خالد عاذي الغنامي
خالد عاذي الغنامي

@kalghanam

283 تغريدة 364 قراءة Aug 21, 2021
1-تحتاج الكتابة عن السيد مارتن هايدغر إلى مزاج سيئ، ويبدو أن هذا المزاج قد توفر الآن.. فلنخربش هنا بعض الكلمات التي ستشكل بعض الجمل التي قد تسلط مزيدا من الظلمة على ظلمته.
2-لو اختصرنا هايدغر في جملة، فسنقول، إنه يدعونا لترك الانشغال بنظرية المعرفة والإنسان وعقله ووعيه وإرادته وحياته العائلية اليومية، وتركيز الاهتمام على موضوع واحد: "مسألة الوجود أصبحت اليوم في طي النسيان". إنها الجملة الفاتحة لكتابه"الوجود والزمن" وهي خلاصة وزبدة وجوهر كل ما قاله.
3-يعارض هايدغر "النزعة الإنسانية". ما هي النزعة الإنسانية؟ إنه يعرفها بأنها تلك التي تجعل الإنسان في مركز الكون (الحداثة هي من فعلت ذلك). وكل تعريف لماهية الإنسان لا ينطلق من "حقيقة الوجود" أو يتناساها، هو نزعة إنسانية. هذا بحد ذاته كافٍ لنتصور أين يقف هايدغر.
4-وفيما يتعلق بقضية الحقيقة يقدم هايدغر نفسه خصما لأفلاطون الذي عرّف الحقيقة بأنها يقين يمكن أن يصل إليه التفكير الإنسان، وبالتالي أصبحت الذات البشرية هي من يمنح المعنى. هايدغر يرى أن الحقيقة إنكشاف وتفتح.
5-وهايدغر خصم للتقسيم العلمي المعروف (ذات) تعرِف و(موضوع) يُعرف، وهو خصم لكل التصورات الميتافيزيقية عن الوجود والإنسان، وقد أعد لذلك منهج الهدم destruction ذلك المصطلح الذي لطفه أحد حوارييه (جاك ديريدا) إلى منهج التفكيك.
6-مشروع هايدغر الفلسفي باختصار هو القطيعة مع كل التاريخ الفلسفي، ذلك التاريخ الذي نسي الوجود، وانشغل بالموجودات. كان يريد أن يقتلع هذا التاريخ من جذوره ويجتثه من أساسه. على الأقل، كانت هذه الفكرة موجودة عند هايدغر الشاب، مؤلف "الوجود والزمن".
7-ما الذي سيبقى إذا أحرقنا كل ذلك التراث؟ سيبقى وحده القادر على البقاء. ستبقى حقيقة الوجود.
8-ما الذي يريد هايدغر قوله؟إنه صريح منذ البداية، إنه يقول لك أيها الإنسان المعجب بإنجازاته،أنت لست سوى شيء خاضع للوجود،ليس لك مزية ولا حتى هوية،وأنا من سيصفعك صفعة تفيقك من قيود الصورة الوهمية التي أقنعتك بها "النزعة الإنسانية". كل إنجازاتك وهم، وأنا من سيقلق راحتك ويهدم أحلامك.
9-الوجود وحده هو الحقيقي، الوجود هو الموضوع الوحيد الحريّ بالتفكير. (مع أنه لا يستخدم كلمة "موضوع" لأنها ستستدعي كلمة "الذات"). هنا نشم رائحة فلسفة الزن ظاهرة، وإن كان هايدغر سيسير بها في طريق غير طريق أولئك الرهبان الباحثين عن راحة الإنسان.
10-ما هي الميتافيزيقا التي جاء هايدغر لمحاربتها؟ إنه لا يتقيد بالمعنى الاصطلاحي الذي نعرفه من القاموس الفلسفي، فهي عنده كل الفكر الغربي بتقنيته وما يشتمل عليه من فنون وعلوم.
11-كل هذا الفكر الطويل العريض قد وقع في خطيئة "نسيان الوجود". وهذا النسيان قد تجلى أمام هايدغر فيما يعرف بالحداثة كمنجز وكنمط حياة.
