غِياث
غِياث

@Mme_3455

33 تغريدة 142 قراءة Sep 12, 2021
في نجد
تنبت الأزهار بدموع أهلها
وهذه الزهرة قد سقتها دموع نورة الحوشان
التي وقفت ذات يوم وفيها لوعة العشاق وألم الفراق فقالت:
يا عين هلي صافي الدمع هليه
واليا قضى صافيه هاتي سريبه
اللي يبينا عيّت النفس تبغيه
واللي نبيه عيا البخت لا يجيبه
عاشت نورة في بيت والدها الذي هو قصرٌ كبيرٌ من الطين على عادة بيوت نجد، وكان أبوها سيد قومه
فما إن بلغت نورة سنّ الزواج فإذا بالرجال يتوافدون مجلس أبيها فقد بلغهم عنها رجاحة العقل وكمال الدين وفصاحة اللسان والجمال.
ومن بين هؤلاء الرجال أتى الشاب عبود بن علي ابن سويلم
شابًا من أواسط القوم مادة ليسَ بالغني ولا بالفقير،
ولكن يبلغهم عنه أنه رجلٌ كريم ذو مروءة لا يرضى الذلة ولا المهانة يمتلك مزرعةً يعمل بها بنفسه.
فقبل به والد نورة وسيقت إليه العروس فلما رآها سكنت قلبه وملأت عينه، وقد كان له من قلبها ما لم يكن للرجال من قبله، وفي قلوب النساء موضعٌ لا يسعه إلا رجلٌ واحد،
فإذا دخل عليها قال:
"هيش" كعادة أهل نجد، فترى في تلك الكلمة حياة وسعادة يغبطونها عليها الأميرات.
فعاشوا في تلك المزرعة أيامًا من الحب والمودة، يستيقظون فجرًا فيعملون عليها، وتمر الأيام فيخرج من رحم هذا الحب ولدٌ أسموه حوشان ثم طامي ثم فتاةٌ صغيرةٌ أسموها سارة.
مر الزمان وغيرت عبود صروف الأيام، فوجدت نورة من هذا في قلبها ألمًا وحرقة إلا أنها تجاهلت هذا الذي وجدته حتى خُيّل لها أنه زال وسرعان ما عاد، فكأن عبود أصبح رجلًا غير الرجل؛ لم يعد يزن كلماته وجعل ينال من نورة حتى ذهبت عن تلك المزرعة ألفتها.
وما تغير عبود من بغض استحوذَ قلبه، لا والله بل إن حبها ساكن فيه لا يغيره شيء، ولكن طبيعة الحياة في تلك الفترة والزمان صعبة؛ فأعمال المزرعة الشاقة التي يعملها بنفسه، تحكم عليه أن يخرج تلك الغلظة.
وفي يومٍ من الأيام غضب عبود جدًا وضرب نورة وطلقها ثلاثًا، ففجعت نورة من مصيبتها فأخذت تتخبط في مشيتها وتوقظ أبناءها وكأني بها يسألونها أين نحن ذاهبون في هذا الليل؟ فلا تستطيع لهم جوابا.
حملت سارة في يدها وحملت جرحها في قلبها
وطامي يمشي بجنبها وحوشان أمامها خارجةً من تلك المزرعة التي عاشت فيها أجمل أيام حياتها.
فقصدت بيت أبيها وقد توفاه الله، فدخلته فإذا به قد خلا من الأنس، وقد كانت تدخله مع زوجها وأبنائها وأبوها حيّ فيسر قلبها وتقر عينها، وما ظنت أنه سيأتي يومٌ مثل هذا.
وعبود تقلب ليلته كلها فما استطاع النوم، وكيف ينام وقد خلا المكان من نورة؟ فأصبح وإذا بالمزرعة وكأنها أصبحت أثرًا بعد عين، ونورة ليست بها.
فبعد أيام علم أن الحياة بعد نورة ليست بحياة
فذهب إلى دياره وانتظر في طريقها لتروي
فإذا بها قد أتت حاملةً دلو على رأسها حتى تمليه ماء، فلما رآها أراد الحديث معها فقال:
مسيتِ بالخير
فلم ترد عليه
وعاد إلى هذا المكان أكثر من مرة يحاول حديثها وهي لا تكلمه
فإذا به والحزن والندم قد بان على وجهه
فيخرج من المزرعة ويصعد إلى "الجذيبة" وهو ارتفاع بسيط سهل الصعود إليه فقال:
أمس الضحى عديت راس الجذيبه
لا عاد مرقاها حضر كل ما غاب
والدمع من عيني تزايد صبيبه
صبيب محناب تقفاه سكاب
أنحب نحيب الورق ما جاب أجيبه
وأقنب كما ذيب تعالا بمرقاب
إن مت يا ناصر تراني صويبه
تراي عند منقش الكف بخضاب
زاوي حشاه من المتون اللبيبه
مستقطع الزين عن ترع الاَرقاب
وإذا بالقصيد يصل إلى نورة وفي قلبها أضعاف ما في قلبه ولكنه أمرًا ليسَ بيديهما فقد طلقها ثلاث ولا تعود إليه إلا إن تزوجت من غيره.
