طلال الشمري
طلال الشمري

@talaljurist

20 تغريدة 51 قراءة Oct 15, 2021
ما الفرق بين أخلاق الخير والشر؟
وما هو الرابط بين الدين والأخلاق؟
هنالك سؤال فلسفي صعب وعميق حول مصدر الأخلاق الإنسانية ومعرفة الخير من الشر.
فما هو مصدر الأخلاق الإنسانية وما هو معيارها؟
هل هو الدين؟ أم هو العرف؟ أم هي شهوة الإنسان؟ أم هو ضميره؟ أو ان هنالك مصدر آخر؟
إن إجابة السؤال تستلزم أولا وجوب معرفة حقيقة الأخلاق
هل الأخلاق نسبية بمعنى أنها تتغير بحسب الدين أو الثقافة أو الأعراف المجتمعية؟
أم أن هنالك مبادئ أخلاقية ثابتة يؤمن بها كل إنسان بغض النظر عن دينه أو ثقافته أو أعراف مجتمعه؟
وبمعنى آخر أوضح،هل هنالك خير في ذاته وشر في ذاته؟
ولابد قبل الإجابة أن نؤكد على أن هنالك إجابات كثيرة لا حصر لها تتعدد بحسب الفلاسفة واللاهوتيين وعلماء الأخلاق والطبيعة.
إلا أن هنالك بكل تأكيد إجابة عاقلة واحدة لا يمكن حتى لأشد الناس ريبة وشكاً إنكار قوتها أو إخفاء حقيقتها،وهي التي سأذكرها.
لكي نعرف هل هنالك خير في ذاته أو شر في ذاته.
ولكي نعرف هل هنالك مبادئ أخلاقية ثابتة يؤمن بها كل إنسان بغض النظر عن دينه ومذهبه.
يجب أن نفرق أولا بين المبادئ الأخلاقية الثابتة في ضميرنا،وبين الممارسات والتطبيقات العملية للأخلاق في واقعنا.
لأن الإنسان قد يظن أن الأخلاق أمر نسبي بسبب وجود ممارسات أخلاقية مختلفة عند الأمم والبشر جميعاً
ولهذا قد يتوهم الإنسان أن هذه التطبيقات الكثيرة دليل على أن الأخلاق نسبية متغيرة بتغير الامم.
ولكن الحقيقة أن مبادئ وقواعد الأخلاق ليست نسبية متغيرة،بل هي ثابتة في طبيعة كل إنسان.
نعم،إن كل إنسان في هذا الكون يحمل في طياته قوانيناً أخلاقية ثابتة و موحدة،
متجذرة في ضميره وراسخة في أعماق قلبه.
إذ لا يمكن إنكار حقيقة أن مبادئ العدالة و الصدق والحب والشجاعة والشهامة
هي خير في ذاتها،كما أنها محترمه ومقدرة لدى كل إنسان أيا كان دينه،بل حتى وإن فعل الإنسان عكسها.
كما لا يمكن إنكار حقيقة
أن أفعالاً مثل الغدر والخيانة والكذب والجبن وغيرها بشعة في ذاتها.
حتى أن الإنسان الجبان يتمنى أن يكون شجاعاً
والخائن الغادر يعلم سوء فعلته فيحاول أن يسترها أو أن يجد تبريراً أخلاقياً لها.
وأما الكذاب،فيعلم أن الصدق أحسن من الكذب،ولكنه يكذب لغاية ينشدها.
لذلك نقول بأن إختلاف الممارسات الأخلاقية وتعددها لا ينفي ثباتها ورسوخها.
لأننا مثلا قد نمارس الكذب لإنقاذ حياة إنسان أو لهدف آخر نبيل،ولكن هذه الممارسة لا يمكن أن تنفي القيمة الأخلاقية للصدق،وأن الصدق في ذاته هو أمر نبيل محترم ومقدر، ينال إجلالاً وإكباراً لدى كل إنسان.
وبعد هذه المقدمة، سيكون من المناسب تقديم الأدلة العقلية والمنطقية التي يمكن أن ُيستدل بها على وجود معيار أخلاقي ثابت و صادق في كل زمان ومكان داخل ضمير كل إنسان،أيا كان مذهبه ومعتقده بل حتى وإن كان بلا دين،
هذه الأدلة يمكن إيجازها على النحو الآتي:
أولا:إن الشر هو ما كان موضوعاً للإستهجان أو اللوم. بحيث يكون للإرادة الحق في الإعتراض عليه.
