مَنصةُ خُطوَة
مَنصةُ خُطوَة

@khotwaah

34 تغريدة 159 قراءة Sep 15, 2021
#سلسلة_خطوة
من #منصة_خطوة
طلبُ الكَمال
بقلم: ياسر الحزيمي
هل تُعاني من طلب الكمال، وتسويف الأعمال؟ هل تشعر بأن العمل لابُد من أن يكون مميزاً، أو لا يكون؟
يُتعبكَ النقد، وملاحقة التميز والتفرُّد، حيَّاك معنا في هذه السلسلة المختصرة عن (طلب الكَمال) مع ياسر الحزيمي.
وإذا لم يكن لديك وقت الآن؛ ففضِّلها لتعود إليها، وإذا لم تشعر بأنك تحتاجها فأرسِل لغيرك لعله يستفيد منها.
هذه ميزتي ومشكلتي في الوقته نفسه
أرسَل لي مرة يقول:
أنا شاب طموح، أحب النجاح، وأطمح إلى البروز والتميز، هذه ميزتي ومشكلتي في الوقته نفسه.
شعاري الإتقان، وحكمتي (إن لم تكن الأول فسيان الثاني والأخير).
لا يعجبني أي عمل، ولا يرضيني أي نجاح؛ولذلك: فأنا لم أعمل، لم أتحرك، لم أتقدم؛
لأنني أشعر بأنني لست جاهزاً، أو أن العمل الذي أريده لم يرتق إلى مستوى معاييري وطموحي.
أتعبني طلب الكمال، وأوقفني عن المسير.
فأصبحت مكبَّلاً، لا أنا تحركت، ولا أنا رضيت بمكاني.
أرجوك، ساعدني؛ فقد تعبت عنقي من النظر إلى الأعلى، وسئمت الوقوف مكاني.
الكمال يا صديقي قَيدٌ مِن ذهب
فقلت له:
نعم يا صديقي، التميز والإتقان ميزتان إن لم تضبطا تحولتا إلى مشكلة تعيق حياتنا وتفسد مشاعرنا.
الكمال يا صديقي، قيد من ذهب، جميل براق مرغوب مطلوب؛ ولكنه في النهاية قيد نكبل به أيادي العمل والأمل.
لابد أن يكون عملي بلا أخطاء أبداً (كمال)
لابد أن أحصل على إعجاب الجميع (كمال)
المفروض أن أحصل على ممتاز في كل شيء (كمال)
لابد أن أكون الأفضل (كمال)
الأسرع (كمال)
الأجمل (كمال)
الأول (كمال).
خطط للأفضل، واعمل الأجود؛ (فخير الأعمال أدومها وإن قل)
ينبغي أن يكون التميز في الأداء، والكمال في الأعمال مطلباً نسعى إليه، لا عائقاً يقف أمام البدايات، أو شماعة نعلق عليها الأمنيات، أو سبباً نسقط عليه قلة المبادرات؛
فسياسة (نكون أو لا نكون)، وثقافة (يا أبيض يا أسود) وَأَدَت الكثير من الأفكار، وأوقفت الكثير من المشاريع؛ فخطط للأفضل، واعمل الأجود؛ (فخير الأعمال) ليس أدقَّها ولا أكملها، ولكنه (أدومها وإن قل).
إشارة وبشارة
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم).
وفي هذا الحديث إشارة بل بشارة بأن الله لا يطالبنا بالكمال، ولا يحاسبنا على المُحال.
فالإنسان ضعيف عاجز عجول جهول، وربه عفو غفور رحيم توَّاب، يتجاوز عن الخطأ، ويفرح بالتائب، فالخطأ مُلازم للإنسان، متوقع منه، فليس من الخطأ الوقوع في الخطأ، بل في تعمده والإصرار عليه، وفي عدم التوبة منه، وهذا الحديث يجدد الأمل، ويبعث على العمل، ويبدد اليأس، ويطرد القنوط من النفس.
نعم للصواب، ونعم للخطأ، ولا لتعمد الخطأ
في إحدى الزيارات وَجدتُ عبارة في مدرسة كُتبَ عليها (نعم للصواب لا للخطأ).
فتَعجبتُ وقلت: وهل وضعت المدارس إلا لتجعلنا نمارس ونخطئ فتصحح لنا؟!
ولو كان الأمر بيدي لغيرت اللوحة وكتبت (نعم للصواب ونعم للخطأ، ولا لتعمد الخطأ).
