ثريد عن الرئيس التشادي الأسبق حسين هبري الذي فارق الحياة بالأمس في العاصمة السنغالية داكار، كيف بدأت حياته السياسية؟ وماهي نظرياته الفلسفية؟ وهل كان كما يُشاع عنه أنه دكتاتوري متسلط، ولماذا تخلت عنه فرنسا بعدما كان أكبر عملائها إخلاصاً في إفريقيا.
حسين هبري من مواليد ١٩٤٢م ينحدر من شمال تشاد، درس وتعلم في أنجمينا قبل أن ينتقل للدراسة في فرنسا، عاد من فرنسا منتصف السبعينيات ليجد البلاد مقسمة إلى فصائل مسلحة، ركب هبري الموجة وبحث عن الشماليين الذين لا يملكون حظاً وافراً من التعليم لأنه أدرك جيداً بأنه سيصعد سريعاً.
وبالفعل كان له ما تمنى، تقرب من القائد العسكري قوكوني وداي عام ١٩٧٦ فعينه رئيساً لفصائل الثورة المسلحة وفي تلك الفترة اختطفت عالمة آثار فرنسية في شمال تشاد، هي ليست عالمة آثار بل جاسوسة فرنسية تم ارسالها لأداء مهمة ما، ومن محاسن الصدف أن مدبر عملية الاختطاف كان حسين هبري.
تحدث حينها بلكنته الفرنسية الباريسية التي يتقنها ولم يكن في فصائل الجيش مَن يتحدث الفرنسية مثله واستطاع أن يروج عن نفسه من خلال المقابلات الإذاعية التي كانت تستضيفه على مدار الساعة، وبالفعل ابتز الفرنسيين حتى منحوه موادا غذائية واعترافاً شرعياً كفدية لإطلاق سراح المرأة الفرنسية
انخرط هبري في المفاوضات السياسية التي حدثت في الفترة بين ١٩٧٩-١٩٨٢ وعين في تلك الفترة رئيساً للوزراء، وأساء استخدام السلطة من خلال إثارة قضية الشمال والجنوب و التي تم الاتفاق على حلها في مؤتمر لاغوس، وبسبب سلوكياته العنجهية وشخصيته الغارقة في الأنانية استبعد من الإليزيه.
جاء الفرنسيون بقوكوني وداي عام ١٩٨٠ ليكون دمية في يدها فهو لا يملك تعليماً جيداً وغير مؤهل القيادة لكنه يملك شعبية بفضل والده الذي كان سلطانا للتبو ومن أوائل المعارضين الذين حملوا السلاح ضد تمبلباي، وفر هبري إلى السودان وظل هناك ليقتنص فرصة الانتقام.
أدرك هبري أن قوكوني سيفشل حتماً في التجربة السياسية وأن الفرنسيين سيعودون إليه ويسلموه مقاليد السلطة، ورأى أن التقارب الذي يحدث بين القذافي وقوكوني سيزعج فرنسا، وبالفعل برهن قوكوني على فشله بعدما وقع اتفاقية الوحدة بين تشاد وليبيا، جنت فرنسا بهذه الخطوة الجريئة.
وأوعزت لهبري من الشرق أن ينتقم من قوكوني ووفرت له الدعم العسكري، انطلق هبري من السودان إلى تشاد واستلم الرئاسة بعد فرار قوكوني، أعلن هبري عن إلغاء التعددية السياسية ونصب نفسه حاكما مطلق الصلاحيات، وبدأ بفتح ملف تصفية الحسابات مع كل مَن أساء إليه.
مكث هبري في الحكم ٨ سنوات أذاق الناس فيها الويل والثبور، لم يترك مخلوقاً إلا وآذاه، سرق خيرات الشعب بالضرائب وأفقرهم، وحرم المواطنين من حقوقهم البسيطة، وبث الرعب في نفوسهم بأجهزته الأمنية التي كانت تلفق التهم المعلبة الجاهزة لكل مواطن تختلف وجهة نظر معه.
هاجر التشاديون إلى المملكة العربية السعودية والسودان وليبيا ونيجيريا والكاميرون فراراً من جحيم هبري، الذي كان مشغولا بخطبه الرنانة عن الديموقراطية وحركات التحرر في إفريقيا، ونظريات الحكم الرشيد والمواطنة، بينما كان في الخفاء يعذب الآلاف المواطنين ويسفك دمائهم لتحسين مزاجه الدموي.
الحسنة الوحيدة التي قام بها هبري أنه أوقف القذافي عند حده وأعاد شريط أوزو إلى تشاد، وهذه المنقبة كانت بدعم دولي وقادة عسكريين أفذاذ أمثال حسن جاموس ومالدوم بدا عباس الذين كانوا يقاتلون في الصفوف الأولى بينما كان هبري مستلقِ على أريكته في قصره المطل على نهر شاري
عاد القادة العسكريون من ليبيا ومعهم خليفة حفتر الذي أدبوه فأحسنوا تأديبه، وعِوض تكريمهم ودعمهم وتسجيل هذا الانتصار الحافل في صفحات الوطن الخالدة، لفق هبري تهمة انقلاب عسكري ضدهم وبدأ بتصفيتهم واحداً تلو الآخر، وأهمل الجرحى المصابين والجرحى التشاديين وتركهم يئنون من الألم والمرض
سلَّم هبري خليفة حفتر للأمريكان ظناًّ منه أنهم سيحمونه إذا أرادت فرنسا أن تمس شعرةً منه ولم يخبر المخابرات الفرنسية التي كانت تفاوض القذافي لإعادة الأسرى الليبيين، أدركت فرنسا أن هبري تجرأ على ذلك فسهلت عملية خروج إدريس ديبي للانقلاب عليه والوصول إلى الحكم.
في نوفمبر ١٩٩٠ هرب حسين هبري من الأبواب الخلفية عابراً الكاميرون إلى السنغال، وسرق معه خزينة الدولة وظل صديقه السنغالي عبدالله واد متمسكاً به رافضاً لمحاكمته، وعندما فتحت السجون وجدت أكوام من الجثث وعدد من الضحايا الذين مثَّل بأجسادهم وابتكر طرقاً مختلفة لتعذيبهم واستجوابهم.
انتهت حياة هبري بالأمس بعد ٨ سنوات عجاف جثم فيها على صدور التشاديين، مات سجيناً ذليلاً وحيداً في السنغال، ولم يستطع طوال مدة محاكمته عام ٢٠١٦ أن يعلن اعتذاره للشعب المسكين ويقر بأنه أذنب بارتكاب جرائم حرب، هكذا طويت صفحة سيئة من صفحات التاريخ التشادي.
والمسيء أكثر أن تلميذه إدريس ديبي الذي تعلم الديكتاتورية الناعمة منه، كان خليفته في الانقلاب فمكث في الحكم ٣١ سنة، أي أننا منذ أربعين سنة ونحن خارج نطاق التاريخ والجغرافيا والتأثير مجرد رقعة جغرافية لا شيء فيها سوى علم يشبه علم فرنسا لولا اصفرار أبيضه.
جاري تحميل الاقتراحات...