اولا, أي قوة استعمارية ستنسحب بالنهاية, فلايجوز أن نعتبر كل الانسحابات هزائم, لأنها تحدث بعد اتمام المهمة, وهي في هذه الحالة تحطيم تنظيم القاعدة
ثانيا, طالبان ليست مشروع خلافة أو ثورة اسلامية,وانما كل هدفها اقامة حكم سلفي صارم علي المواطنين, لايشكل تهديدا للغرب فلابأس بتركه يلهو
ثانيا, طالبان ليست مشروع خلافة أو ثورة اسلامية,وانما كل هدفها اقامة حكم سلفي صارم علي المواطنين, لايشكل تهديدا للغرب فلابأس بتركه يلهو
مقال مهم لتفسير العلاقة بين طالبان وداعش alquds.co.uk
البشتون هم من اسسوا دولة أفغانستان الحالية, وأكبر عرقية بها. حياتهم قبلية رعوية مسلحة (اكثر من 20% من السكان منخرطون بميليشيا أو جماعة مسلحة). هناك بشتون بباكستان أكثر مما بأفغانستان ذاتها (12 مليون مقابل 8), لكن لصغر أفغانستان هم أكثر من 40% من السكان, بينما بباكستان اقلية صغيرة
عقائديا هم ماتريدية وفقهيا حنفية (تماما كالعثمانيين) ولكن العقلانية والانفتاح المميزين لهؤلاء مفقودة تماما لتغلب الرعوية والانتماء القبلي الذي يجعل من الثأر وكبت النساء و الاغارة علي الآخرين سماتهم المميزة, ولذا فمدرستهم الديوبندية متشددة كالوهابيين وان كانوا مختلفين عنهم مذهبيا
اذا تحاورت مع بعضهم ستجد أساطير متجذرة لأصولهم, البعض يقول عرب والأخرون من بني اسرائيل, لكن جينيا هم آريون كجيرانهم الايرانيين للغرب و الطاجيك للشمال, مع اختلاط كبير للدماء مع الباكستانيين للحدود المشتركة, ولذلك هم أدكن لونا من الطاجيك الذين يمثلون القومية الثانية ب 25% من السكان
طبعا الطاجيك ايرانيون يتحدثون الفارسية بلكنة مختلفة (الدارية) ويوجد بأفغانستان طاجيك أكثر مما بطاجيكستان نفسها, وهم أقل قبلية واكثر انفتاحا من البشتون. الاوزبك و الهزارة أتراك آسيويون (عيونهم ضيقة!) يمثل كلا منهم 10% تقريبا من السكان, وان كان الهزارة شيعة, هناك القليل من التركمان
اذن البشتون كونوا دولة أفغانستان الحديثة وسيطروا علي مفاصلها و اخضعوا القوميات الاخري بحيث لايكون لهم نصيب في الحكم. قبليون اشداء, لايطمحون للتوسع الخارجي, والدين عندهم نوع من القومية والعادات الاجتماعية المتشددة التي تشكل هويتهم, اكثر منها اسلوبا للحكم أو تنظيم الدولة
وكان آخر ملوكهم ظاهر شاه, الذي أطاح به رئيس وزرائه داوود خان (البشتوني أيضا) و لبرل المجتمع قليلا, وان كان سعي لضم الجزء البشتوني من باكستان لخلق "باشتونستان" وقمع الاقليات الغير بشتونية في أفغانستان, حتي حدث الانقلاب الشيوعي عام 1978 وقتل هو وأسرته.
