معاوية الرواحي
معاوية الرواحي

@MuawiyaAlrawahi

11 تغريدة 982 قراءة Oct 02, 2021
#من_ذاكرة_جونو:
اشتعلت وسائل الإعلام، المذيع خالد الزدجالي يبكي على الهواء مباشرةً. أخبار متضاربة، تارةً يقولُون أن الإعصار يضرب في مطرح، وتارةً يقولون أنَّه غير اتجاهه. في ذلك الضجيج، شاعران يتلوان آيات النهاية. خميس المقيمي يقول: كل شيء سيكون على ما يرام.
أصيب الناس بالهلع، كلمة [إعصار] .. كان الجو رائعا بالمقاييس العُمانية المرجوَّة من الغيث، الهدوء الذي يسبق العواصف في سمته الكلاسيكي. سيارات الدفع الرباعي تتجوَّل في الوديان، بدأت الأمطار الغزيرة، ومعها الأخبار المُقلقة، صور، وقريَّات تتصدران المشهد العُماني، ثمّة كارثة تحدث!
بلغت القلوب الحناجر، واشتعلت همم العُمانيين يساعدون المتضرر. جماعات من الشباب تقوم بتنظيف الشوارع، سلاسل بشرية تسحبُ عالقا مع أسرته في الوديان، مرَّ يوم الإعصار وبدأ إعصار آخر، انتفضت عُمان وهبَّت لتساعد، اختلطت الحكمة بالحماسة، وخطابٌ من جلالة السلطان هدَّأ النفوس.
انكسر جسر القُرم دارسيت، الطريق إلى قريَّات امتلأ بالسيارات الصغيرة، والمتحمسين الذين حملوا وجبات صغيرة [معكرونة، وخبز، وجبنة] المحلّات التجارية تُعاني من شح الماء، موجة شراء هائلة. هبَّة شعبيَّة عاطفية، وشعور قوي بالتماسك والتكافل الاجتماعي.
وكما ظهرت المعادن الطيَّبة، كشفت المعادن الخبيثة عن نفسها. رفع البعض أسعار حافلات نقل المياه، تحركت الشرطة وقامت باعتقالهم، حاول البعض المبالغة في أسعارِ بعض السلع الغذائية، وفتك بهم المُجتمع عبر سلاحه الجديد [الرسائل الهاتفية]، أبطال الجيش العُماني في مواقعهم يُصلحون ويُنقذون.
عادت الكهرباء، الأصدقاء من صور يطمئنوننا " الحياة تعود إلى طبيعتها تدريجيا" مجموعة من الشباب يذهبون بسيارة [ماجد البلوشي] البيك أب، يزاحمون الشارع مع لهفةٍ للمساعدة، لهفة نبيلة وغير حكيمة. شخص من قريات يصرخ: جيبوا طباخات، ترانا نعرف نطبخ، باغيين غاز وطباخات تراه ما مجاعة!
في قريَّات، يقتعدُ الأرضَ إنسانٌ امتلأ منزله بالطين، أمامه قطع صغيرة من الأثاث أنقذها من الماء الهادر. العمانيون يتبادلون الأخبار، [البلوتوث] كان وسيلة الإعلام الأبرز حضورا. الشرطة تكرر التحذير: لا تعبر الوديان، لا تجازف بالحركة وقت المطر، مع ذلك، الظروف تحدث، والمجازفون يحدثون.
الجيش والشرطة مُرهقون على جنبات الطريق، فُتح طريق العامرات، ثمَّ عادت الكهرباء في بعض المناطق، انتهت الإجازة الطارئة، وبدأت الحياة بالعودة. مرَّ جونو على الجميع. غرقتُ أنا وسيارتي في طريق الحيل، وعدتُ إلى دارسيت مُرهقا، لأجد مكتبتي مبللة بالماء، وتعفنت عشرات من الكتب.
مرَّت الأيام، اختفى الطين من الشوارع، أشرقت الشمس. اختفت سيارات الجيش، وقلَّت سيارات الشرطة، عاد المجتمع إلى العمل الرسمي. تم الإعلان عن لجنةٍ لتقييم الأضرار، وبدأ مسار جديد، ما بعد الصدمة، حالة عاطفية شملت الجَميع، نُسيت الخلافات لفترة وانشغل الناس بقلوبهم.
جُرف الطين من البيوت، جُففت المقاعد الغارقة. المدارس أصبحت مراكز إيواء مؤقتة. انتفضت عُمان والجميع يريد أن يساعد، لا يعرف كيف، ولا يعرف من؟ يريد أن يساعد والسلام، القلوب النقيَّة وجدت طريقها لفعل الخير، أما القلوب القذرة فقد تلاعبت بأسعار الماء، واستغلت المأساة للتربح.
وذهب جونو وبقيت ذكرياته. عادت الحياة إلى طبيعتها، وتناسى الناس تدريجيا ما حدث، خطابٌ من السلطان المرحوم يشيد بتكاتف الناس، وكما في كل أزمة، تُفرج بعد اشتدادها. ولدت أجيالٌ، لا يعرفون ما هو جونو، ولا يعرفون كيف كانت عُمان وقتَها!
جونو، وفيت، وماكونو، وعُمان عُمان، قوية ومتضامنة.

جاري تحميل الاقتراحات...