ
ولكن هل يجب أن يكون الإنسان مؤرخا لكي يستطيع أن يحكم على الطابع الأخلاقي لرجل
أو إيجاد جو مناسب لعتق أسرى قبيلة بأكملها (وقد كانوا بالفعل في أيدي المسلمين، وأعتقهم المسلمون في الحال نظرا لقرابتهم الجديدة برسول الله صلّى الله عليه وسلم) ... الخ
ولكن هل يجب أن يكون الإنسان مؤرخا لكي يستطيع أن يحكم على الطابع الأخلاقي لرجل
عاش شبابه في العفاف المطلق، وبعد زواجه عاش مع زوجته الوحيدة بإخلاص ما يقرب من ثلاثين عاما، وأنه لم يشرع في زواجه الثاني إلا وقد بلغ الخامسة والخمسين؟ وإذا أخذنا في اعتبارنا مشاغله وانشغالاته وأعباءه وهمومه المختلفة العامة منها والخاصة: مثل إقامة الصلوات الخمس منذ الفجر حتى العشاء
وتعليم القرآن، وتوزيع الصدقات العامة، والفصل في المنازعات، ومقابلة الوفود، ومراسلة الملوك والحكام، وقيادة المعارك العسكرية وسن التشريع، وتأسيس الدولة ... الخ. وباختصار العناية بكل شيء، وبكل الناس. ثم بعد ذلك قيام الليل راكعا أو ساجدا أو قائما، متوجها إلى السماء …
كل هذا يدعونا
كل هذا يدعونا
إلى الاعتقاد بأن الباعث الحقيقي على الزواج هو شيء آخر بعيد كل البعد عن إرضاء الغريزة البهيمية.
-
#برنامج_واحات
موقف الإسلام من الأديان السابقة:
هل طرأ على موقف الإسلام من الأديان السابقة تطور في موطنه الجديد؟
-
#برنامج_واحات
موقف الإسلام من الأديان السابقة:
هل طرأ على موقف الإسلام من الأديان السابقة تطور في موطنه الجديد؟
وهنا أيضا نرجع إلى النص القرآني الذي يوضح لنا أن السور المكية وهي تطالب بشهادة أهل الكتاب للإدلاء بعلمهم عن الكتب المقدسة،فإنها تدين في نفس الوقت الكتابيين الذين اتبعوا الشيطان وتحالفوا معه. وفي مقابل هذا احتفظ القرآن في المدينة بموقفه من العلماء الذي يستشهد بهم وهو يؤكد أن عددا
منهم لا يرغب في أداء الشهادة. وهكذا يفرق القرآن في الحالتين بين الكتب المقدسة ذاتها، والعلماء الذين يتبعونها بإخلاص، وبين هؤلاء الذين يسمون أنفسهم يهود أو نصارى، وهم يتبعون أهواءهم.
-
عدد صلوات المسلمين:
أما عدد صلوات المسلمين فنقرر أنه لا يوجد في جميع المراجع والمؤلفات الإسلامية
-
عدد صلوات المسلمين:
أما عدد صلوات المسلمين فنقرر أنه لا يوجد في جميع المراجع والمؤلفات الإسلامية
التي أطلعنا عليها أية إشارة إلى مثل هذا التطور، ومن المؤسف حقا أن النقاد الغربيين لا يدلوننا على الوثائق التي إستقوا منها هذه الفكرة الغريبة. فطبقا لجميع الحقائق التي في متناول أيدينا فإن عدد هذه الصلوات خمس منذ أول لحظة شرعت فيها الصلاة بمكة .. هكذا حددها الرسول وأوضح تفاصيلها
بكل دقة، ويشير القرآن إلى ذلك بايجاز في عدة مواضع. ومن المحتمل أن يكون قد تسرب هذا الفهم الخاطئ إلى ذهن الكتاب الغربيين بسبب سوء تفسير عبارة «الدلوك» الواردة بسورة الاسراء.
