اشتقت لتصديع الناس على تويتر، ولذلك جبت لي كوب شاي أخضر وأريد الحديث عن موضوع لا أعلم كم سيحتاج تويتة لكن الواحد يسمّي باسم الله ونتوكلوا.
أريد بدء هذا الحديث عن مفهوم Alpha male و beta male، خلونا نترجموها "ذكر مهيمن" و"ذكر خاضع". مفهوم مشهور ومنتشر بكثرة.
أريد بدء هذا الحديث عن مفهوم Alpha male و beta male، خلونا نترجموها "ذكر مهيمن" و"ذكر خاضع". مفهوم مشهور ومنتشر بكثرة.
المفهوم يُستخدم لوصف "طبيعة" الرجال، هذا ذكر مهيمن لذلك يتمرن حديد ويقرأ جوردان بيترسون وناجح في عمله وإلخ، وهذا ذكر خاضع تلقاه يقرا شعر ويدعم النسويّة ويبكي لما يتفرج على أفلام. يعني هذا بس نموذج لمحاولة تنشيط الذاكرة حول المفهوم.
أصحاب هذا المفهوم يزعمون أن له أساسًا علميًّا.
أصحاب هذا المفهوم يزعمون أن له أساسًا علميًّا.
الأساس العلمي المزعوم لنظرية "الذكر المهمين/الخاضع" يأتي من بحوث للعالم الأمريكي ل. ديفد ميك، عالم أحياء مُتخصّص في دراسة الذئاب. تحدّث ميك في أحد كتبه عن وجود ذكور مهيمنة وذكور خاضعة في قطعان الذئاب.
أكيد نقولوا خلاص الموضوع أهو مثبت علميًّا ولا داعي لمناقشته وأنا أصدق العلم.
أكيد نقولوا خلاص الموضوع أهو مثبت علميًّا ولا داعي لمناقشته وأنا أصدق العلم.
طبعًا المشكلة الأولى، اللي بلا شك انتبه لها المتابعون والمتابعات الشاطرين، إن هذه دراسة عن "الذئاب" مش البشر. إسقاط "طبيعة حيوانيّة" و"سلوكيات حيوانيّة" على البشر شيء غبي ولا داعي للحديث عنه، وجود "تشابهات" لا يعني إمكانية أن تدرس ذئب أو دجاجة وتقول هذا تفسير لتصرفات البشر!
المشكلة الثانية، التي يتجاهلها جماعة "خليك ذكر مهمين واسترجل"، إن دراسة ميك التي تحدثت عن ذكور مهيمنة وخاضعة عند الذئاب، كانت دراسة عن الذئاب "في الأسر"، يعني اللي موجودة في حدائق حيوان أو مراكز بحوث، مش ذئاب حرّة في الطبيعة. هذه نقطة مهمّة جدًّا.
ليش هذه النقطة مهمّة؟ مهمّة أولًا لأنها دراسة واضحة في أنها تدرس سلوكيات في بيئة معيّنة، يعني هذه ليست "سلوك الذئاب الطبيعيّة" الذئاب، وإنما هي سلوك الذئاب في بيئة مفروضة عليهم، إنها دراسة للتغييرات في سلوكيات الذئاب أكثر من كونها دراسة لسلوكياتها الطبيعية.
ومهمّة ثانيًّا لأن الأستاذ ميك، الذي ما زال يبحث ويكتب وينشر، وضّح في أعمال لاحقة أن هذا سلوك نادر إن لم يكن معدوم في الطبيعة أصلًا. وقال إن الذئاب في الأسر، فيما وصفه بأنه "قطعان مصطنعة"، قد تبرز عندهم سلوكيات منافسة وهيمنة وخضوع، ولكن القطعان في الطبيعة لا يوجد فيها ذلك.
القطعان في الطبيعة، حسب ميك، يقودها ذكر وأنثى، الأب والأم.
لكن... جماعة "الذكر المهيمن" و"الذكر الخاضع" يتجاهلون كلّ ذلك، يربطون الحيوان بالإنسان دون أساس، يتجاهلون تفصيل "في الأسر"، ويتجاهلون واقع أن صاحب الفكرة ذاته ينكرها وله بحوث أخرى مكمّلة لأعماله لم يطّلعوا عليها.