12-طيب، ما هي الغاية من عملية الهدم هذه؟ وأين الوجهة؟ لم يفت هايدغر أن يصرّح بأن غايته القصوى هي "التحرر من الأوهام". (هايدغر يستخدم الكثير من مصطلحات الزن ويوظفها في فلسفته).
13-بطبيعة الحال، لن يبقى هايدغر معرضا عن الإنسان مرددا لكلمة الوجود إلى الأبد، ولذلك وجد له وظيفة "الإنسان انفتاح على الوجود" ثم عاد وأنعم عليه بلقب (راعي الوجود). يقصد أنه الوسيط الذي في طريقه ستضاء الأشياء بنور الوجود.
14-لكن ما هو الوجود الذي يتحدث عنه هايدغر؟ في كل ما كتب لم يذكر تعريفا واحد له. مرة يقول بأنه لا يقصد الإله، الوجود ليس الله، والوجود لا يقابل ما لم يعد موجودا ولا ما لم يصبح موجودا بعد. ثم يعود ويقول "هو ما هو".
15-بالنسبة لي (وهذا فهمي الخاص) أفهم وجود هايدغر من كلام فلاسفة الزن، فقد كانوا أوضح منه. الوجود هو هذا العالم الذي نعيش فيه، العالم الموجود في لحظة الآن الراهنة ولا شيء سواه. وطريقة التعاطي معه هي بالتخلي عن كل مفاهيم العقل السابقة، ومعانقته كما هو بدون قوالب وأسماء نطلقها عليه.
16-خلافا ل"كنت" لم يؤسس هايدغر لأي أخلاق، ولا "عقل عملي" عنده، وعندما يكشف للإنسان عن سر وجوده، فإنه لا يردف ذلك بما يجب عمله ولا حديث لديه عن القيم، بل كل ما يريده هو أن يكشف للإنسان عن عبثية وجوده.هو فقط يقول عن القلق الوجودي إنه "طريق للخلاص" (مصطلح بوذي) وأن عليه أن يتقبله.
17-لا يكون وجود الإنسان أصيلا إلا عندما يمر في هذا الوجود مثل (وردة تعيش ولا تسأل لماذا؟) .. حياة ليس فيها دوافع ولا غايات ولا أهداف، لأن الإنسان في صميم وجوده، محروم .. محروم من أن يكون له غايات وأهداف. وهذه هي الروح البوذية التي نسجها فلاسفة الزن.
18-إنه يدعو للتخلي عن كل قضايا الميتافيزيقا الغربية ذات الغايات والأهداف، ويستبدل ذلك بالحضور ذهنيا مع الأشياء التي تأتي وتذهب في عالم عابر. إنه يترك هذه الأشياء التي تشكل العالم لكي تكون حرّة في الحضور والغياب، وبذا يكون الفكر حُرّا أيضا. "لا فعل" هو المنهج، وهو مبدأ بوذي أيضا.
19-"لا إرادة" و "لا فعل"، بدون هذا النهج يقع الإنسان أسيرا لمتاهات مفاهيم العقل والتعاريف الخاطئة للحقيقة. هذا هو المنهج الذي يمكن أن يغير العالم، عندما يتجرد الفعل من الغاية والهدف. وهذا هو المسير الذي سيقودنا إلى الأعماق، وكلما ازداد سواد وحلكة الأعماق، كلما كان الإشراق أعمق.
20-لا تبحث في فلسفة هايدغر عن فرع للأخلاق أو آخر للسياسة أو منهج عملي ذرائعي أو "كنتي" فهو يحتقر كل هذه الأشياء، إلا ما يمكن أن تنتزعه أنت منه كموقف أخلاقي .. مثل دعوته للشجاعة، فتعتبر هذا موقفا أخلاقيا .. لقد ألّف الكتب فقط ليقول لنا : " كونوا مثل الوردة .. عيشوا بدون لماذا".
21-يقول هايدغر:
"علينا ألا نفعل شيئا .. علينا أن نبطل عادات الإرادة .. علينا أن نبقى في حالة يقظة واستعداد للسكينة والطمأنينة".
كأنما المتحدث راهب بوذي من "بوتان"
22-إذاً فهذا هو صلب فلسفة هايدغر، تنبيه البشرية إلى غفلتها، غفلة نسيان الوجود، وتذكيرها بحقيقة الوجود. وهذا هو بالضبط ما تفعله الزن، عندما تخرجك مما تشتكي منه فتلفت انتباهك إلى بهاء الأشجار، وأصوات البلابل، وصوت تدفق النهر.