فإذا قلنا بأنه ليس لدى الإنسان معيار ثابتة يدرك به الخير والشر،فلا يمكن لأحد أن يستجهن الشر أو يستقبحه و يعترض عليه.
إذ كيف يمكن الاعتراض على شيء لا يمكن الإدعاء بأنه شر في ذاته؟
ثانيا:أننا إذا قلنا بعدم وجود معيار أخلاقي ذاتي ثابت في الإنسان،فهذا يعني بأنه يستحيل على الإنسان أن يختار أو يميز أو يوازن بين الشرائع والأديان المختلفة،فالشريعة التي تأمر أتباعها بوجوب معاشرة الحيوانات جنسياً،ستكون مثل الشريعة التي تستقبح وتستنكر مثل هذا الفعل!
ثالثا:أننا نشاهد واقعاً وفي أنفسنا،تفضيل الناس للمجتمعات الراقية أخلاقياً،وإستكراه الناس للمجتمعات البدائية البشعة أخلاقياً كالتي لا تستنكر ولا تستبشع أكل لحوم البشر مثلا.
وهذا يؤكد وجود معيار أخلاقي في أنفسنا يميز بين الخير والشر والقبيح والحسن.
رابعاً:أننا إذا قلنا بعدم وجود معيار أخلاقي ثابت لدى كل إنسان،فهذا يعني أنه لا فرق عندنا بين الإنسان الشرير والإنسان الخير،وليس هنالك أي مبرر للحكم على رجل ما أنه شرير أو خير،لأنهم سواء.
ولا معنى حينئذ لأي نقاش للتفرقة بين الأفعال الحسنة والقبيحة.
خامساً:أن إدعاء عدم وجود ضمير أخلاقي ثابت داخل كل إنسان،يحتكم إليه.
يؤدي إلى إنكار حرية الإرادة وإمكان الإختيار بين الخير والشر،لإن الإنسان لا يمكن أن يدرك الفرق بينهما.
وبالتالي لا يمكن محاسبة أي إنسان على أفعاله في الدنيا أو الآخرة.
سادساً وأخيرا،إن عدم وجود معايير أخلاقية داخل النفس الإنسانية،يعني بالضرورة عدم قدرة أي إنسان أن يفرق بين الشريعة الإلهية الخيرة،والشريعة الشيطانية الشريرة.
لأنه لا يمكن للإنسان أن يحتكم إلى المبادئ الأخلاقية المتجذرة في وجدانه وضميره لأنه ينكر وجودها أصلاً.
ولذلك قال المعتزلة بأن العقل ليس عاجزاً عن إدراك الشريعة الإلهية،و بأن الأفعال حسنة في ذاتها وقبيحة في ذاتها،والوحي الإلهي لا يثبت للأفعال قيمتها بل يُخبر عنها فقط.
لأن الله إذا كلف الإنسان بفعل الخير،وجب أن يهبه النور للإهتداء الى الخير،والا لم يعد هنالك معنى لأي تكليف.
ولذلك قال المعتزلة أيضا أننا إذا أبطلنا قدرة الانسان الطبيعية العقلية على إدراك الأفعال الحسنة لذاتها ومعرفة الأفعال القبيحة لذاتها، ستبطل جميع المعاني والتعليلات المستنبطة من الأصول الشرعية والشريعة الإلهية،فيكون الايمان خالياً من أي تبرير عقلي أخلاقي!
كما قال المعتزلة أيضا أنه لا يمكننا أن نتسائل لما نفعل هذا ونترك هذا،ولماذا وصفت الشريعة هذا الفعل بوصف الخير وذاك الفعل بوصف الشر إن لم يكن لدينا معيار أخلاقي عقلي ثابت في داخلنا.
ولذلك أيضا قال كانط أن القانون الأخلاقي في داخلنا هو سبب حريتنا.
ولذلك يصح القول بأن حرية الإرادة تعني حرية الإختيار بين الخير والشر،ولكل إنسان وجهة هو موليها،ليكون ثوابه أو عقابه بعد ذلك مبرراً دنيوياً وعادلاً آخروياً.
فإن لم يوجد في داخله ضمير ثابت يختار وعقل واعٍ يوجه ويرجح له،فلا معنى حينئذ لأي ثواب أو عقاب.
@rattibha
رتب

جاري تحميل الاقتراحات...