أ.د. طلال الطريفي
أ.د. طلال الطريفي

@AltorifiTalal

25 تغريدة 26 قراءة Sep 02, 2021
(1-25)
الذابح الأرمنية
الملف المُخجل في ذاكرة التاريخ التركي الحديث
(الجزء الثاني)
تسلَّم عبدالحميد الثاني الدولة العثمانية سنة (1876)، وكانت إحدى الملفات المقلقة له القضية الأرمنية،مع تصاعد المطالبات الدولية بتحسين وضع الأرمن في حدود دولتهوحمايتهم من تعديات القوميات الأخرى.
(2-25)
واجه عبدالحميد الأمر وضُمِّن في معاهدتي سان استيفانو وبرلين سنة (1878)، بحيث يتم تحسين وضع الأرمن ضمن بنودها وحماية مناطقهم التي يعيشون فيها، وقد قُدِّر عددهم ذلك الوقت بحوالي ثلاثة ملايين أرمني يعيشون ضمن الدولة العثمانية.
(3-25)
لم يكن عبدالحميد جادًا مع الملف الأرمني بمقابل المطالبات الدولية، لذا لم يكن الأرمن ليهدأوا لعدم الالتزام العثماني الدولي، وبالتالي تحركوا ومنهم مجموعة من الطلبة وكونوا جمعية الوطنيين وجمعيات سرية أخرى سنة (1880) تُطالب باحترام قوميتهم، وتنفيذ التزامات الدولة تجاههم.
(4-25)
ولأن السلطان كان يعاني من شخصية مضطربة، وردة فعل مُبالغ فيها تجاه القضايا السياسية؛ واجه تحركات الأرمن بانفعال وشدة، تقضي إلى أن قضيتهم لن تُحل سوى بإزالة الأرمن عن الوجود، وبالتالي حاول تحقيق هذه السياسة غير الإنسانية بتشكيل فرق عسكرية أطلق عليها (الفرسان الحميدية).
(5-25)
أُلِّفت فرق (الفرسان الحميدية) من قوميات غير تركية من شركس وألبان وكُرد وغيرهم، وأُقنعوا بتحقيق هدفهم بتأديب العُصاة وقمع التمردات، لذا عمل السلطان على توسيع نشاطهم وتجهيزهم بما يحقق ما يطمح إليه، إذ بدأت الفرسان بـ 40 كتيبة سنة (1892) ووصلت إلى 63 كتيبة سنة (1899).
(6-25)
ومن خلال ذلك كان عبدالحميد الثاني يعمل على تدبير المكائد للأرمن، وفي الوقت نفسه يُماطل الدول الأوروبية في تنفيذ الإصلاحات المفروضة عليه تجاههم، لذا استفزَّهم بتوطين الأكراد في أراضي الأرمن، ما دعاهم إلى القيام بالثورة ضد الدولة العثمانية.
(7-25)
عيَّنت الدول الأوروبية لجنة للتحقيق في المسألة الأرمنية إبان الثورة على توطين عبدالحميد للأكراد في أراضيهم، لكن فرسان عبدالحميد بدأوا عملهم سنة (1889) بسلب ونهب قرى الأرمن في ديار بكر على يد الأكراد، في الوقت الذي غضَّت الحكومة العثمانية الطرف عما يجري في حدودها.
(8-25)
ازداد وضع الأرمن سوءًا بانعدام الأمن في قراهم وأراضيهم وبينهم، خاصةً سنة (1894) حين تعمد الأكراد بدعم من السلطان لإحراق القرى والبيوت، وبعد ذلك بسنة (1895) بدأت فرق الفرسان هجومها المنظم على الأرمن، وهذه المرة بهدف إقامة المذابح والقتل في حق الأرمن.
(9-25)
وفي سنة (1896) يُقدَّر عدد الأرمن الذين قتلوا على يد (الفرسان الحميدية) قرابة 100 ألف أرمني، ما دعا الدول الأوروبية ومنها: بريطانيا وفرنسا إلى إدانة هذه المذابح واعتبارها جرائم يجب الوقوف في وجهها ووجه الدولة العثمانية التي تقف صامتة أمام كل ما يحدث.
(10-25)
وكعادة عبدالحميد الثاني، تعامل مع الموقف بكل خبثٍ ووحشية من دون أيِّ إنسانية ولا رحمة تجاه الأرواح البريئة التي كانت تُزهق حينها، حيث عمل على المماطلة وتخدير الدول الأوروبية بالمخاطبات، في الوقت الذي كانت فيه المذابح تُقام بشكلٍ مكثف ضد الأرمن.
(11-25)
ضغط المجتمع الدولي، وخاصةً الأوروبي على عبدالحميد الثاني بما يخص الملف الأرمني، حتى اقتنع بأنه حقق شيئًا من دمويته في المذابح التي هندس لها، وبالتالي توقف في نهايات القرن التاسع عشر، وأوقف نشاط فرسانه الذين رعاهم لتنفيذ مهامه الإجرامية.
(12-25)
وخلال السنوات الأولى من القرن العشرين، وتحديدًا سنة (1908) فُرض على العثمانيين وعبدالحميد إعلان الدستور، الذي كان ضمن مبادئة وبنوده منح قوميات الدولة العثمانية حقوقها بلا تمييز ديني أو عرقي، وتُعد هذه القوميات كثيرة تحت نير العثمانيين، التي منها القومية الأرمنية.
(13-25)