@WBookreaders
@WBookreaders
سن عاشوراء وتحويل القبلة:
ولم يرد بالقرآن ذكر يوم عاشوراء، لكن علماء الحديث يقررون أن قريشا كانت تحرص قبل الإسلام على الصوم في هذا اليوم، وأن الرسول ذاته كان يصومه قبل الهجرة. ونعرف أيضا أن الأحاديث توصي بالصوم في ذلك اليوم. أما القول بأن الرسول صلّى الله عليه وسلم اتخذ قراره في
ولم يرد بالقرآن ذكر يوم عاشوراء، لكن علماء الحديث يقررون أن قريشا كانت تحرص قبل الإسلام على الصوم في هذا اليوم، وأن الرسول ذاته كان يصومه قبل الهجرة. ونعرف أيضا أن الأحاديث توصي بالصوم في ذلك اليوم. أما القول بأن الرسول صلّى الله عليه وسلم اتخذ قراره في
البداية لمحاكاة اليهود وأنه رجع فيه بعد ذلك بسبب تغير الموقف السياسي، فإنه قول لا يتفق مع الوقائع المقررة.
أما بشأن القبلة، فقد كان المؤمنون بالفعل يولّون وجوههم في الصلاة إلى بيت المقدس في فترة معينة قبل الهجرة. ولكن الادعاء بأن تغيير القبلة نحو الكعبة (وهو تغيير له ما يبرره في
أما بشأن القبلة، فقد كان المؤمنون بالفعل يولّون وجوههم في الصلاة إلى بيت المقدس في فترة معينة قبل الهجرة. ولكن الادعاء بأن تغيير القبلة نحو الكعبة (وهو تغيير له ما يبرره في
القرآن كان نتيجة معاداة اليهود للإسلام، فهو ادعاء يتضمن تداخلا في التواريخ. فقد بدأت عداوة اليهود في عام ٦٢٥ الميلادي بينما كان تحويل القبلة في عام ٦٢٣ م.
-
مصطلح النسخ في القرآن:
ويوجد في أساس هذا الاعتراض الأخير وفي منشأ كثير غيره، خطأ نود أن ننوه عنه بكلمة وهو يتصل بالفكرة
-
مصطلح النسخ في القرآن:
ويوجد في أساس هذا الاعتراض الأخير وفي منشأ كثير غيره، خطأ نود أن ننوه عنه بكلمة وهو يتصل بالفكرة
الشائعة عن مصطلح «النسخ» أو «الإلغاء» في الإسلام. فالباحثون في الإسلام من غير المسلمين يفهمونها إما بمعنى الرجوع في أمر صادر،وإما بمعنى اكتشاف حقيقة كانت مجهولة فيما مضى.وكل من المعنيين لا يتفق مع مدلول اللفظ الصحيح. ففي مجال المعرفة النظرية لم ولن يوجد ناسخ أو منسوخ في التعاليم
المنزلة. ومعنى النسخ هنا «الحصول على علم جديد» فإذا طبقنا ذلك على علم الله سبحانه وتعالى، يكون ذلك عين الكفر واللامعقول، وعلى العكس في المجال العملي. فقد وجد النسخ بالفعل سواء في تعاليم الدين الواحد، أو في التعاليم من دين إلى دين آخر «لقد قالوا لكم كذا وأنا أقول لكم شيئا آخر».
ولكن ما المقصود بمثل هذا التغيير؟ هل ينسخ القانون لأن التجارب أثبتت أنه كان مجافيا للعدل، أو كان مصاغا صياغة خاطئة منذ البداية؟
إذا كان هذا مقبولا في أمورنا البشرية فلا جدال في أنه غير مقبول على الإطلاق في أمر التشريع الإلهي المنزل لأن الله لا يرجع في قراره ولا يراجع نفسه أبدا.
إذا كان هذا مقبولا في أمورنا البشرية فلا جدال في أنه غير مقبول على الإطلاق في أمر التشريع الإلهي المنزل لأن الله لا يرجع في قراره ولا يراجع نفسه أبدا.
فكل من القاعدة التي يبطل تطبيقها، والقاعدة التي يستحدثها.، تتصف بالقداسة، وكل منهما، إذا وضعت في زمنها، تمثل الحكمة الوحيدة التي تفرض نفسها.
