إن الخلافات المذهبية - بل والفكرية بكافة مجالاتها – بين البشر قديمة ومستمرة، تتجدد بطبيعتها وتتطور ولكنها لا تنقطع أبداً، قد استخدمت ووظفت من قبل كافة الأطراف السياسية والدينية وغيرها لغايات حسنة وأخرى قبيحة،
=
=
ولذلك يرى البعض الجدال فيها شر حري بالعقلاء تجنبه، ويراه آخر خير وعمل مقدس يجدر بنا الاجتهاد فيه، وبين هذا وذاك تتعدد الرؤى، والحق أنه خير وشر بحسب أغراضه وأسلوبه؛
=
=
فالجدال إذا كان مبنياً على أسس علمية ومنهج سليم وأسلوب يتسم بالاحترام والصدق والإنصاف فإنه يساهم في هدم الحواجز بين المختلفين، ويؤدي إلى تفاهم الأطراف، وإلا كان سبباً وباباً للشرور.
=
=
فإذا اتضح ذلك تتبين أهمية المناهج المتبعة في بحث الخلافات بشكل عام، فإذا صلح المنهج صلح البحث، وإذا فسد فسد، ومما يجدر التأسف عليه واقعُ الأبحاث الفكرية عموماً وأبحاث الخلاف السني الشيعي خصوصاً، فقد وجدتها في عادتها غنية بالمغالطات والتحامل مفتقرة إلى الدقة والإنصاف،
=
=
ولذا ارتأيت أن أشرع بكتابة سلسلة من المقالات –هذا أولها– لطرح منهج مقترح لدراسة الخلاف السني الشيعي، سائلاً الله عز وجل لي ولكم التوفيق.
=
=
إن أول خطوات البحث والمقارنة بين المذهبين -بعد إخلاص النية لله وقصد الوصول للحق والحقيقة وتجنب المهاترات والاصطفاف الطائفي-
هي (فهم كل مذهب كما يفهمه أهله)، فنفهم المذهب السني كما يفهمه أهل السنة لا كما يتصوره الشيعة، ونفهم المذهب الشيعي كما يفهمه الشيعة لا كما يتصوره أهل السنة،=
هي (فهم كل مذهب كما يفهمه أهله)، فنفهم المذهب السني كما يفهمه أهل السنة لا كما يتصوره الشيعة، ونفهم المذهب الشيعي كما يفهمه الشيعة لا كما يتصوره أهل السنة،=
ولا يكون ذلك إلا بما يلي :-
◾ (1) أخذ المذهب من أهله لا من خصومه. ◾
من غير الطبيعي أن نكتفي بقراءة كتاب شيعي يرد على أهل السنة ثم نقول إننا قد بحثنا في الخلاف السني الشيعي وفهمنا المذهب السني، =
◾ (1) أخذ المذهب من أهله لا من خصومه. ◾
من غير الطبيعي أن نكتفي بقراءة كتاب شيعي يرد على أهل السنة ثم نقول إننا قد بحثنا في الخلاف السني الشيعي وفهمنا المذهب السني، =
وكذلك من غيرالطبيعي قراءة كتاب سني يرد على الشيعة والاعتماد عليه في دراسة وفهم المذهب الشيعي، بل يجب أخذ كل مذهب من كتبه، فإن المخالف لعقيدة مهما حاول الانصاف واجتهد لن يكون كصاحب العقيدة نفسه، ولن يؤمن جانبه من الخطأ.
