#قصة ( ذي قار ) . كان عدّي بن زيد عند كسرى وهو مستشار الملك ، وأتقن الفارسية ، وهلك المنذر بن النعمان ملك الحيرة بالعراق ومندوب ملك الفرس ، إذ أن المنذر كان عميلاً للفرس ويأخذ الجزية من القبائل العربية ، ويأخذ لنفسه أكثر ، فسئم العرب من ظلمه وبيّتوا النية على قتله ، عرف بحدسه
أولاد المنذر على كسرى ليختار واحداً منهم يملّكه على الحيرة . نزل العشرة على عدي بن زيد وكان له منافس اسمه ابن مرينا من العرب في بلاط كسرى . اجتمع عدي بن زيد بالنعمان بن المنذر أحد العشرة المرشحين للمُلك وقال له : لا يوحشنّك ما أصنع بك من الجفاء والغلظة ، فإنّي لن أُملّك غيرك .
فكان يقرّب إخوته ويجفيه ويغلظ له القول . حتى وثق الإخوة بعدي بن زيد وفي اليوم الموعود الذي يُعرضون على الملك قال للاخوة ؛ ( إذا قدمتم على كسرى فلا تأكلوا إلا قليلا ولا تكبّروا اللقم ، وإذا سألكم هل تكفوني العرب فقولوا نعم ماعدا إخوتنا ) وقال للنعمان عكس ذلك تماما
: ( كبّر اللقمة فإن الفرس يعجبهم ذلك وإذا قال ؛ هل تكفيني العرب ، فأجب بنعم وإن سألك هل تكفيني إخوتك ، فقل إذا عجزت عنهم فأنا عن غيرهم أعجز ) . ابن مرينا اجتمع بأحد الإخوة واسمه الأسود فسأله عن نصيحة عدي فأخبره فقال ؛ لقد غشّك عدي . قال الأسود ؛ لا أرى عدياً إلا ناصحي . قال ؛
ستجد عواقب ما أقول لك . اجتمع الإخوة عند كسرى فكان النعمان يكبّر اللقمة ويبطش بالصحن فقال كسرى ؛ إن يكن فيهم خير ، فهذا . أمّا الإخوة فكانوا يصغّرون اللقمة ويأكلون كما تأكل العذارى المستحيات . ثم سألهم ؛ هل تكفوني العرب ؟ فكلهم أجاب نعم ماعدا إخوتي ، وسأل النعمان ، فأجاب ؛
اكفيكهم واكفيك إخوتي . فملّكه ورجع إلى الحيرة ملكا . أما ابن مرينا فقد زاد الحقد بقلبه على عدي بن زيد ، فكان يكيد له ويشيع أنه يتباهى بأنه ملّك النعمان ، وأنه يدس إلى كسرى ويوغر صدره . سمع النعمان الوشايات وبدأ يصدّقها فأرسل إلى عدي بن زيد ألا عزمت عليك أن تزورني . فقدم عليه عدي
وهو آمن فوضعه بالسجن . فكان يقول الشعر في السجن وهو شاعر مجيد من الجاهليين ؛
سَعَى الأعداءَ لا يَالُونَ شَرّاً
عَلَيَّ وَرَبَّ مكَّةَ والصَّليبِ
أرادُوا أن يُمَهَّلَ عَن كَبيرٍ
فَيُسجَنَ أو يُدَهدى في قَلِيبِ
وكنتُ اِزاَ خَصمِكَ لَم أُعَرِّد
وقد سَلَكُوكَ في يومٍ عَصيبِ
سَعَى الأعداءَ لا يَالُونَ شَرّاً
عَلَيَّ وَرَبَّ مكَّةَ والصَّليبِ
أرادُوا أن يُمَهَّلَ عَن كَبيرٍ
فَيُسجَنَ أو يُدَهدى في قَلِيبِ
وكنتُ اِزاَ خَصمِكَ لَم أُعَرِّد
وقد سَلَكُوكَ في يومٍ عَصيبِ
أُعالِنُهُم وأُبِطنُ كُلَّ سِرٍ
كَما بينَ اللِّحَاء إلى العَسِيبِ
فَفُزتَ عليهمُ لَمَّا التقَينَا
بتاجِكَ فَوزَةَ القِدحِ الأَريبِ . وقال يعاتب النعمان ؛
ألا مَن مُبلِغُ النُّعمانَ عَنِّي
فَبَينَا الَمرءُ أَغَربَ إذ أَراحا
أَطعَتَ بَني بُقَيلَةَ في وِثاقي
كَما بينَ اللِّحَاء إلى العَسِيبِ
فَفُزتَ عليهمُ لَمَّا التقَينَا
بتاجِكَ فَوزَةَ القِدحِ الأَريبِ . وقال يعاتب النعمان ؛
ألا مَن مُبلِغُ النُّعمانَ عَنِّي
فَبَينَا الَمرءُ أَغَربَ إذ أَراحا
أَطعَتَ بَني بُقَيلَةَ في وِثاقي
وكُنَّا في حُلُوقِهُمُ ذُبَاحا
مَنَحتهُمُ الفُراتَ وجانِبَيهِ
وتَسقينا الأَواجِنَ والمِلاَحا . ثم أرسل إلى أخيه يخبره بحاله .
