الإعلانات التجارية مادة دسمة يمكن أن يستشف منها قضايا فلسفية عميقة ومعقدة، الفيلسوف المعاصر المثير للجدل سلافوي جيجك يستمد بعض رؤاه منها، ولا يجد غضاضة بأن يحيل إلى بعضها.
لنتأمل مثلا كيف الإعلانات التجارية تقدم المرأة السعودية، تقننها في إطار الثقافة العامة، مع ذلك، تخضع لأدبيات الإعلان والتسويق، فتحرص أكثرها أن تقدم امرأة حسنة المظهر (بل تسعى الكاميرا بالفلترة وعمل ما قبلها من ميك أب بأن تظهرها هكذا)، لكن متحجبة!
طبعا هنا لستُ في معرض أن أتخذ حكما قيميا، وإنما فهم كيف تعمل الثقافة وما يمكن أن نستشف منها فلسفيا. نجد المرأة الأوربية (بل حتى العربية في بعض البلدان) تظهر بصورة مخالفة جدا، حتى لو بث نفس الإعلان لذات المتلقي (هنا مثلا السعودي).
لنأخذ على سبيل المثال، تلك السيدة السعودية التي أرادت فقط أن ترقص مع فرقة شعبية، وكيف رفض ذلك، والاستهجان الشعبي الذي وجه لتصرفها (أحيانا من النساء السعوديات!)، البعض وجد في ذلك تناقضا، لأن ذلك لن يحدث لو كانت هذه السيدة أجنية؟!
بل ربما نجد مثالا أكثر تطرفا من ذلك، عائلة من طبقة "ارستقراطية" سعودية، تفتخر بأن أبنهم تزوج من غربية (ليست عذراء وقد لا تعرف حتى ابيها أو أمها أو كليهما معا!).
مع ذلك، قد تلجأ هذه العائلة لقانون عدم تكافؤ النسب، ناهيك عن هوس العذرية، إن أراد ابنهم هذا أن يتزوج مثلها لكن سعودية
مع ذلك، قد تلجأ هذه العائلة لقانون عدم تكافؤ النسب، ناهيك عن هوس العذرية، إن أراد ابنهم هذا أن يتزوج مثلها لكن سعودية
قد يبدو هذا تناقضا للوهلة الأولى، لكن يبدو لي أنه يحتاج إلى تحليل أكثر عمقا لفهم هذا السلوك أو الموقف الثقافي-الاجتماعي، من دون الإلتجاء إلى التفسيرات الكليشية (عادات وتقاليد وتخلف الخ).
من ضمن ما قد يفسر لنا ذلك، هو أنه يفرض على الفرد بشكل ربما لا يكون واعيا تماما "تصورات" تتأتت من جيزه الثقافي الاجتماعي، وليس -كما يسوق لها عادة- بأنها تصورات متعالية.
هذا يفسر لماذا الديني لا يعمل في الكثير من الحالات عندما لا يتسق مع الاجتماعي الثقافي، الدين الإسلامي ((من حيث الخطاب الديني)) يرى بأن الزاني والزانية سواء، لكن اجتماعيا لا يُنظر للأمر بنفس المنظار.
نجد بعض الأصوات النسوية مثلا تنتقد هذا التناقض، لأنها ترى بأن المرأة تصور واحد، لكن في الواقع الثقافي الاجتماعي، تصور المرأة (وكذلك الرجل في جوانب أخرى) ليس تصورا جندريا، بل هو تصور يتأثر بالأحرى بالثقافي الاجتماعي.
في مثالنا، ليس هناك وجود للمرأة وإنما امرأة سعودية وامرأة غربية!
في مثالنا، ليس هناك وجود للمرأة وإنما امرأة سعودية وامرأة غربية!
إذن المسألة هنا ليست عن"المرأة"كجنس جندري، وليس كذلك عن العادات والتقاليد هكذا وحسب(لو كانت كذلك، لما استطعنا ان نفهم لماذا العربي يتسامح مع المرأة الغربية إذ اخلت بشروط الزوجة المثالية ولا يفعل ذلك للمرأة العربية)، وإنما "التصورات" التي يخلقها الفضاء الثقافي الاجتماعي بصفة عامة.
لذا اللغة أحيانا قد تكون مضللة، عندما نحلل لفظة وكأنها عابرة للثقافات والتاريخ، مثل أن نظن أن لفظة المرأة تعني ذات الشيء عند ذات المتلقي(أو المتلقين)ولا تعني كذلك المرأة في ثقافات أخرى، وانعكاس ذلك على هذا المتلقي من خارج هذه الثقافة (هنا الغربية في مثالنا)! وهذا أمر يحتاج تفكير.
جاري تحميل الاقتراحات...