=
=
وقد وجدت أكثر الكتاب الخلافية من الطرفين مليئة بالمغالطات الناتجة عن سوء فهم الرأي المقابل، بل وجدنا أكاذيب صرفة -تعمد صاحبها الكذب أم لا!-،
=
=
ككلام ابن تيمية في منهاجه -والذي يعتبر من أكبر الكتب في هذا المجال- الجزء الأول صفحة 38:
«ومثل كونهم يكرهون التكلم بلفظ العشرة أو فعل شيء يكون عشرة، حتى في البناء لا يبنون على عشرة أعمدة ولا بعشرة جذوع ونحو ذلك لكونهم يبغضون خيار الصحابة وهم العشرة المشهود لهم بالجنة»
=
«ومثل كونهم يكرهون التكلم بلفظ العشرة أو فعل شيء يكون عشرة، حتى في البناء لا يبنون على عشرة أعمدة ولا بعشرة جذوع ونحو ذلك لكونهم يبغضون خيار الصحابة وهم العشرة المشهود لهم بالجنة»
=
فمن الواضح بطلان هذا الادعاء على سخفه وسفهه لخلو كتب الشيعة منه، وتكفي لإبطاله نظرة سريعة لأحد مصادر الحديث المعتمدة عند الشيعة وهو كتاب الخصال للشيخ الصدوق باب العشرة؛ وأذكر عشرة من عناوينه:
=
=
(أسماء النبي صلى الله عليه وآله عشرة، عشرة خصال من صفات الإمام، العافية عشرة أجزاء، الزهد عشرة أجزاء، الحياء عشرة أجزاء، للمرأة صبر عشرة رجال، الصلاة على عشرة أوجه، ثواب من حج عشر حجج، ثواب من أذن عشر سنين محتسباً، =
ما فرض على كل مسلم أن يقوله كل يوم قبل طلوع الشمس عشر مرات وقبل غروبها عشر مرات.) !
=
=
2- أن نأخذ العقيدة كما يفهمها أهلها لا كما نفهمها نحن.
لكل مذهب مصادر خاصة للحديث، يستقي منها أهل المذهب عقائدهم وأحكامهم ويلتزمون بما فيها، ولكن هذا لا يعني أن كل ما قد يستنبط من تلك الأحاديث يُلزم به أهل ذلك المذهب،
=
لكل مذهب مصادر خاصة للحديث، يستقي منها أهل المذهب عقائدهم وأحكامهم ويلتزمون بما فيها، ولكن هذا لا يعني أن كل ما قد يستنبط من تلك الأحاديث يُلزم به أهل ذلك المذهب،
=
فلا يمكن أن يستنبط الباحث عقيدة من نصوص مذهب ثم يقول أن هذه عقيدتهم، جل ما يمكن أن يقال هنا أنه يلزمهم الإيمان بكذا وكذا، فإن التزموا كان بها وإلا فلا يمكن نسبة الكلام لهم.
=
=
ومن المشاكل التي وقع بها كثير من الباحثين بسبب غفلتهم أو تغافلهم عن هذه النقطة نسبة القول بـ«تحريف القرآن» لكثير من علماء الشيعة؛ كالكليني والصدوق، لمجرد روايتهم لأحاديث فهم منها ذلك الباحث القول بتحريف القرآن، ورأى أن هذا ظاهر معناها، ثم جر هذه النسبة على عموم الشيعة بعلمائهم =
وعوامهم، متجاهلاً إنكار الشيعة بل وإنكار الصدوق نفسه لهذا المعنى، وتوجيههم لتلك الأحاديث لمعاني أخرى.
=
=
◾ 3- أخذ الخلاف داخل المذهب الواحد بعين الاعتبار.◾
من الطبيعي أن يختلف أهل المذهب الواحد في بعض المسائل الفقهية أو العقدية، وفي هذه الحالة يجب أخذ هذا الخلاف بعين الاعتبار، فلا ينسب قول لمذهب إلا إذا كان محل اتفاق بينهم أو يكون القول قول الجمهور،
=
من الطبيعي أن يختلف أهل المذهب الواحد في بعض المسائل الفقهية أو العقدية، وفي هذه الحالة يجب أخذ هذا الخلاف بعين الاعتبار، فلا ينسب قول لمذهب إلا إذا كان محل اتفاق بينهم أو يكون القول قول الجمهور،
=
أما أن يأتي الباحث إلى قول مختلف فيه أو قول شاذ فينسبه إلى المذهب فليس ذلك من الانصاف في شيء.
=
=
وقد وجدنا ذلك منتشراً في النقاشات والمهاترات بين المذهبين وفي الكتب المتعلقة بالخلاف السني الشيعي؛ وذلك كنسبة تعطيل صلاة الجمعة للشيعة في عصر الغيبة، فهي مسألة خلافية دأب الخصم على التمسك بقول من ذهب إلى عدم مشروعية صلاة الجمعة في عصر الغيبة وتجاهل قول من خالفه.
