أبو ذر الشعراني
أبو ذر الشعراني

@Zezo_Twitt

13 تغريدة 2 قراءة Sep 14, 2021
«عبقريات» | قراءة في رواية منسي
(2) - القضـــية الفلسطــينة
كان العرب في ذلك الزمان مجتمعين لنصرة القضية الفلسطينية وتأييد كفاح الجزائر الذي كان أينع وحان قطافه، ومختلفين علي كل ما عاداهما.لكنني كنت غض الإهاب جداً، وكذلك العالم العربي، ومصر وسورية متحديتين، ودمشق "الفيحاء" فيحاء
بحق وحقيقة، والقاهرة الظافرة تصنع أحلاماً كلها قريبة المنال. صلاح جاهين يكتب وأم كلثوم تغني وعبدالوهاب. وصباح تهتف كأنها تصدق القول " أنا عارفة السكة لوحديه، من الموسكي لسوق الحميدية " مسكين سوق الحميدية، كان تلك الأيام حول الجامع الأموي العتيق كما كان أيام هشام بن عبدالملك.
لم يكونوا قد أزالوا بعد. ذلك الماضي السحيق العريق، ولم يشقو طرق الأسفلت. ولبنان كأنه في حلم جميل لن ينتهي. المال يتدفق من كل الجهات، كما قال الشاعر القطري" البيب فاض ومصب السيل لبنان" والليرة مثل الذهب، ونساء بيروت على طول الساحل يستقبلن شمس البحر المتوسط وكأنه ذلك الزمان الرغد
سوف يدوم إلي الأبد، وكان أخونا نزار قبّاني يكتب شعراً يبكى العذارى في خدورهن، ويجعل العجائز يتحسرن على شبابهن.
وفي الطريق إلي قاعة المناظرة طلب مني منسي شوية معلومات عن فلسطين والقضية وقد تبقى من المُناظرة نصف ساعة، وقد كان في المقابل ينافسه " ريتشارد كروسمان" أحد مفكري اليسار
المعدودين، ومن المنظرين الكبار في حزب العمال وقد إمتلأت القاعة بالخلق والذين لم يجدوا أماكن وقفوا في الطرقات والردهات سفراء عرب وأجانب وصحافيون وأعضاء برلمان ومصورون. فخطا كروسمان نحو المنصة بقامته المديدة، وسط زوبعة من التأييد، تحدث بصوت أجش تميز به، وأسلوب جمع فيه وقار أستاذ
سابق في جامعة أكسفورد، ودهاء سياسي متمرس تعلم الصنعة في حزب العمال وغمار معارك مجلس العموم. وعندما إنتهى كروسمان وهدأت القاعة وأخذ الجميع أنفاسه؛ أرسلنا فارسنا التعبان منسي وهو لا يعرف عن قضية فلسطين أكثر مما يعرف راعي الإبل في بادية كردفان. ماذا يصنع حامي حمى العروبة، فارسنا
التعبان "منسي" في مواجهة هذا "العلج" الجبار؟ ولما فرق ريتشارد كروسمان، تأكد لي أن قضية فلسطين قد خُذلت تلك الليلة في تلك الساحة.
بعد ذلك حدث أمراً عجيب لا أذكر بوضوح كيف حدث، ولكنني أذكر "علج" الصهيونية الجبار، قد تقلص وصغر، يفتح فمه ويغلقه كأنه فقد القدرة على الكلام، وقد إحمّر
وجهه وسال العرق على جبينه، وفارسنا منسي، قد تحول إلي سبع كاسر، يجري غادياً رائحاً من آخر القاعة إلي المنصة يشير بيدية، ويشب في حلق الرجل ويكاد يضع إصبعه في عينيه، ويلح في سؤاله : « قل لي..هل أنت بريطاني أم إسرائيلي؟ » يزداد وجه كروسمان إحمراراً، وصاحبنا "منسي" يرمح كالغزال، يمد
كرشه للأمام ومؤخرته للوراء، ويدير عينيه اللتين زادتا إتساعاً في القاعة وقد حلّت عليه طاقة لا أدرى من أين جاء بها.
« نحن نعلم أنك يهودي.. لا إعتراض لنا في ذلك. من حق كل إنسان أن يكون كما يشاء... نحن لسنا ضد اليهود.. لكن نُريد أن نفهم ولاؤك لمن؟ بريطانيا أم إسرائيل؟ »
لم يكن
ريتشارد كروسمان يهودياً حسب علمي، ولكنه كان من الواضح أن "منسي" أراد أن يزعزع الثقة في مصداقيته ويمزِّق ثوب الوقار والإحترام الذي يكسوه. وقد نجح في ذلك تماماً. حوّل المناظرة إلى مهزلة،وحوّل خصمه إلي شيء يثير الضحك. ولما عُدت الأصوات؛إنتصر. وكان ذلك النصر دليلاً آخر أضافه "منسي"
إلي ذخيرته، أن الصدق والمنطق وإتباع الأصول، لا تجدي، إنما الذي يجدي في الحياة وفي قضية فلسطين وفي كل شيء هو " الأونطة" وشغل "الحلبسة".
@rattibha
رتب

جاري تحميل الاقتراحات...