الهوس بالنظافة والرعب من القذارة لدى الغرب ليس أمراً ثابتاً. فمن فترة ليست بالبعيدة تعود إلى عام 1965 كانت نصف النساء البريطانيات فقط يستخدمن مزيل التعرق تحت الإبط، وبالعودة بالتاريخ إلى الوراء أكثر، إلى عام 1940، كان نصف الأمريكين فقط لديهم في بيوتهم ما يمكن تسميته بالحمام
في عام 1951 كانت خمس البيوت الإنجليزية تقريباً بدون حمامات.ولا يعتقدنّ أحدٌ أن هذا مرجعه للفقر الذي أصاب الناس بعد الحرب فالاستحمام بشكله المعروف الذي يتضمن غمر كامل الجسد بالماء والذي كان يُحتفى به في بلاد اليونان وروما في حمامات ضخمة كان ينظر إليه بعين الريبة طوال 400 سنة
فقد كان يُعتقد أن الماء ينقل المرض من خلال الجلد، لهذا يجب إبقاء مسام الجلد مسدودة بالأوساخ. لذلك كانت الطبقة الأرستقراطية الأوروبية في القرن السابع عشر قليلاً ما يستحم أفرادها،وكانوا يرتدون قمصاناً من الكتان ليطيلوا أمد الوسخ على الجلد .
و كانوا يضعون زيوتاً وعطوراً ذات رائحة ثقيلة لحجب الرائحة الكريهة.
لهذا يمكننا القول أن مفهوم النظافة زلق كلوح الصابون. وتطور آراء الناس تجاه النظافة لم يكن نتيجة التطور الحاصل في الطب وعلم الميكروبات، بل إنَّ تطورها عبر التاريخ مرتبط بقصة تطور الأدوات والمفروشات المنزلية
لهذا يمكننا القول أن مفهوم النظافة زلق كلوح الصابون. وتطور آراء الناس تجاه النظافة لم يكن نتيجة التطور الحاصل في الطب وعلم الميكروبات، بل إنَّ تطورها عبر التاريخ مرتبط بقصة تطور الأدوات والمفروشات المنزلية
و العلامات التجارية الكبرى والتسويق الاستهلاكي لمنتجات أصبح ممكناً إنتاجها بكميات ضخمة (Mass Consumer Marketing).
أناقته لا تسمح له بالاغتسال
إنّه لمن المفارقات أنّ الخوف من أمراض كالسيفلس والطاعون كانت السبب وراء خوف الناس من الماء كما تقول فرجينيا سميث صاحبة كتاب “النظافة: تاريخ الطهارة والنظافة الشخصية”. فقد كان هناك اعتقاد سائد بأن الاستحمام في الحمامات العامة قد يشكل تهديداً للحياة
إنّه لمن المفارقات أنّ الخوف من أمراض كالسيفلس والطاعون كانت السبب وراء خوف الناس من الماء كما تقول فرجينيا سميث صاحبة كتاب “النظافة: تاريخ الطهارة والنظافة الشخصية”. فقد كان هناك اعتقاد سائد بأن الاستحمام في الحمامات العامة قد يشكل تهديداً للحياة
بسبب ما يحمله من أمراض عادت للانتشار بعد عودة الحملات الصليبية من بلاد العرب والترك، وكان هذا خطراً يتهدد ألمانيا العصور الوسطى وسويسرا وفلورنسا وباريس وبدرجة أقل لندن. فالطب كان يرى أن التعرض للماء الساخن قد يسبب دخول الطاعون وأمراضٍ أخرى إلى الجسم من خلال الجلد.
يضاف إلى هذا أن دعاة الأخلاق كانوا يبلّغون عن سلوكيات منحرفة تحدث في الحمامات. لهذا، أمر فرانسوا الأول بإغلاق جميع حمامات فرنسا في عام 1538،كذلك أوقف هنري الثامن مراجل غلي الماء في ساوثورك في عام 1546.