فسواء أكان الأمر يتعلق بالتقدم أو بالارتداد، باللين أو بالشدة، فلا يمكن التغيير في فكر المشرع، وإنما في الأحداث التاريخية ومتطلباتها للحلول
فسواء أكان الأمر يتعلق بالتقدم أو بالارتداد، باللين أو بالشدة، فلا يمكن التغيير في فكر المشرع، وإنما في الأحداث التاريخية ومتطلباتها للحلول
المتنوعة. وأحيانا ينص صراحة في صيغة القانون الأول بأنه مؤقت والغالب يكون ذلك مستترا ولا نعلمه إلا من القانون التالي له، الذي قد يوحي بأنه حل ارتجالي، بينما في الحقيقة كل شيء كان متوقعا ومرتبا بتسلسل بحسب التواريخ المحددة. فمن المتفق عليه أن المشرع الناجح لا يعامل الناس في مرحلة
الانتقال بنفس الطريقة التي يعاملهم بها بعد أن وصل نضجهم إلى مرحلته الأخيرة.بل على العكس يجب عليه كالطبيب الماهر، أن يغير من نظمهم حسب تقدم كفاءتهم وقدرتهم على الفهم والإدراك.فهذا المسلك التدريجي في التعليم والتشريع ليس عيبا، وإنما هو أنجح المناهج في تكوين النفوس الواعية المستنيرة
المشبعة بالحكمة، والأمم المنظمة، والخلق المتين.
كان الغرض من الملاحظات التي ابداها الكتّاب الغربيون والتي فندناها في هذا الفصل هو أن يثبتوا - بناء على نقد من داخل التعاليم القرآنية - وجود بعض الاقتباسات من الوثائق الدينية «بالمدينة». فلو أنهم نجحوا في مسعاهم لكان ذلك بمثابة طريقة
كان الغرض من الملاحظات التي ابداها الكتّاب الغربيون والتي فندناها في هذا الفصل هو أن يثبتوا - بناء على نقد من داخل التعاليم القرآنية - وجود بعض الاقتباسات من الوثائق الدينية «بالمدينة». فلو أنهم نجحوا في مسعاهم لكان ذلك بمثابة طريقة
غير مباشرة لإثبات وجود علاقة بين الرسول صلّى الله عليه وسلم وبين أهل الكتاب تلقّى عن طريقها العلم عنهم. فلماذا إذن لم يتجهوا مباشرة ليضعوا أيدينا على شخص أو الأشخاص الذين تلقى محمد صلّى الله عليه وسلم منهم العلم؟ لم يجسر أي مؤرّخ يقدر مسئوليته العلمية أن يفعل ذلك. ولكن كيف يمكن
تصور أن محمدا صلّى الله عليه وسلم وهو يعيش وسط حكماء اليهود لم يحاول قط أن يتصل بهم؟ ومن جهة أخرى ماذا كان موقفهم منه؟
إن القرآن يرشدنا في هذا الشأن ويقسمهم إلى فئتين: الغالبية العظمى وكانت تعادي الإسلام حتى من قبل أن يدوس الرسول صلّى الله عليه وسلم أرض بلادهم - فقد كانت تخفي
إن القرآن يرشدنا في هذا الشأن ويقسمهم إلى فئتين: الغالبية العظمى وكانت تعادي الإسلام حتى من قبل أن يدوس الرسول صلّى الله عليه وسلم أرض بلادهم - فقد كانت تخفي
علمها عنه،وفي مناسبات عديدة،حاولت بلا جدوى خداعه وبث المكائد في طريقه. وكانوا أحيانا يلقون عليه عن طريق إخوانهم بأسئلة محرجة عن الروح، وعن بعض الألغاز التاريخية، وأحيانا أخرى يطالبونه بأن ينزل عليهم من السماء كتابا مدونا، وأحيانا ينكرون نصوصا أكد الرسول صلّى الله عليه وسلم وجودها
في كتبهم، ولا يعترفون بها إلا بعد تحديهم وإثبات غشهم. وهكذا نرى أن هؤلاء كانوا بعيدين كل البعد عن موقف الملقن المتصف بالترحيب.
وبالعكس كان هناك فريق من علماء بني إسرائيل الذين ضاقوا ذرعا بادعاءات اليهود العنصرية وبغرورهم الذاتي، فحضروا إلى الرسول صلّى الله عليه وسلم ليستمعوا إلى
وبالعكس كان هناك فريق من علماء بني إسرائيل الذين ضاقوا ذرعا بادعاءات اليهود العنصرية وبغرورهم الذاتي، فحضروا إلى الرسول صلّى الله عليه وسلم ليستمعوا إلى
تعاليمه وليتفحصوا وجهه. وعندما تعرفوا عليه في الحال -بناء على بعض العلامات الموجودة في كتبهم- شهدوا له بصدق رسالته. وأشهر شخصية في هذا الفريق هو عبد الله بن سلام، والظروف التي أعلن فيها إسلامه لها دلالة عظيمة. فقد كان اليهود يعتبرون هذا الرجل، أوسعهم علما، وأحسنهم خلقا.