23-هايدغر يرفض التفكير بالعقل ويرفض المبادئ والقيم لأنها من تكوين الذات، والذات غير موجودة عند ملهميه فلاسفة الزن، يرفضون وجودها من الأساس، ولأسباب مختلفة يوافقهم ديفيد هيوم في رفض الذات التي لم ير منها إلا مجموعة من الأحاسيس لا غير، أحاسيس لا تدل على أحد.
24-"نداء الحقيقة" نص آخر لهايدغر يكرر ذات الموضوع، تنبيه الإنسانية من غفلتها لتستمع إلى نداء حقيقة الوجود التي تقف وراء هذا الزيف، الزيف الذي بثته العقول في العقول.
25-لا ريب أن هايدغر كان جبرياً لا يؤمن بحرية الإنسان ولا بإرادته الحرة ... وكيف يراهما وقد رأى الحربين العالميتين، ورأى بلاده وهي تُسحق فيهما! 60 مليون إنسان ماتوا في الثانية دون أدنى فائدة.
26-في الحوار الأخير الذي نشرته دير شبيغل قبيل وفاة هايدغر ختم حواره بمقولته المشهورة "إله سوف ينقذنا". في الواقع هذه العبارة لا علاقة لها بالمعنى الديني لا نفيا ولا إثباتا. مارتن متأثر بالثقافة اليونانية وفيها يتحول البطل بعدما يموت إلى إله في الذاكرة الجمعية. هو يقصد هذا المعنى.
27-وهذا ينسحب على ماضيه، ففي شبابه كان يعتقد أن هتلر هو ذلك البطل المنقذ. لكنه انتقده فيما بعد بقوله إن آلهة الحزب النازي فشلت هي الأخرى، لأن بدورها خضعت لهيمنة التقنية، كما وقع للآخرين ولم يخلصوا للفكرة.
28-سؤال هايدغر الأساس هو(ما معنى
الوجود؟)سؤال يضحك منه كثيرون لأن الجواب يبدو واضحا لنا لاعتقادنا بأن"الوجود واضح"نضحك ونشير لزهرة كعلامة لفهمنا للوجود. لكن تلك الزهرة، وكل شيء مشابه، هو في الحقيقة موجود لكنه ليس "الوجود" Being يكتب الحرف الأول كبيراً للتمييز بين الوجود والموجود.
29-الوجود ليس شيئا وإنما هو ما"يتجاوز" الأشياء ، إنه المتعالي في نقائه وبساطته.بدون وجود لا يمكن أن يكون هناك أي شيء. نعم الوجود ليس شيئا لكن لا يمكن التفكير فيه من دون عالم الموجودات، عالمنا هذا، ولا يمكن التفكير فيه بدون الإنسان راعي الوجود.
30-باختصار،يأمل هايدغر في قيادة من يستمعون إليه إلى طريقة تفكير جديدة وعيش تجربة واضحة مع الوجود وتصوره بشكل صحيح والحديث عنه بنفس الأسلوب. لكنه ليس أول من دعي لهذه الطريقة، فهي عينها طريق المتصوفة.
31-نقول إن هايدغر ينزع للتصوف ونحن نعلم أننا عرضة لسوء التصور هنا،لأن التصوف نفسه غير متصور بشكل صحيح في ثقافتنا التي لا تعرف عنه سوى أنه يرقص بشكل جيد.فالصوفي الذي أتحدث عنه هو الذي يتوق إلى معرفةمباشرة ب"المطلق"، لكنه يؤمن بأن الوصول إلى المطلق لا يمكن أن يتم بواسطة العقل وحده.
32- نقل جون كابوتو عن هايدغر قوله:
"أقصى درجات الحدة والعمق الفكري تنتمي إلى التصوف الأصيل العظيم".
لكن لا زال السؤال قائما: ما هو التصوف؟
تجيب أستاذة التصوف "أيفلين أندرهيل:
"إن ما يسميه العالم بالتصوف هو علم الأسمى .. علم الحقيقة البديهية، التي لا يمكن التحاور حولها منطقيا".