وهكذا بدأ عصر خضّب فيه الغني والفقير أجسادهم بالأوساخ وقنعوا بها. فالأمر لم يقتصر على الحمامات العامة، لأنّ الناس كانوا يرتابون من الحمامات الخاصة أيضاً. فبحسب مستندات دقيقة كانت مع طبيب البلاط الملكي الفرنسي جان هيرورد
لم يستحم الملك الشاب لويس الثالث عشر الذي ولد في عام 1601 حتى أصبح عمره سبعة أعوام. وكان يُعتقد أن للكتان خاصية القدرة على امتصاص العرق من الجسم كما يقول جورج فيغاريلو في كتابه “Le Propre et le Sale”, ، فكان يُعتبر من أشد الملمّين بمتطلبات الثقافة الصحية
ذاك الرجل الذي يمتلك عدداً كافياً من أثواب وقمصان الكتان الداخلية بما يسمح له بتبديل ثيابه يومياً. كان لدى موليير وراسين 30 من كل منها.نعم، لقد اعتبر الاستحمام بالماء الساخن خطراً كبيراً على الصحة. وقد اشتهر ملك فرنسا هنري السادس بوخمه الشديد فقد كان
“نتناً تفوح منه رائحة العرق والإسطبلات والقدمين والثوم”. عندما علم هنري أن دوق سلي Duc de Sully استحم، أرسل إليه رسالة بعد استشارة طبيبه الخاص يخبره فيها أن يلزَمَ المنزل “حتى لا يُعرّض نفسه للخطر بسبب حمّامّه الأخير”.
في إنجلترا كانت إليزابيث الأولى تستحم مرة واحدة في الشهر، وجيمس الأول الذي تولى الحكم بعدها كان يكتفي بغسيل أصابعه فقط.وتذكر أحد المنشورات الطبية التي أمر بطباعتها في تلك الأيام عالم اللاهوت وديار الدومينيكان ثوماس مولتون والتي يوجه فيها نصائح يجب اتباعها في حال انتشار الطاعون .
لا تستخدموا الحمامات، وابتعدوا عن الأفران حتى لا تتعرقوا، فهذا قد يفتح مسام جسم الرجل ويدخل السم الزعاف خلالها ليصل إلى الدم.”
عمّرت هذه الخرافة التي تتحدث عن خطورة الماء طويلاً، واستغرق انهيارها طوال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. فقد أحجم لويس الرابع عشر عن استخدام الحمامات الفاخرة في قصر فرساي لتنظيف جسده كما يشرح ماثيو دا فينها في كتاب “فرساي لويس الرابع عشر”
فقد كان الملك يعتمد على خدم يقومون بفرك يديه ووجهه بالكحول، و كان استخدامه للحمامات يقتصر على الحصول على جلسات علاجية بفترات متقطعة.
ذكرت كاثرين أشينبرغ في كتابها “نظيف: التاريخ الوسخ للاغتسال ” أن الاستحمام كان يرتبط بالدبلوماسية، فكلمّا كان الوضع عصيباً، طالت فترة نقع الجسد في الماء، حيث يُذكر أنّ نابليون قضى ساعات في حوض الاستحمام عندما انهارت معاهدة سلام أميان في عام 1803.
في الحقيقة، كان طلب العلاج السبب وراء عودة الإقبال على المياه. فقد أقبلت الطبقات الأرستقراطية في أوروبا على الاستحمام في منتجعات المياه المعدنية (السبا) Spa، والتي غالباً ما كانت تتواجد في أماكن تواجد الحمامات الرومانية القديمة .
لكن ذلك لم يكن يهدف لتنظيف الجسد من القذارة، بل كان يهدف لمعالجة الجسد المريض.
في القرن التاسع عشر، ونتيجة ظهور نظرية الجراثيم، بالإضافة إلى أفكار ناتجة عن تأثيرات التجارة الخارجية، وإدارة المستعمرات والسفر الذي جلب للبلاد أساليب جديدة
في القرن التاسع عشر، ونتيجة ظهور نظرية الجراثيم، بالإضافة إلى أفكار ناتجة عن تأثيرات التجارة الخارجية، وإدارة المستعمرات والسفر الذي جلب للبلاد أساليب جديدة
مثل الحمامات من تركيا وشمال أفريقيا، والشامبو من الهند، وكرسي المرحاض وصابون الغار من مرسيليا الفرنسية، بدأ يُسمع صوت المياه تترقرق عائدة إلى مجاريها بكل ما تحمله من صحة، ولتصبح القذارة هي الآفة والعدو الجديد.
جاري تحميل الاقتراحات...