وذلك قبل
وذلك قبل
إعلان إسلامه مباشرة، فلما أعلن إسلامه أنكروا عليه كل ذلك بعد اتخاذه قراره مباشرة وفي نفس الجلسة.
وبين هاتين الفئتين المعادية والخاضعة، لم يترك التاريخ مكانا «لأصدقاء معلمين» للرسول صلى الله عليه وسلم.
إذن مهما بذل المغرضون من محاولات لتجميع نقط التشابه بين الحقائق القرآنية
وبين هاتين الفئتين المعادية والخاضعة، لم يترك التاريخ مكانا «لأصدقاء معلمين» للرسول صلى الله عليه وسلم.
إذن مهما بذل المغرضون من محاولات لتجميع نقط التشابه بين الحقائق القرآنية
والحقائق اليهودية والمسيحية، سنقول: جهد ضائع بل إن ذلك سيكون معناه بالحرف الواحد اصطناع أسلحة تفيد منها المبادئ القرآنية. إذ أن هذه التعاليم موجودة في الكتب المنزلة السابقة ﴿وإنه لفي زُبُرِ الأَوَّلينَ﴾
﴿إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى * صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى﴾ كما أن
﴿إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى * صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى﴾ كما أن
شهادة علماء بني إسرائيل دليل كاف على صدقها ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾
اتفاق وليس اقتباس:
ولكن الاتفاق شيء، والاقتباس شيء آخر، وبينهما فراغ شاسع لم يحظ - حتى الوقت الحاضر على الأقل - بأن يجد من يملأه.
خاتمة
نتيجة البحث السلبية
اتفاق وليس اقتباس:
ولكن الاتفاق شيء، والاقتباس شيء آخر، وبينهما فراغ شاسع لم يحظ - حتى الوقت الحاضر على الأقل - بأن يجد من يملأه.
خاتمة
نتيجة البحث السلبية
عن مصادر طبيعية:
لقد بحثنا -مسترشدين بالوقائع التاريخية- افتراض وجود مصدر بشرى لتعاليم القرآن. فتتبعنا مؤسس الإسلام في مراحل حياته المزدوجة:الحياة العادية وحياة الرسالة،في مسقط رأسه أو في موطنه الأخير،في رحلاته وفي اتصالاته،وتعرضنا لقدرته على القراءة ولمدى توفر الوثائق تحت يده.
لقد بحثنا -مسترشدين بالوقائع التاريخية- افتراض وجود مصدر بشرى لتعاليم القرآن. فتتبعنا مؤسس الإسلام في مراحل حياته المزدوجة:الحياة العادية وحياة الرسالة،في مسقط رأسه أو في موطنه الأخير،في رحلاته وفي اتصالاته،وتعرضنا لقدرته على القراءة ولمدى توفر الوثائق تحت يده.
فجميع سبل البحث التي وقعت تحت أيدينا وناقشناها ثبت ضعفها وعدم قدرتها على تقديم أي احتمال لطريق طبيعي أتاح له فرصة الاتصال بالحقائق المقدسة. ورغم الجهد الذهني الذي نبذله لتضخيم معلوماته السمعية ومعارف بيئته، فإنه يتعذر علينا اعتبارها تفسيرا كافيا لهذا البناء الشامخ من العلوم
الواسعة والمفصلة التي يقدمها لنا القرآن الكريم في مجال الدين والتاريخ والأخلاق والقانون والكون ... الخ.