وتعاقب من بعده قادة شيوعيون (بشتونيون ايضا)مثل تراقي وحفيظ الله أمين حاولوا ادخال اصلاحات اجتماعية أكبر كالاصلاح الزراعي وتحرير المرأة, الخ لكن سياسة مستشار الامن القومي الامريكي بريجنسكي القاضية بضرب الشيوعية بالحركات الاسلامية أثارت لهما القلاقل فلم يجدا بدا من استدعاء السوفييت
ونجح بريجنسكي في خلق مستنقع لاغراق الاتحاد السوفيتي في افغانستان, فسلح القبائل البشتونية (المحافظة اساسا والرافضة بالتالي للحكم الشيوعي) حتي الأسنان. و أوعز للصديق الدائم لأمريكا في الرياض باعلان مشروعية الجهاد في افغانستان, فتقاطب الشباب المسلم و انهالت التبرعات لدعم المجاهدين
وتكفلت السي أي ايه بتدريب فصائل "المجاهدين" الافغان والعرب, واشترت السعودية الآلاف من صواريخ ستينجر الامريكية لاسقاط الطائرات الروسية. وطبعا جلب الشباب العربي المتحمس القادم من الشرق الأوسط الافكار الثورية الاسلامية, سواء الجهادية (من تراث الوهابية) او فكر سيد قطب عن الحاكمية
وادي ذلك كله "لتثوير" بعض الافغان (كقلب الدين حكمتيار) وتحولهم الي ثوار اسلاميين, بينما بقي البعض الآخر مدافعا عن قوميته و منطقته (الطاجيكية كأحمد شاه مسعود) أو (الاوزبكية كعبد الرشيد دوستم "الملحد") لكن بالنسبة لمعظم البشتون, ظل الامر دفاعا عن سيادتهم التاريخية علي افغانستان
ونجحت الخطة, وانكسر الغزو, وجاء نجيب الله (البشتوني) محاولا المصالحة, لكن سقف المطاب للمجاهدين كان قد ارتفع, سيما مع بوادر انهيار الاتحاد السوفيتي نهاية الثمانينات. دخل الثوار كابول, لكن كانت "الأنا" عند كل منهم قد تضخمت واراد أن يكون السيد, فاستعر القتال بينهم وتحول لحرب أهلية
وهنا لم تجد المخابرات الباكستانية بقيادة الجنرال حميد غول بدا من التدخل, اولا لاعادة الاستقرار لافغانستان المجاورة, وثانيا لضمان أن يكون البشتون المسيطرون علي افغانستان هذه المرة مدينون بالولاء لباكستان وليسوا طامحين لضم الجزء البشتوني منها (كما حاول داوود خان قديما)
فأنشأوا تنظيما لطلبة العلم الأفغان الدارسين بالمدارس الديوبندية بباكستان (طالبان) وسلحوهم حتي الاسنان, ثم اطلقوهم علي فصائل المجاهدين الافغان المنهكة من الاقتتال الداخلي, فالتف البشتون التائقون للاستقرار وعودة سيطرتهم علي البلاد حولهم, وانضموا اليهم لأنهم يمثلونهم مذهبا واثنية
فدخلوا كابول عام 96 علي ماأذكر,وشرعوا بتطبيق حكم يضاهئ الحكم السعودي المتشدد ظاهريا, بمنع المرأة من القيادة والانخراط بالحياة العامة, وغلق المحال وقت الصلاة, وحظر اي حزب تقدمي, واقامة حكم سلطوي غير تداولي. وطبعا لم يستثر أي من ذلك حفيظة امريكا المتشدقة بالديمقراطية وحقوق الانسان
لأن همها الاساسي كان القضاء علي الشيوعية, وطالما لم يمثل النظام "الاسلامي" الجديد أي تهديد لهيمنتها الامبريالية علي العالم أو يسعي لاقامة الخلافة, فلا بأس بقمع المرأة واعدام الشواذ و ابطال الحياة المدنية, طالما أن كل ذلك يحدث في بلد "متخلف" من شعوب العالم الثالث, وليس في اوروبا
لكن كما عودنا الله الأسرع مكرا, الذي اقتضت حكمته أن يجعل تدبير أعداء الله تدميرهم, ويريهم ممن اطمأنوا لهم ماكانوا يحذرون, جعل نفرا من الشباب العربي المثالي الذي لم يأت لنصرة بريجنسكي ولا لمد نفوذ آل سعود, ولا لاعادة سيطرة البشتون علي أفغانستان, وانما لكي تكون كلمة الله هي العليا
جعلهم يكونون تنظيما لمحاربة أمريكا ذاتها من قلب أفغانستان التي "تحررت" من السوفييت بالسلاح والمكر الأمريكي. فبدأ أسامة ومن معه يعملون في صمت, مستغلين كرم ضيافة طالبان الذين مافتأوا يذكرون أيادي المجاهدين العرب البيضاء وبطولاتهم في تحرير أفغانستان من الروس.