أَبلِغ أُبَيّاً عَلَى نَأيِهِ
وهَل يَنفَعُ الَمرءَ ما قَد عَلِم
بأَنَّ أَخاكَ شَقيقَ الفُؤاد
كُنتَ بِه واثِقاً ما سَلِم
مَنَحتهُمُ الفُراتَ وجانِبَيهِ
وتَسقينا الأَواجِنَ والمِلاَحا . ثم أرسل إلى أخيه يخبره بحاله .
أَبلِغ أُبَيّاً عَلَى نَأيِهِ
وهَل يَنفَعُ الَمرءَ ما قَد عَلِم
بأَنَّ أَخاكَ شَقيقَ الفُؤاد
كُنتَ بِه واثِقاً ما سَلِم
لَدَى مَلِكٍ مُوثَقٍ في الَحديد
إمَّا بِحَقٍّ وإماَّ ظُلِم .
فذهب أخوه إلى كسرى الذي كتب إلى النعمان يأمره باطلاق سراحه ، وكان للنعمان جاسوس عند كسرى فأخبره عن فحوى الكتاب باطلاق سراح عدي بن زيد ، ورسول كسرى جاء لعدي في السجن قبل أن يمر النعمان ، وسأله ، تنشد عن الحال ، هذا هو
إمَّا بِحَقٍّ وإماَّ ظُلِم .
فذهب أخوه إلى كسرى الذي كتب إلى النعمان يأمره باطلاق سراحه ، وكان للنعمان جاسوس عند كسرى فأخبره عن فحوى الكتاب باطلاق سراح عدي بن زيد ، ورسول كسرى جاء لعدي في السجن قبل أن يمر النعمان ، وسأله ، تنشد عن الحال ، هذا هو
الحال . خرج من عنده ، وأرسل النعمان يأمر بقتله ، فقتل ، وعندما وصل الخطاب للنعمان ، أخبر الرسول أنه مات ويبدو أنه رشاه ببعض المال ، ولكن سأرسل لك ولده زيد بن عدي وهو فتى أريب حصيف . فأرسل ولده ليكون حاجبا عند كسرى ، وأصبح زيد بن عدي مقربا لكسرى ويكثر الدخول عليه .
وكان للفرس صفات مكتوبة للنساء ، فيبحثون عنها ويحملونها للملك ، وتلك السنة لم يجدوا امرأة بتلك المواصفات ولم يكونوا يبحثون عنهن في بلاد العرب . فقال زيد بن عدي ؛ إن بنات النعمان وأخواته بهن تلك الصفات أكثر من عشرين امرأة ولكنهم يرون أنفسهم أكرم نسبا من الفرس . زيد لم ينس ثأر أبيه
فأرسله كسرى ومعه رجل يفهم العربية ، فدخل زيد على النعمان وقال ؛ إن كسرى أحب مصاهرتك ، فابعث معي عشرةً من نساء بيتك وأهلك " يلعن أم الإهانة "
" يبدو لغته العربية ليست جيدة " مامعنى المها ؟ فقال زيد ؛ كاوان " يعني البقر " ففهمها الرسول الفارسي الذي جاء مرافقا مع زيد . زيد حاول أن يخارج نفسه لما رأى الاستياء على وجه النعمان ، فقال ؛ إنما يريد كسرى اكرامك بمصاهرته . فقال النعمان ؛ بلّغ الملك بأن حاجته ليست عندي .
أكرمهم يومين ورجع زيد بن عدي إلى كسرى وسأله ؛ أين ماوصفت من جمالهن ؟ قال ؛ إنهن يفضلن الجوع وريح السموم ولا يحببن العيش في القصور ، ثم سأل الرسول ، فقال له ؛ أما يكفيه بقر فارس عن حرائر العرب . فغضب كسرى غضبا شديداً . وقال ؛ رب عبد أراد شيئا فصار أمره إلى تباب . ثم سكت عنه أشهرا
والنعمان يتوقع أن يطلبه ، فأرسل إليه كسرى أقدم عليّ .