=
=
◾ 4- قراءة مقدار معتد به من الكتب الشارحة لعقيدة كل مذهب. ◾
من المهم أن يبدأ الباحث في هذه الخطوة بقراءة الكتب الشارحة لعقيدة كل مذهب؛ فيقرأ مثلاً كتاب شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين لفهم العقيدة السنية السلفية،
=
من المهم أن يبدأ الباحث في هذه الخطوة بقراءة الكتب الشارحة لعقيدة كل مذهب؛ فيقرأ مثلاً كتاب شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين لفهم العقيدة السنية السلفية،
=
ويقرأ كتاب أصول العقيدة للسيد محمد سعيد الحكيم لفهم العقيدة الشيعية، ويستمر في قراءة المؤلفات التي ألفها أهل كل مذهب لشرح عقيدتهم من أمثال ما ذكرت، فيعرف الباحث حينئذ ويميز بين المسائل المهمة في المذهب من المسائل الهامشية، والمسائل المتفق عليها من المسائل المختلف فيها.
=
=
فإذا كان ذلك انكشف فساد كثير من الأطروحات التي ضخمت مسائل هامشية في المذهب المراد بحثه حتى صارت من أصوله، وصغرت مسائل مصيرية فيه حتى صارت مسائل عادية، فاختلط الحابل بالنابل!
=
=
ومن أراد أمثلة فليراجع مؤلفات الدكتور ناصر القفاري الذي جعل التقية وتحريف القرآن وسب الصحابة والعصمة والغيبة (أصول دين الشيعة)، أو ليراجع المسائل التي سود بها طلال الحارثي صفحات كتابه (هل تحب أن تكون في وفد الإمام الحسين يوم القيامة؟).
=
=
◾5- التعرف على مصادر كل مذهب وقواعد أهله.◾
بعد الفراغ من الخطوة السابقة ينبغي على الباحث التعرف على مصادر الحديث والتاريخ والتفسير والتراجم وغيرها من المجالات، السنية منها والشيعية،
=
بعد الفراغ من الخطوة السابقة ينبغي على الباحث التعرف على مصادر الحديث والتاريخ والتفسير والتراجم وغيرها من المجالات، السنية منها والشيعية،
=
يكفي في ذلك أن يعرف الباحث الكتاب ووزنه العلمي وزمانه وتصنيفه (فقهي أم عقدي، في التوحيد أم الإمامة، إلخ)، كما يجب أن يعرف مقدار معتد به من قواعد أهله، كعلم الحديث مثلا، كيف يؤخذ الحديث عند أهل السنة مثلا؟ وكيف يُرد؟ وكيف يوثق الراوي وكيف يضعف؟ وكلما تعمق في هذا المجال كان أفضل=
وقد تسبب تجاهل بعض الباحثين لهذا الأمر بمغالطات في بحوثهم؛ فتجد الشيعي أحياناً يحتج بكتب لا يعترف بها أهل السنة؛ كينابيع المودة ومروج الذهب، ويحتج أحياناً بكل ما يجده في الكتب المعتبرة -كمسند أحمد- صح سنده أم لا،
=
=
وبالمقابل تجد السني يحتج على الشيعي بكل ما يجده في كتاب الكافي مثلاً، ظناً منه أن الشيعة يقبلون كل كلمة جاءت فيه كما يقبل هو بكل ما جاء في صحيحي البخاري ومسلم.
=
=
وهذا أخر المقال الأول من مقالات المنهج المقترح لبحث الخلاف السني الشيعي، لم أقصد منه الإساءة لأحد ولا المجاملة لأحد، وإنما هي نصائح عامة أرجو أن تكون ذات فائدة، وأنوي أن أكمل المنهج في مقالات القادمة بتوفيق الله وعونه، ثم أبدأ في بعض التطبيقات لهذا المنهج لتتميم الفائدة،
=
=
فإن أصبت فبتوفيق من الله وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان، والحمدلله رب العالمين.
انتهى
انتهى
جاري تحميل الاقتراحات...