-
الوحي نقطة تحول في علم الرسول صلّى الله عليه وسلم لا في خلقه:
وفي مواجهة ذلك يطلعنا القرآن الكريم على تحول ضخم في حياة الرسول صلّى الله عليه وسلم بنزول الوحي عليه. إذ تحول من
-
الوحي نقطة تحول في علم الرسول صلّى الله عليه وسلم لا في خلقه:
وفي مواجهة ذلك يطلعنا القرآن الكريم على تحول ضخم في حياة الرسول صلّى الله عليه وسلم بنزول الوحي عليه. إذ تحول من
رجل عادي إلى رسول ونبي. إنهما حياتان مختلفتان تمام الاختلاف. فكل ما يمكننا معرفته عن حياته قبل البعثة ينحصر في خط أساسي، وهو أنه كان على درجة ممتازة من الأخلاق. فلقد عرف في شبابه بين مواطنيه باسم «الأمين» كما يحدثنا مؤرخوه.
#برنامج_واحات
#برنامج_واحات
شهادة خصومه عن صدقه وإخلاصه:
وفي مشاغله اليومية لم يرتكب عملا يشينه، ولم يشترك في عبادة الأوثان، وطبقا لما يقول أعداؤه، فإنه لم يكذب أبدا، والشهادة النموذجية العلنية في هذا الموضوع، قدمها أبو سفيان زعيم المعسكر المناوئ للإسلام، والذي لم يعتنق الإسلام إلا بعد عامين من هذه الشهادة
وفي مشاغله اليومية لم يرتكب عملا يشينه، ولم يشترك في عبادة الأوثان، وطبقا لما يقول أعداؤه، فإنه لم يكذب أبدا، والشهادة النموذجية العلنية في هذا الموضوع، قدمها أبو سفيان زعيم المعسكر المناوئ للإسلام، والذي لم يعتنق الإسلام إلا بعد عامين من هذه الشهادة
التي استخلص منها الإمبراطور هرقل أنه «لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله»
وفيما عدا هذه الحقائق وأمثالها. لا يوجد من الناحية العملية أي ضوء يمكن أن يكشف لنا أنه كان يتوفر عنده في ذلك الوقت بعض المعارف المذهبية أو الاستعداد لمهمة النبوة
وفيما عدا هذه الحقائق وأمثالها. لا يوجد من الناحية العملية أي ضوء يمكن أن يكشف لنا أنه كان يتوفر عنده في ذلك الوقت بعض المعارف المذهبية أو الاستعداد لمهمة النبوة
لأنه لم يكن يدري ﴿مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ﴾ ولم يكن حظه أكثر من حظ قومه من حيث معرفة القصص الديني.
ولم يكن يتوقع هو أيضا أن يكلّف بدور المرسل من عند الله. كما لم يكن يعرف كيف يرشد نفسه إلى الطريق القويم.
فهل حاول أن يسأل الطبيعة أو يسأل نفسه؟ من المحتمل ذلك ولكن الرد الذي
ولم يكن يتوقع هو أيضا أن يكلّف بدور المرسل من عند الله. كما لم يكن يعرف كيف يرشد نفسه إلى الطريق القويم.
فهل حاول أن يسأل الطبيعة أو يسأل نفسه؟ من المحتمل ذلك ولكن الرد الذي
يمكن أن يتلقاه لم يكن يتعدى الحقائق المبهمة والدارجة لما جرى العرف على تسميته «بالديانة الطبيعية». أما العلم الصحيح والحقائق المفصلة في كل مجال فلم تكن لتصله إلا قطرة بعد قطرة على مدى ثلاثة وعشرين سنة.
خصائص الوحي المتقطعة:
والواقع أن الناس جميعا يعرفون أن نزول القرآن كان منجما
خصائص الوحي المتقطعة:
والواقع أن الناس جميعا يعرفون أن نزول القرآن كان منجما
ومجزءا. وفي مقدورنا أن نحدد لكل دفعة من الآيات تاريخا تقريبيا لنزولها، بل إن معاصري الرسول صلّى الله عليه وسلم كثيرا ما حضروا كشهود عيان، وشاهدوا بأنفسهم الأعراض الخارجية لظاهرة الوحي. التي كانت بالنسبة للرسول صلّى الله عليه وسلم تجربة عاشها، ولم يصطنعها. إنها حادث يتلقاه بكل
سلبية، وليس في قدرته الهروب منه عند مجيئه. ولا في استطاعته أن يتهيأ له إذا احتاج إليه تعديل. وعند تفسيره كان موقفه كموقف أي مفسر أمام نص ليس له.