عندما نؤمن بأن الخطأ وليد التعلم وصديق المتعلم، وأنه أحد مقادير خلطة التجربة، وركن أساس في بِنْيَة الخبرة، عندها سننظُر إليه على أنه مستشار ٌ نتعلم منه، لا قاضياً يأمر بسجننا في زنزانة الفشل، فارفق بنفسك، وتذكر أنك بشر.
إنّ حقاً على الله ألا يرفع شيئاً من الدنيا إلا وَضَعَه
لن تستطيع أن تكون متميزاً دائماً، لن تستطيع أن تفعل كل شيء بمستوى الدقة والإتقان نفسه.
لن تستطيع أن تكون دائما أفضل من غيرك، لن تستطيع أن تكسب وتربح وتفوز دائماً.
يقول أنس - رضي الله عنه - : (كانت ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسمى العضباء وكانت لا تُسبق، فجاء أعرابي على قعود له فسابقها فسبقها، فاشتد ذلك على المسلمين، وقالوا: سُبقت العضباء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن حقاً على الله ألا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه).
لا تحاول أن تكون ظاهرة استثنائية
هذه هي القاعدة
فلا تحاول أن تكون ظاهرة استثنائية، حتى لا تكون ضحية تقليدية في معركة البحث عن الكمال، ارفق بنفسك، وتذكر أنك بشر يحمل في داخله نفساً لا تحتمل فوق طاقتها، فاتقوا الله ما استطعتم.
ما كلّف الله نفساً فوق طاقتها
ولا تجود يد إلا بما تجد
مسكين، يستدين لشراء سيارة جديدة، أو بيت كبير، أو ملابس غالية، أو أجهزة حديثة؛ ليكون الأجمل والأفضل والأول.
مسكينة، تبالغ إن أقامت مناسبة، تبالغ إن قدمت هدية، تبالغ إن تولَّت مسؤولية.
وليس في الإحسان عيب، ولكن العيب كل العيب في المبالغة والتكلُّف.
لا تُسابِق بلا خطٍ للنهاية
طالب الكمال يتعب قبل أن يبدأ، وينطفئ قبل أن يشتعل، يخطط ولا ينفذ، وإن نفذ لا يستمر.
طالب الكمال يعمل وحيدا، يعاني وحيدا، يعيش وحيدا.
لا يعجبه أحد، ولا يرضيه عمل، يعتب كثيراً، ويتذمر كثيراً، يبدع في النقد والتنظير ويخفق في العمل والتطوير.
طالب الكمال وأمثاله هم أناس يتسابقون بلا خطٍ للنهاية، ويفرضون على أنفسهم قيوداً يُكبِّلون بها راحتهم وحركتهم ويبذلون الكثير ويخسرون الكثير ليحصلوا - أحياناً - على القليل.
يا أخي ارفق بنفسك ولا تفسد حياتك.
النجاح في الإكمال، لا في طلب الكمال
كثرة المعايير تجعلك تسعى خلف الكمال، وتتحسَّس من الوقوع في الأخطاء، وتقضي على التلقائية والعفوية في حياتك، وحياة بلا تلقائية مسرحية مُملّة تنتهي بموت البطل!
اخفض معاييرك، واقبل بأن تفوز وتخسر، واقبل أن تكون الثاني وليس الأول، خفِّف معاييرك، ولا تتحسَّس من الوقوع في الخطأ، قلل معاييرك، وابدأ قبل أن تكتمل الاستعدادات، وتتوفر كل الإمكانات؛ فالنجاح في الإكمال، لا في طلب الكمال.
اقبل بالبدايات البسيطة، ولا تتوقف
اقبل بالتدرج، اقبل بالبدايات البسيطة، اقبل بالجيد، ولا تتوقف إن لم يتوفر الأجود.
لا تبالغ في الاستعداد والتحضير والتهيئة والتحسين، فمن يرد أن يقود سيارته في الليل تكفه إضاءة سيارته، ولن يكون مضطراً لإنارة المدينة كلها من أجل مشواره القصير.
عليك بالقناعة فهي ليست شمّاعة تُعلِّقُ عليها تقصيرك وأخطاءك، ولكنها شعورٌ يجعلك ترضى بالموجود بعد أن بذلت المجهود ولم تحقق المقصود.
إن طلب الكمال يجعل مساحة عالمنا صغيرة ومحدودة؛ لأنه لا يسمح لنا بأن نتعلم ونتحرك ونتدرج، لا يسمح لنا بأن نخطئ ونجرب، ومن ثم لا ننمو ونظل صغاراً.