كان ذلك في السنة الأخير لعبدالحميد، لكنها السنة التي عادت فيها الفوضى، ومنها تجدد حالة الصراع بين الدولة والأرمن، والتي قُتل فيها قرابة 30 ألف أرمني. لذا لم تهدأ حالة الفوضى ولا الصراع مع الأرمن سوى بعد أن أعلنت جمعية الاتحاد والترقي عزل عبدالحميد سنة (1909).
(14-25)
الاتحاديون لم يكونوا أرحم من السلطان المعزول ولا أقل عنصريةً منه، حيث عملوا على سياسة المماطلة تجاه الملف الأرمني فيما يتعلق بالإصلاحات، على الرغم من أن الأرمن دعموا الاتحاديين مقابل ما وعدوهم به من دعمٍ لقضيتهم وقوميتهم.
(15-25)
انشغل الاتحاديون بقوميتهم وطورانيتهم وتتريك الشعوب غير التركية، على الرغم من أنهم أعلنوا عن مشروعٍ إصلاحيٍ في الأراضي الأرمنية ضمن حدودهم سنة (1914) بمراقبة دولية لاحتواء الأرمن شكليًا، خاصةً بعد أن تصاعدت نبرة الاستياء الأرمني جراء تهميش الاتحاديين لهم.
(16-25)
فسر الاتحاديون الرد الأرمني كخيانة، حيث صعدوا النبرة العنصرية التي أجبرتهم على تهجير الأرمن من حدودهم بإشاعة هروب الأرمن المجندين من الجيش وانضمامهم للروس، وأعلنوا ذلك في ولاياتهم التي استجابت عدا والي دير الزور علي باي الذي رفض قتل الأرمن وإبادتهم فعزل عن ولايته.
(17-25)
لذا تقول أدبيات الأرمن: "تقضي المروءة بأن تُسجل للعرب عامة وللسوريين خاصة ما أظهروه من شهامةٍ وعطف أيام محنتنا لن ينساها الأرمن مدى الحياة، فقد آووا في بيوتهم الكثيرين من اليتامى والمشردين إلى أن انقشعت الغُمة".
(18-25)
أصرَّ الأتراك على تهجير الأرمن وقتل من يمتنع منهم، وتسلم الملف أكثر الأتراك دمويةً وظلمًا وزير الداخلية والصدر الأعظم طلعت باشا، يُساند أنور باشا وجمال باشا السفاح، وقد أشرف على التهجير طلعت بنفسه، وصادر الممتلكات الأرمنية.
(19-25)
تُدين كثير من الوثائق طلعت باشا ورفاقه، منها البرقية التي أرسلها لوالي حلب سنة (1915) يأمره بإبادة الأرمن بطريقةٍ سرية، وتعدى الأمر إلى أن وصل عدد القرى التي هجر منها الأرمن 80 قرية ومدينة، حتى أنهم حفروا الخنادق حول الأرمن وقضوا عليهم ودفنوهم.
(20-25)
أعدم الأتراك كثيرًا من الأرمن الأبرياء، ومنهم الرؤوساء والأدباء والشعراء والصحافيين والبرلمانيين والمحاميين، بعد أن اقتادوهم من منازلهم ليلاً ونفذوا فيهم حق الإعدام، ليصل عدد الأرمن الذين تضرروا وقتلوا حينها إلى مليون ونصف المليون أرمني، كان مصير مليون منهم الإعدام.
(21-25)
تحتفظ ذاكرة الصحافة العالمية والعربية منها بعددٍ من التدوينات التوثيقية لحجم المأساة التي تعرض لها الأرمن على يد جميعة الاتحاد والترقي التركية وقادتها خلال الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، والتي كانت تصف المشهد بتفاصيل مُحزنة ومخزية في الوقت نفسه.
(22-25)
نجح الاتحاديون في تحقيق سياستهم العنصرية ضد الأرمن بكل اقتدار، وبوحشيةٍ لا تختلف عن وحشية أسلافهم وقسوتهم ولا إنسانيتهم، وقد عمل الاتحاديون على متابعة الملف الأرمني خلال سنوات الحرب للوصول إلى نتائج مرضية لعنصريتهم في الإبادة الممنهجة ضد الأرمن.
(23-25)
وإذا ما أردنا أن نتخيل الجريمة التي ارتكبها الأتراك ضد الأرمن؛ فعلينا أن نتتبع سياستهم في الإبادة وغيرهم، فحالة التهجير التي فرضوها على الأرمن، كانت لا تقل عن وحشية الإبادة والقتل، لأنهم عملوا على تهجيرهم وهم يعلمون يقينًا أنهم لن يصلوا إلى الوجهات التي يحدونهم عليها.
(24-25)
وهذا ما جعل الأرمن المهجرين يمرون بعذابات لا يمكن تخيلها، ليغادرون أراضيهم إلى وجهةٍ مجهولة، ومن حدود والي عثماني إلى والي آخر، جميعهم يريدون استرضاء قادتهم الاتحاديين بتحقيق جريمة يطرب لها قادته، إما بالقتل علنًا وسرًا أو توجيه الأرمن لوجهات بعيدة تحقق المجاعة والموت.
(25-25)
رحلة من العذاب والقسوة عاشها الأرمن خلال الحرب العالمية الأولى؛ افتعلها الأتراك من دون أن يراعوا نتائجها، ولا المصير الذي سينتظر القائمين عليها، حيث قُضي على القادة الأبرز الذين قادوا الإبادة الأرمنية على يد الأرمن أنفسهم. ليبقى الملف الأرمني مخجلاً للذاكرة التركية.

جاري تحميل الاقتراحات...