وهناك وثائق مسربة حديثا تثبت أن علاقة اسامة بالملا عمر كانت سطحية, ولم يكن الآخر (لسذاجته وبساطته) علي علم بما يفعله الأول. حتي اذا ما قام اسامة بفعلته ودمر برجي التجارة, فتحت أبواب الجحيم علي الأول, ورأي بلاده التي أعاد لها الاستقرار والسيادة البشتونية تدمر وتحتل بلمح البصر
وطبعا لعبت أمريكا علي التناقضات الأثنية,فكان العمود الفقري "لتحالف الشمال" الذي دعمته للقضاء علي طالبان البشتونية من الطاجيك والاوزبك والهزارة.وعلي الرغم من أن الرئيس الدمية الذي وضعته امريكا (كرزاي صاحب مطاعم الدجاج الشهيرة بامريكا) كان بشتونيا, الا أن سيادة البشتون انتهت فعليا
وبمرور الوقت, والقضاء علي القاعدة تماما وموت الملا عمر, تحولت طالبان لميليشيا مسلحة طامحة في اعادة سيطرة البشتون علي افغانستان, صحيح أنها لم تسع يوما لاقامة خلافة جامعة أو محاربة الغرب,لكن وجود بن لادن والظواهري في صفوفها أعطاها زخما اسلاميا في البداية لم يلبث أن انتهي بعد ذهابهم
وكما يوضح المقال المنشور في اول هذه السلسلة, جاءت قاصمة الظهر مع صعود الدولة الاسلامية, التي بدأت تستميل قلوب وعقول الشباب الافغان, بأفكارها عن عالمية الاسلام وطموحها لاعادة الخلافة, وسيطرتها علي ننجهار عام 2014, لأن طالبان اكتشفت فجأة أن داعش قادرة علي سحب البساط من تحت اقدامها
فعاملتها بكل عنف, وقضت علي قيادياتها, بل وقبلت معلومات استخباراتية من امريكا لمساعدتها في تحطيم داعش-خراسان. وكان ذلك بمثابة صيحة الاستيقاظ التي جعلت طالبان وكرزاي و امريكا يكتشفون فجأة أن عدوهم المشترك ربما يساعدهم علي انهاء الخلافات بينهم
فبدأت المفاوضات في الدوحة,وكان الهدف معروفا للجميع:الانسحاب الامريكي من أفغانستان وعودة طالبان لصيغة حكم مشابهة لما كانت عليه أواخر التسعينات (قبل ظهور تنظيم القاعدة علي السطح)أي ان تحصر اهتماماتها داخل أفغانستان, ولا تسعي لاقامة حكم اسلامي او خلافة عالمية, لاتؤوي محدثا كبن لادن
وطبعا كان كل ذلك مقبولا لطالبان, التي تعلمت الدرس وقواعد اللعبة الدولية بعد ماحدث لها عام 2001, بل وأعلنت استعدادها لتقديم بعض "التنازلات" كالسماح بتعليم الفتيات والامتناع عن ملاحقة عملاء امريكا. نقطة الخلاف الاساسية كانت حكومة كرزاي (ومن بعدة غني) العرائسية
حيث أصرت هي علي المشاركة في الحكم مع طالبان, واستحسنت أمريكا ذلك وان لم تصر عليه, بينما اصرت طالبان علي أن تتفرد هي بالأمر بعد انسحاب أمريكا, علي أن تعطي أمريكا موثقا ألا تؤوي محدثا ولا تؤيد تنظيما أو حركة اسلامية تسعي لاعادة الخلافة, فكان لها ماأرادت, ودخلت كابول بكل يسر وسهولة
المعلن أمام الشعب الأمريكي, هو أن امريكا انسحبت لحقن دماء أبنائها وانهاء حرب دامت 20 عاما بعد أن حققت أهدافها من القضاء علي تنظيم القاعدة, وان كانت لن تنسحب الا بعد انقاذ "المتعاونين" معها من الافغان من "همجية وبربرية" طالبان
أما مايتداوله المحللون, فهو أن أمريكا قد استبدلت عميلا فاشلا بعميل فعال, فبدلا من الاعتماد علي حكومة غني من ذوي الكروش المتضخمة و الحسابات البنكية المنتفخة من اموال الشعب الامريكي, والخور عند نزال داعش, لنعتمد علي مقاتلي طالبان الاشداء, ذوي الحاضنة الشعبية البشتونية الضخمة
والكراهية الفطرية لداعش, فهي الضمين بألا تقوم للخلافة قائمة. وفي النهاية, الأسماء لاتهم, وسواء سمت طالبان دولتها الجديدة "امارة افغانستان الاسلامية" أو طبقت نظما اجتماعية متشددة, فالمهم لنا هو ألا يهدد سيادتنا علي العالم أحد, ولاتقوم للخلافة قائمة
ولمن لايصدق فلينظر للاعتراف الامريكي في المقطع أدناه بالاسلحة التي تركها الجيش الامريكي لطالبان بمقدار 80 مليار دولار قبل انسحابه, وليحاول أن بفسر لم لم تأخذها القوات الامريكية المنسحبة معها (او علي الاقل تقوم بتدميرها) الا ان كانت تتركها في ايد "امينة"
طبعا التاريخ متحرك, ولاشيئ يبقي علي حاله, والله الذي هو خير الماكرين أسرع مكرا.فكما أحاق مكر أمريكا السيئ بها بأن جعل ممن مولتهم ودربتهم لينافحوا عنها و يجالدوا اعداءها السوفييت أعظم خصومها, فهو قادر, سبحانه, ان يخلق من الوضح الملتبس حاليا بأفغانستان من يرفع راية الجهاد مرة اخري
سواء من داعش, أو طالبان نفسها بعد أن ينصلح حالها, او من غيرهما من الحركات والتنظيمات, فهو يخلق ماتعلمون, وهو علي مايشاء قدير
فضلا لا أمرا @rattibha
جاري تحميل الاقتراحات...