فأخذ سلاحه وبناته وأقبل يطوف على قبائل العرب ، فذهب إلى طي يريدهم أن يدخلوه الجبلين وكان متزوجا منهم ، فقالوا ؛ اذهب لاحاجة لنا بمعاداة كسرى ولولا مصاهرتك لقتلناك نحن . وذهب الى بني رواحة من بني عبس ، فقالوا ؛ نحن نقاتل معك
فأخذ سلاحه وبناته وأقبل يطوف على قبائل العرب ، فذهب إلى طي يريدهم أن يدخلوه الجبلين وكان متزوجا منهم ، فقالوا ؛ اذهب لاحاجة لنا بمعاداة كسرى ولولا مصاهرتك لقتلناك نحن . وذهب الى بني رواحة من بني عبس ، فقالوا ؛ نحن نقاتل معك
حتى نفنى ، لكنه كره لهم القتل ، فنزل في ذي قار على بني شيبان سرا ، وقابل هاني بن مسعود الشيباني وقال له ؛ أنا مانعك مما امنع به نفسي وقبيلتي لكن عندي رأي لك ، اذهب للملك والق بنفسك عنده فإن يصفح عاد لك ملكك والا قتلك كريما ، فإنك إن عشت مطاردا
لا آمن عليك صعاليك العرب وذؤبانها . قال النعمان ؛ ومن يمنع حرمي ؟! فقال هاني بن مسعود ؛ هُنّ في ذمتي ، لا يخلص إليهن إلا أن يخلص إلى بناتي .
ماقتلها عربي قط . قال ؛ انج اذا استطعت والله لقد وضعت لك " خيّة يعني مكر وخطة " لن تنجو بعدها أبدا . وصل الى كسرى فقيّده ووضعه بالسجن حتى مات بالطاعون ، ولما بلغ موته النابغة قال :
مَن يَطلِبِ الدَهرُ تُدرِكهُ مَخالِبُهُ
وَالدَهرُ بِالوِترِ ناجٍ غَيرُ مَطلوبِ
مَن يَطلِبِ الدَهرُ تُدرِكهُ مَخالِبُهُ
وَالدَهرُ بِالوِترِ ناجٍ غَيرُ مَطلوبِ
ما مِن أُناسٍ ذَوي مَجدٍ وَمَكرُمةٍ
إِلّا يَشُدُّ عَلَيهِم شِدَّةَ الذيبِ
حَتّى يُبيدَ عَلى عَمدٍ سَراتَهُمُ
بِالنافِذاتِ مِنَ النَبلِ المَصايِيبِ
إِنّي وَجَدتُ سِهامَ المَوتِ مُعرِضَةً
بِكُلِّ حَتفٍ مِنَ الآجالِ مَكتوبِ
ثم ولّى كسرى إياس بن قبيصة الطائي الحيرة ،
إِلّا يَشُدُّ عَلَيهِم شِدَّةَ الذيبِ
حَتّى يُبيدَ عَلى عَمدٍ سَراتَهُمُ
بِالنافِذاتِ مِنَ النَبلِ المَصايِيبِ
إِنّي وَجَدتُ سِهامَ المَوتِ مُعرِضَةً
بِكُلِّ حَتفٍ مِنَ الآجالِ مَكتوبِ
ثم ولّى كسرى إياس بن قبيصة الطائي الحيرة ،
وعندما ولي إياس أرسل لهاني بن مسعود أن ارجع لي سلاح النعمان . فقال : ليس عندي قليل أو كثير منه وإنما أنا رجل في احدى حالتين أما استودعت أمانة فلا أفرط بها وإما رجل مكذوب عليّ . ثم إنّ بكراً زادت جنايتهم على العراق وأصبحوا يغيرون ، فانزعج كسرى منهم واستشار اياس بن قبيصة فقال ؛
اتركهم واعرض عنهم فإن العرب لو علموا أنك سيّرت جيشا لحرب قبيلة استخفوا بك . فقال كسرى ؛ انهم أخوالك وتريد أن تدرأ عنهم . فقال اياس ؛ الملك أعلم . وكان عند كسرى النعمان بن زرعة التغلبي وهو يتمنى هلاك بكر ، فقال لكسرى ؛ إن لهم مورد ماء اسمه ذي قار واذا جاء الصيف يتساقطون عليه
كتساقط الفراش في النار وأنا وقومي نطلبهم بهذه الغرات واكفيكهم . فوافقه كسرى . ثم عقد له على تغلب ب١٠٠٠ رجل وعقد لاياد ب١٠٠٠ رجل وعقد لبقية القبائل ب١٠٠٠رجل وولّى عليهم اياس بن قبيصة وعقد للاساورة أي الفرس ب٢٠٠٠ رجل ومعهم كتيبتي كسرى الدوسر والشهباء وهي مثل ماتقول الحرس
الجمهوري لأنه مزودة بآلات الفتك والفيلة والمنجنيق وغيرها . وكان كسرى قد أوقع بتميم في معركة " الصفقة " فكانت العرب ترهبه وتخافه .