وكان يرتعد لفكرة أن ينسب إلى الله قولا لم يقله، مهما كان هذا القول بسيطا ... كما كان يشعر بحرس من السماء وبمراقبين يقظين يحيطون به
وكان يرتعد لفكرة أن ينسب إلى الله قولا لم يقله، مهما كان هذا القول بسيطا ... كما كان يشعر بحرس من السماء وبمراقبين يقظين يحيطون به
ويراقبونه فيما يقوم به تجاه رسالته.
وليس صحيحا أن القرآن يعكس شخصية الرسول صلّى الله عليه وسلم. ففي أكثر الأوقات لا يذكر شيئا عنه، ويتجرد تماما من الإشارة إليه. وعندما يورد شيئا عنه فلكي يحكم عليه أو يضبط سلوكه أو يسيطر عليه. وفيما يتعلق بأفراحه وأحزانه، نعلم كم كان حزنه لوفاة
وليس صحيحا أن القرآن يعكس شخصية الرسول صلّى الله عليه وسلم. ففي أكثر الأوقات لا يذكر شيئا عنه، ويتجرد تماما من الإشارة إليه. وعندما يورد شيئا عنه فلكي يحكم عليه أو يضبط سلوكه أو يسيطر عليه. وفيما يتعلق بأفراحه وأحزانه، نعلم كم كان حزنه لوفاة
أبنائه وأصدقائه حتى اطلق اسم«عام الحداد»على العام الذي فقد فيه زوجته وعمه، وفقد معهما العون المعنوي الذي كان يسانده أمام الصعوبات التي كانت تقابله في سبيل نشر دعوته. فهل نجد في القرآن أقل صدى لكل هذا؟ ولكن بمجرد أن يتعلق الموضوع بسلوك أخلاقي،نرى التعارض جليا بين السلطة التشريعية
والنفس الخاضعة المستسلمة.كما يتعارض التشدد مع التساهل؛والصراحة القصوى مع الحياء؛والحلم وطول الأناة مع نفاذ الصبر
وليس من النادر أن يتضمن الدرس اللوم الشديد لأقل مخالفة منه للمثل الأعلى المنشود القرآن لا يعكس شخصية الرسول
وطالما أنه ليس لديه أمرا أو تعاليم صريحة من الوحي في أمر ما
وليس من النادر أن يتضمن الدرس اللوم الشديد لأقل مخالفة منه للمثل الأعلى المنشود القرآن لا يعكس شخصية الرسول
وطالما أنه ليس لديه أمرا أو تعاليم صريحة من الوحي في أمر ما
نرى محمدا ذا طبيعة خجولة حيية ووديعة حساسا لما قد يقال عنه، لا يقطع دون أصحابه برأي يمتنع عن اتخاذ أية خطوة عند أقل شك،معترفا بعدم علمه بمصيره الشخصي ومصير غيره.
ولكن بمجرد أن يتلقي علمه من الوحي نراه يبلغ رسالته في ثقة وقوة، لا تستطيع أية قوة في الأرض أن تضلله. ويقف موقف المعلم
ولكن بمجرد أن يتلقي علمه من الوحي نراه يبلغ رسالته في ثقة وقوة، لا تستطيع أية قوة في الأرض أن تضلله. ويقف موقف المعلم
والمرّبي لجميع الناس المتعلمين منهم وذوي الجهالة. ومنذ قبل الهجرة يعلن أن من جوهر رسالته أن يهدي شعب بني إسرائيل، وبوجه عام جميع الأمم التي تلقت دينا سماويا. وهو مكلف بأن يبلغهم الحقيقة في منازعاتهم وخلافاتهم، وعندما يصدر حكمه لا يجامل فيه هؤلاء ولا أولئك إنه يسير في خطوات ثابتة
وراسخة، فيفصل في الأمور ويعلن الحقيقة.
