الفلسفة بطبيعتها نشاط اجتماعي أي أنها تقوم على التواصل مع الاخرين. هذا التواصل عرضة لكثير من العوامل. صرنا ندرك أثر التعصّب والانغلاق والعنف على التواصل الحر بشكل عام وعلى التواصل الفلسفي بشكل خاص لكن هناك عوامل يبدو لم تأخذ نصيبها من التأمل.. سأتحدث عن أحدها..
الثرثرة خطر على التفلسف الجماعي أو الحوار الفلسفي المشترك لعدة أسباب. الثرثرة تفتت الرابطة الاجتماعية للحوار. أي أنها تنفي المشاركة الجماعية وتعزل البقية مما يدفع بهم للشعور المتزايد بالعزلة والاقصاء وبالتالي يعطل مشاركتهم=
الثرثرة عنف. ذلك أنها استئثار أناني بالمشاركة وبالتالي فهي تهديد أخلاقي للروح الجماعية/الفردية التي يسعى الحوار إلى توفيرها. أنانية الثرثار تنخر في جسد الحوار وتفتت قوامه=
الثرثرة كذلك داء معرفي/ابيستمولوجي ذلك أنها تعمل على تسريب ماء الحوار وثقب وعاء النقاش من خلال السرد اللامتناهي من المعلومات والقصص التي تتابع بحيث تغيب البداية ويتلاشى الأمل في النهاية..
الثرثار لا ينصت إلا للكلمة الأولى ولطرف الحديث.. وبعدها ينطلق Solo حتى يهرب الجميع ليبقى وحيدا كما كان.. لذا الثرثرة تفويت مستمر للاتصال بالآخرين..
الجانب الأخلاقي للثرثرة مهم جدا فهي رهان على طيبة الناس أو تعففهم عن المقاطعة والصراع الصوتي. الثرثار يراهن على أن سكوتك عند مقاطعته لك. جرّب أحيانا أن لا تتوقف عن المقاطعة سينكشف المشهد الأوضح..الكل يتحدث ولا أحد يسمع. الثرثار يدفع الناس للتوقف عن الاستماع له حتى لو احتكر الحديث
العلاقة بين الثرثرة والوقت غير ضرورية. أحيانا يطيل أحد أطراف الحديث دون أن يثرثر وأحيانا ينطق أحد الأطراف كلمات بسيطة دون أن يشعر بأنه لم يأخذ حقه في الكلام. المهم هو علاقة الكلام بالنقاش العام وارتباطه المستمر بالآخرين وأسئلتهم المشتركة..
الثرثرة فيها هروب من التفكير مع الاخرين. أنها عودة للسرد المنفرد ولمخزون الذات. لذا جعل هايدجر الثرثرة شكل من أشكال الوجود المزيف لأنه فيه هرب من مواجهة مغامرة التفكير والتأمل والحوار.
الثرثرة امتحان رهيب للصبر والعطاء. الثرثار يلتهم ما فيك من وجود ويضطرك لإقفال حالة الحوار والتحوّل لحالة من الأحاديث الذاتية التي لا تعتني بوجود الآخرين.. هذا بالتأكيد إذا لم تتح لك فرصة المغادرة والتنفّس بعيدا..
لذا يبدو أن من حق الثرثار علينا أن نتحدث معه بصراحة عن كل هذا وأن نكشف له عن الألم الذي تحدثه الثرثرة فينا. أي أن نجعله في مواجهة مع ضميره الأخلاقي من جديد..
جاري تحميل الاقتراحات...