يقول آينشتاين: (أنا لست عبقرياً ولكنني فضولي) فضولي يجرّب ويحاول، ويتعلم، ولو كان طالباً في مدرسة الكمال لما أستطاع أن يكون عبقرياً.
إن طالب الكمال يبالغ في الاستعداد حتى يفقد القدرة على الابتداء، فلا يبدأ ولا يُجرب وتظل الكثير من المشاريع والأعمال حبيسة عقله، ونسي أن الإتقان يأتي من التجربة، والتجربة تأتي من تقبل النتائج ومحاولة تحسينها.
اقبل بالأمور قبل أن تتحسن، وحسِّنها حتى تكون مقبولة
في كندا قُسِّم الطلاب إلى قسمين: وطُلِب من القسم الأول أن يصنعوا أكبر عدد ممكن من الأواني الفخارية (الأكثر هو الفائز)، وطُلب من الفريق الثاني أن يصنعوا آنية فخارية ذات جودة عالية متقَنة (الأجود هو الفائز)
وبعد انتهاء المسابقة:
وجدوا أن أجمل آنية صُنعِت كانت من إنتاج المجموعة الأولى وليس الثانية؛ لأن الإتقان والكمال هو نتيجة الأخطاء والمحاولات؛ ولأن التجارب العملية مثل درجات السلم التي تصعد بها إلى قمة الإتقان والجودة.
فاقبل بالأمور قبل أن تتحسن وحسِّنها حتى تكون مقبولة.
هناك في المنتصف تكمُن السعادة والرضا
اعلم يا صديقي، أن طالب الكمال ابتعدت أرضية واقعه وقدراته عن سماء طموحه وتطلعاته؛
فهو يتوقع بلا واقعية، ويحاول أن يعمل بمثالية، ويرجو أن يبلغ ما يريد كما يريد بلا تدرج ولا توسط.
قيل لأعرابي كيف ابنك؟ قال: (ليس في العلو كما أهوى، وليس في الدون كما أخشى) رضي بابنه لأنه جاء في المنتصف بين مستوى ما يريد ومستوى ما لا يريد، هناك في المنتصف تكمن السعادة والرضا.
فرقٌ بين الهمة والطموح، وبين المبالغة والجنوح
إن مشكلة طُلَّاب الكمال أنَّ ما يُرضيهم هو حصولهم على طموحهم، وعلى ما يريدون فقط، فإن حصلوا عليه وإلا سخطوا وتذمّروا.
لستُ ضد الهمة والطموح، ولكني ضد المبالغة والجنوح، ضد جعل رحلة النجاح مليئة بالتعاسة.
فالطموح الصحيح الصحي ينطلق عبر الهمة من أرضية الواقع؛ فالنجاح ليس وثبة ولا مجرد ضربة أو ومضة، إنه خطوات مستمرة تتعثر حيناً وتسير حيناً، حتى تصل إلى الهدف، أو قريب منه، (فإن لم يصبها وابل فطلَّ).
وقد قال النبي ﷺ "سددوا وقاربوا" رواه مسلم، أي إن لم تبلغ الصواب فاقترب منه.
لن أسعى للكمال لأنه سراب
عاهد نفسك وردِّد في داخلك:
(يوجد أفضل مني وأقل مني ولا يوجد مثلي لن أسعى أن أكون الأجمل والأحسن والأسرع والأقوى والأفضل، ولكني سأسعى أن أكون الأكثر انسجاماً مع نفسي).
لن أسعى للكمال لأنه سراب، لن أسعى للتميز دائماً لأنه محال، سأخفض معاييري إلى الحد الذي يجعلني استمتع بحياتي، سأنافس الناس إن سبقتهم سأفرح، وإن سبقوني سأجتهد، سأبدأ سأجرب سأحاول فإن نجحت فأنا بطل، وإن أخفقت فأنا بشر، وهذا كل ما في الأمر.
لا تجعل الكمال يحطِّم الآمال، ويوقف الأعمال
كل شيء بدأ صغيراً، فالكون ذرة، والسيل قطرة، والغابة بذرة، وأنا وأنت نطفة، فقيامك بما تستطيع الآن وفق ما هو ممكن ومتاح، يجعلك قادراً ـ بإذن الله ـ على الحصول على ما تريده مستقبلاً.
فلا تجعل الكمال يحطم الآمال ويوقف الأعمال ولا تجعل تلك المعايير (مساميرَ) تدُقُّ بها نعش سعادتك، فلا مرحباً بنجاح يشعرنا بالتعاسة.
#سلسلة_خطوة
#منصة_خطوة

جاري تحميل الاقتراحات...