من الملاحظ مؤخرًا انتشار خطاب مضخِّم للأنا، ولا ينفك يدعو للتمركز حول الذات، وأن الفرد في هذا الوجود لا يجب أن يفكّر إلا بنفسه، ولا يسعى إلا لسعادته، ولا يهتم إلا بمستقبلهِ الخاص، وإن قُدِّر وارتبط بفردٍ آخر فلابد أن يكون هذا الرابط سببا في تحقيق ما سبق، وإلا فالانفصال خير وأبقى!
من آثار هذه الدعوة الفردانية الخطيرة أنها تجعل الإنسان في عداءٍ دائم مع غيره، وتُشعره بتهديدٍ مستمر من الآخر، وتمحق في نفسِه كل مبدإ يقوم على التعاون والتكاتف والمشاركة؛ وهي معان سامية خيّرة، ولكنها في الخطاب الفرداني مذمومة سلبية تُؤكل الحقوق من قِبلها.
هذا الخطاب الفرداني الكارثي يُقدَّم مؤخرًا كطرحٍ عِلمي رزين، وهو ليس كذلك، بل يقوم على الأسلوب الخادع المثير للعواطف. ”أنت قوي ولست بحاجة غيرك. عليك العبور وحدك ولا تنتظر مساعدة من أحد. سعادتك لن يحققها سواك“ وغيرها من الجمل التي تقوم على حِيلٍ نفسية مخدِّرة للنظر النقدي.
في كتابه «عصر الفراغ» الذي ناقش فيه الفردانية المعاصرة وتحولات ما بعد الحداثة يخبرنا ليبوفتسكي في الفصل الثالث عن الشعار الثوري الجديد -بتصرف- : ”لابد أن أحب نفسي بما يكفي بحيث لا أحتاج لإنسان آخر ليجعلني سعيدا“ هنا تضخّمت الـ أنا، وخيّل للفرد العاجز أنه قائم بذاته في هذا الوجود.
يمضي في هذا الطريق عازلاً نفسه، مستغنياً عن كل معنًى نبيل للمشاركة والتعاون، ويستمر في وضع الحواجز بينه وبين الآخرين، حتى يصل إلى الأصل في الفكرة الفردانية: ما هذا الآخر سوى عائق لن أحقق سعادتي ونجاحي ومستقبلي الباهر المُنْتَظر إلا إذا اتّخذته عقبة لابد من تجاوزها!
كل مَن يسير وفق هذا المنطق الفرداني مآله إلى الوحدة المرَضية الجالبة للاكتئاب؛ لأن الفردانية حلقة لا يخرج صاحبها من ذاته؛ وإدامة التفكير في الذات موجبة للتوجس والريبة والخوف وهاجس الاستحقاق ووهم الأفضلية وقلق السعادة.. وكلها قاتلة للطمأنينة وموصلة إلى دوّامة الاكتئاب.
لابد من محاربةِ هذا الفكر الدخيل، وردع أنصاره وإظهار عوار منطقهم الفاسد ومنطلقاتهم المُفْسِدة، وتوعية النشء على أن الروابط الإنسانية أصيلة في الوجود، وأن التلاحم لا يحجب السعادة، والتعاون لا يعيق النجاح، والتكاتف بين البشر أساس بهجة الدنيا.
جاري تحميل الاقتراحات...