في تلك الفترة انتشر خبر طلاق نورة
وامرأة مثل نورة الجميع يتمناها فبدا يأتيها الخطاب فتردهم، وعلى هذه الحال لمدة أيام حتى أيسوا منها إلا رجل من علية القوم وأثريائهم سمين ضخم قد جاوز الستين، يأتي ويعطي أبناءها من الأشياء التي لم يروها.
ويأتي بقوت البيت من خضار وفواكه وتمر
يريد بذلك التقرب من نورة لخطبتها
فعرض عليها الزواج فردته
وما يزال كل يوم يجيئ بمثل ما يجيئ به
ويعرض الزواج فترده
حتى أتى ذلك اليوم ومعه الأشياء فردتها وقالت:
هماي قلت لك زوجي برجع له
فاتنشدت وهي خلف الباب:
قلبي يحب صويحبي مير يكوين
مكوًا يبين الجرح به قبل دمه
أبغيه لو هو يطبخن ثم يشوين
يبرد لهيب القلب قربه ولمه
ثم تتذكره وهو يدخل عليها ويقول: "هيش" فتكمل:
يا حلو قولة هيش يا ويش تبغين
أحلى من الورع المغاغي على أمه
فأصاب ذلك الرجل من حديثها وعلم أنها لا تقبل به
فكل منهما يريد الآخر ويتقطع شوقًا له
ولكن ما لأمر الله رادع، فهذا عبود كلما غفت عينه وجد نورة بقربه مرةً تعاتبه ومرةً تلاطفه وكلما استيقظ تألم أن اللقاء ذلك كان حلمًا فقال:
يا مل قلبًا حب نورة تغشلاه
تومي به أو ماي الهوا بالشراعِ
إن نمت عندي وان توعيت ما القاه -طيف نورة-
ما أسج عن طرياه لو كان واعي
ياللي تعرف الحب هو كيف معناه
هو خلف ولا ولف ولا انهزاعِ
قلبي غدا بهداه ما ينفع دواه
وأن جاه من ينهاه زاد الجلاعي
وتمر الأيام والأشهر فتدعو إحدى صديقات نورةَ نورةً لزيارتها فترفض الدعوة، وهكذا أكثر من مرة إلى أن كثرت عليها فوافقت، وما كان رفضها إلا أن الطريق التي تسلكه حتى تصل صديقتها يمرّ بعبق تلك الايأم الجميلة طريقها يمرّ بمزرعة عبود.
فذهبت نورة ووصلت بيت صديقتها وحينما أتى العصير قريب الغروب ذهبت ومرّت بالمزرعة ورأت عبود من بعيد يعمل بالمزرعة، فأخبرت أبناءها أن يذهبوا ويسلموا على أبيهم.
وعبود بالمزرعة يسمع أصوات خطوات الأطفال فيسر قلبه بهم أن عادوا إلى المزرعة فيتلقفهم بالأحضان، ويسألهم عن نورة فيخبرونه أنها تنتظرهم خارج المزرعة
ونورة من فوق الجذيبة تنظر إلى ذلك المشهد وقلبها يتقطع شوقًا؛ ترى المزرعة وأبناءها وزوجها كل ذكريات حياتها الجميلة شهدتها تلك النخل أفلا تتكلم كيف أنها هنا ضحكت وهنا عشقت وهنا حملت وأنجبت وهنا جُرِحَت وطُلِّقت وأُخرِجت.
فإذا بها تبكي بكاءً له لَهُ نحيب -أي صوت- ويرتفع بكاؤها وكأني بها تضع يدها على فمها حتى لا يخرج الصوت وتبكي حتى ابتلت الأرض، فإذا بعبود وأبنائها يأتون وقد تكشفت فتستر نفسها بالعباءة السوداء ويسلم عليها عبود ولا ترد وفِي يده عذق من التمر من ذلك النخل.
فأخذه حوشان وأخذت سارة وطامي وذهبت وعبود واقف ينظر لهم وهي تغادر والشمس تغيب فتمحي صورتهم ظلام الليل وكأنها رسالةً من الله أن تلك العائلة لن تعود لك يا عبود
وغادرت نورة وهي تبكي وتسقط دموعها على ابنتها سارة وهي بين يديها ويزيد بكاؤها فقالت هنا قصيدتها الشهيرة:
يا عين هلي صافي الدمع هليه
وإليا قضى صافيه هاتي سريبه
ياعين شوفي زرع خلك وراعيه
هذي معاويده وهذي قليبه
البارحة لا مال رايه نماليه
واليوم جيتهم علينا صعيبة
إن مرني بالدرب مقدر أحاكيه
مصيبةً يا كبرها من مصيبة
اللي يبينا عيت النفس تبغيه
واللي نبيه عيا البخت لا يجيبه
ولأن قصتهم ليست من روايات الكُتّاب ووحي خيالاتهم بل هي الحقيقة والواقع، فإن عبود ونورة لم يجتمعا في حياتهما مجددًا ولم يعودا لبعضهما إلى أن توفاهما الله، رحمهما الله وغفر لهما.
-غِياث
@marwan_m10 يا حبيبي يا مروان

جاري تحميل الاقتراحات...