من كسرى وهي ، أن تسلموا أنفسكم له ، تحضرون بمالكم ونسائكم صاغرين ، وأخيرا تسلمون نساء النعمان وسلاحه ثم يرى رأيه فيعفو أو ينتقم منكم . فقالوا ؛ انتظر نجمع رأينا . ثم بعثوا الى قبائل بكر جميعها فكلما جاءت قبيلة قال سيدنا بهذه ، لأن بكرا قبيلة كبيرة وهي لاتتفق على سيد واحد من
قبائلها بل بينها من الحروب كما بينها وبين تغلب ، فأقبلت سادات بني يشكر وبني تيم الله حتى أقبل رجل أصلع عظيم البطن فقالوا هذا هو سيدنا فاذا هو ثعلبة بن سيار العجلي في بني عجل فقالوا ؛ يا أبا معدان طال انتظارنا لك وهذا ابن اختك يريد الجواب ؟ فقال ؛ ماذا ترون ؟ قالوا ؛ نسلم أنفسنا
فقال لهم :
؛ بئس الرأي رأيتم والله لايبقون منّا ولدا ولا شيخا . ثم أمر بقبته فضربت وركز رمحه وكان يوم الصفقة قد احتالوا على تميم بالعطاء فكانوا يدخلونهم خيمة ليهبوا لهم المال ويقتلونهم . فكان العجلي أحوط وعرف أن لا أمان مع الفرس .
؛ بئس الرأي رأيتم والله لايبقون منّا ولدا ولا شيخا . ثم أمر بقبته فضربت وركز رمحه وكان يوم الصفقة قد احتالوا على تميم بالعطاء فكانوا يدخلونهم خيمة ليهبوا لهم المال ويقتلونهم . فكان العجلي أحوط وعرف أن لا أمان مع الفرس .
من بني شيبان بنفس فعلته وأنزلوا النساء وقال حنظلة ؛ ليقاتل كل رجل عن حليلته . ثم تعازموا وأصروا على الموت وقال هاني بن مسعود " المنية ولا الدنية " وقيلت أشعار كثيرة في شجاعتهم واصرارهم على القتال حتى الرمق الأخير وقال حنظلة بن ثعلبة " ولد الشايب " :
من فر منكم فر عن حريمه ..
وجاره وفر عن نديمه
أنا ابن سيار على شكيمه .
إن الشراك قد من أديمه
وكلهم يجري على قديمه ..
من قارح الهجنة أو صميمه . وتقابل الجيشان بكر والفرس ومن معهم من العرب ، فخرج فارس من العجم يطلب النزال فخرج له يزيد اليشكري فقتله ثم خرج الهامرز أحد قادتهم
وجاره وفر عن نديمه
أنا ابن سيار على شكيمه .
إن الشراك قد من أديمه
وكلهم يجري على قديمه ..
من قارح الهجنة أو صميمه . وتقابل الجيشان بكر والفرس ومن معهم من العرب ، فخرج فارس من العجم يطلب النزال فخرج له يزيد اليشكري فقتله ثم خرج الهامرز أحد قادتهم
أما اياس بن قبيصة فقد انصرف الى كسرى وقال : لقد هزمنا بكرا بن وائل وأتيناك بنسائهم ، فخلع عليه وأعطاه وانصرف ، ولو لم يكذب لقتله .
وكان هذا أول يوم تنتصر فيه العرب على الفرس وكانت عام ٦١٤ م قبيل البعثة النبوية بقليل ، وهناك أشعار كثيرة توثق هذه المعركة ،
وكان هذا أول يوم تنتصر فيه العرب على الفرس وكانت عام ٦١٤ م قبيل البعثة النبوية بقليل ، وهناك أشعار كثيرة توثق هذه المعركة ،
جاري تحميل الاقتراحات...