وفي هذا الموقف المنطلق المتسم بالحزم، لا نرى أي أثر لذلك الشعور بالقلة الذي يتصف به الشخص حين يجمع شتات علمه ذات اليمين وذات الشمال، ولا نشعر ببرود الذكاء المدبر الذي يمكنه أن يرفض اليوم ما سبق أن أعلنه بالأمس، أو يهدم في الغد ما يبنيه اليوم
وفي هذا الموقف المنطلق المتسم بالحزم، لا نرى أي أثر لذلك الشعور بالقلة الذي يتصف به الشخص حين يجمع شتات علمه ذات اليمين وذات الشمال، ولا نشعر ببرود الذكاء المدبر الذي يمكنه أن يرفض اليوم ما سبق أن أعلنه بالأمس، أو يهدم في الغد ما يبنيه اليوم
فوراء هذه الدفعة الصلبة نكتشف بسهولة قوة عظيمة ليست قوة هذا الإنسان. ولهذا نراه أمام قوى العالم، وفي المواقف الحرجة من حياته، يتمتع بروح لا تضطرب، وبإيمان لا يتزعزع في معية الله وعونه. ولهذا نراه أيضا يعرض نفسه وأهله عن طيب خاطر لأخطار المباهلة، بينما يتراجع المترددون المتشككون.
اعتراف العلماء المسيحيين عن الإخلاص الشخصي للنبي صلّى الله عليه وسلم:
وأمام هذه الأدلة الكثيرة القاطعة اتفق في الوقت الحاضر كثير من الكتاب المسيحيين الذين يبحثون عن الحقيقة في نزاهة على أن النبي العربي صلّى الله عليه وسلم يتمتع بإخلاص وصدق نفسي يؤهلانه لأن يكون ذا قوة بالغة في
وأمام هذه الأدلة الكثيرة القاطعة اتفق في الوقت الحاضر كثير من الكتاب المسيحيين الذين يبحثون عن الحقيقة في نزاهة على أن النبي العربي صلّى الله عليه وسلم يتمتع بإخلاص وصدق نفسي يؤهلانه لأن يكون ذا قوة بالغة في
التأثير والإقناع.
إلا أنه لا يترتب بالضرورة على تقرير هذا الإخلاص النفسي اعتبار الوحي من مصدر رباني. فمن المحتمل أن يكون الموحى إليه ضحية أوهام لا شعورية، عندما تظهر فجأة في ذهنه أفكار وتعبيرات يظن أنها جديدة كل الجدّة، بينما هو في الواقع يجتر المعارف القديمة والقائمة في أعماق
إلا أنه لا يترتب بالضرورة على تقرير هذا الإخلاص النفسي اعتبار الوحي من مصدر رباني. فمن المحتمل أن يكون الموحى إليه ضحية أوهام لا شعورية، عندما تظهر فجأة في ذهنه أفكار وتعبيرات يظن أنها جديدة كل الجدّة، بينما هو في الواقع يجتر المعارف القديمة والقائمة في أعماق
نفسه، واندثرت في طي النسيان.
بل ومن المحتمل أن يعتقد أن متحصلاته العلمية الحديثة أتت إليه من طريق الوحي والإلهام طالما أنها تؤكد في نفسه إيمانه بإلهاماته الشخصية وهو لا يدري عن مصدرها الحقيقي شيئا.
إن هذه الأوهام، وهذا الضعف في الذاكرة، أعراض حالة ذهنية غير سوية، ليست لها صلة
بل ومن المحتمل أن يعتقد أن متحصلاته العلمية الحديثة أتت إليه من طريق الوحي والإلهام طالما أنها تؤكد في نفسه إيمانه بإلهاماته الشخصية وهو لا يدري عن مصدرها الحقيقي شيئا.
إن هذه الأوهام، وهذا الضعف في الذاكرة، أعراض حالة ذهنية غير سوية، ليست لها صلة
على الإطلاق بالحالة التي نحن بصددها لا من حيث الشخص، ولا من حيث الموضوع.
فمن حيث الموضوع: وبقدر ما في إمكان التاريخ أن يضيء لنا الطريق - نرى إما انعدام المصادر الشعبية، وإما شائعات غامضة ومتناقضة، لا تنهض لتفسير استقامة الخط الذي اتبعه القرآن، وتفسير خطواته الحازمة الفاصلة.
فمن حيث الموضوع: وبقدر ما في إمكان التاريخ أن يضيء لنا الطريق - نرى إما انعدام المصادر الشعبية، وإما شائعات غامضة ومتناقضة، لا تنهض لتفسير استقامة الخط الذي اتبعه القرآن، وتفسير خطواته الحازمة الفاصلة.
رتبها @rattibha
جاري تحميل الاقتراحات...