لكن... جماعة "الذكر المهيمن" و"الذكر الخاضع" يتجاهلون كلّ ذلك، يربطون الحيوان بالإنسان دون أساس، يتجاهلون تفصيل "في الأسر"، ويتجاهلون واقع أن صاحب الفكرة ذاته ينكرها وله بحوث أخرى مكمّلة لأعماله لم يطّلعوا عليها.
وهكذا تنتشر معلومة خاطئة (ليس بسبب عدم صحّة المعلومة ذاتها، العالِم ليس مسؤولًا عن تحريف الناس لكلامه وتجاهلهم لبقية بحوثه)، وتترسّخ المعلومة، وتدخل في الثقافة، ويبدأ الرجال في تأليف كتب "تنمية بشريّة" عن كيف تصير ذكر مهيمن، ويُربط ذلك بالاقتصاد والسياسة ويُسقط على المجتمع.
تُرسّخ "الذكوريّة السامّة"، الرجل العنيف المتنمّر يُبرّر عنفه وتنمره بوصفه "ذكر مهيمن"، الرجل الذي لا يرتقي لهذه المعايير المصطنعة يوصف بأنه "ذكر خاضع"، تنتشر الأمراض النفسيّة بين الرجال الذين لا يعرفون بماذا يربطون قيمتهم ويشعرون بالنقص.
ويستمر طبعًا اضطهاد المرأة، في كلّ المجالات، العنف المنزلي وحتّى جرائم القتل تُبرّر بحكم "طبيعة الرجل المهيمنة المسيطرة" (ليس التبرير الوحيد التافه، لكنه من بينها)، تٌقصى المرأة من المساهمة وتُحرم من أدوار تستحقها بسبب فكرة الحاجة لذكر مهيمن يقود القطيع (لأننا حيوانات؟!).
وكلّ هذا، كل هذه الآثار (الأمراض، والجرائم، والتمييز)، وكلّ التبريرات التي تُرسّخها، كلّـــــــــــــــها نتيجة غباء وجهل.
وهذا يحدث، يحدث في عالمنا كلّ يوم، تنتشر فكرة معيّنة بطريقة خاطئة، ويُبنى عليها الكثير الكثير، وتترسّخ وتستمر، ولا نستطيع الفرار منها... وهي مجرّد سوء فهم!
وهذا يحدث، يحدث في عالمنا كلّ يوم، تنتشر فكرة معيّنة بطريقة خاطئة، ويُبنى عليها الكثير الكثير، وتترسّخ وتستمر، ولا نستطيع الفرار منها... وهي مجرّد سوء فهم!
فعل جرذن بيطرسن شيئًا مشابهًا، استشهد بدراسات غير دقيقة عن الكركند ليُبرّر الهرميّة الذكوريّة الاجتماعيّة وهيمنة الذكور. انتقده علماء أحياء بحريّة، كلامك غلط وغير موجود حتّى في الطبيعة، انتقده كثيرون على إسقاط دراسات حيوانيّة على البشر، والنتيجة؟ بيطرسن أشهر من نار على علم!
التشكيك في سلامة اللقاحات الطبيّة وربطها بالتوحد ظاهرة عالميّة يؤمن بها كثيرون، وبدأت في التسعينيّات ببحث واحد كتبه طبيب بريطاني. بحث واحد سحبته المجلة العلميّة التي نشرته، وسُحب ترخيص الطبيب وطُرد، بعد أن اكتُشف تزويره للنتائج وتواطؤه مع عدّة جهات وعزمه على التكسب من وراء الأمر!
يمكن جدًّا أن تنتشر معلومات خاطئة، أن تكتسب زخمًا مفزعًا، وأن تؤدّي إلى نتائج حقيقيّة وملموسة في عالمنا. كم عدد النساء اللاتي يقعن ضحايا كلّ يوم للذكوريّة السامّة؟ كم عدد الأشخاص الذين ماتوا بسبب رفض اللقاحات الطبيّة؟
حاس إني لازم نختم بعبرة عميقة وكلام مؤثر يهز العواطف ويرجرج المشاعر، لكن بصراحة يعني الواحد بس يقول الله المستعان، ويا ريت لا نستهين بهذه الأمور، وأيضًا يعني المصادر والمراجع موجودة، ويمكن البحث عنها ويمكننا أن نقرأ ونشاهد ونسمع ونصل إلى حقيقة هذه الأمور، وغوغل وإلخ وهذا هذا.
جاري تحميل الاقتراحات...