33-تحدث هيدجر عن نوع من الخبرة المتعالية
يسميه"القلق الأصيل" الذي يعيد اكتشاف العدم "داخل" جميع الكائنات. هذا القلق الذي يحدث فجأة يشبه لحد كبير تجربة الاستنارة في "الزن" وهي تحدث فجأة أيضا. وكلاهما لا يحتاج لحدث استثنائي لكي يقعا، بل يقعان في ظرف عادي تماما.
34-يرفض هايدغر وكذا الزن، كل مفاهيم العقل المعتادة، كل قيود اللغة المعتادة، باعتبارها مضللة، وهذا التحرر سيقود لمعرفة أعمق بالوجود، هذه المعرفة تقود إليها التجربة الجديدة. الفرق بين الطرفين هو أن نتائجها سعيدة في الزن، أما عند هايدغر، فهي تقود إلى إدراك عميق، لكنه مخيف وحزين.
35-القلق-برغم كونه تجربة مضنية للغاية-لكنه يحمل في داخله احتمالية الوصول للاستنارة،لأنه يفتح أمام المهموم بوجوده الباب ليرى الخصائص الجوهرية لأصالته، فيقبل ذاته ويشرع في ممارسة حريته بحزم وأصالة حينها. هذا معناه أن الإنسان لا يصل إلى التناغم الحقيقي إلا بعد أن يمر بتجربة القلق.
36-عندما يقرر هايدغر أن القلق تجربة تقود إلى الاستنارة وإلى وعي الإنسان بوجوده الأصيل ، وتحرره عن الوجود الزائف مع الآخرين(لأنه وجود لا يسمح بأن تكون أنت أنت) فإن ذهني ينتقل فورا لمقارنة ذلك بمقولة الزن: "ألم تكتف من المعاناة؟" تلك العبارة القوية التي تقود إلى أسرع استنارة.
37-ينبغي أن أذكر هنا أن الدكتور المحقق المدقق محمد الشيخ ينكر ما أقرره هنا عن العناصر الصوفية والمشرقية وتأثير الزن على فلسفة هايدغر. د. الشيخ عالم جليل، لكن يبدو لي أن تلك العناصر المشرقية أكثر من أن تدفع، مع بقاء عميق الاحترام له.
38-صُنف هايدغر على أنه عدو للعلم، غير أنها تهمة غير دقيقة، فهو يقول"يمكن للعلم أن يستعيد مهمته الأساسية، بشرط أن يوجد العلم من الميتافيزيقا. هذه المهمة لا تقوم على تنظيم مجموعات، وتصنيف معارف، بل على أن يشرع، بوحي دائم التجدّد، على مصراعيه، المدى الكّلي لحقيقة الطبيعة والتاريخ".
39-لماذا ينتقد هايدغر حياتنا اليومية؟لأنها تشغلنا عن حقيقتنا وتحجب عنا ما هو أصيل فينا وتغرقنا فيما هو تافه ومزيف. هذا الزيف ينسينا وجودنا الأصيل ويحبسنا في زنزانة مظلمة. القلق هو وحده الذي يظهر فجأة في وجودنا فيدلناعلى كيفية اختيار أنفسنا وينقذنا من مصير غلط. القلق بوابة الحرية.
40-عندما تقرأ هايدغر وتتصور حديثه عن الوجود المنسي، فستجد أنه قد لقن القارئ الناقد درسا في الالتفات المتكرر أبدا نحو اللامفكر فيه. في كل حوار وفي كل الأفكار هناك شيء لا مفكر فيه، هناك شيء منسي في كل شيء.
41-كالشاعر تماما، يرهق هايدغر اللغة، بغرض التعبير عن تجارب غير عادية، تجارب تعللم من الطاويين وفلاسفة الزن أننا لا نستطيع أن ننقلها عبر مفاهيم العقل المعتادة. لقد حبس العقل نفسه في مفاهيم ومصطلحات لا تفي بالغرض ولا تعببر على نحو صحيح عن وضعنا في هذا العالم.
42-يرى هايدغر أن غاية الفلسفة الكبرى هي أن تُعمّق وعي الإنسان الحر بذاته، باعتباره كائناَ له وجود في عالمه الخاص وعالمه العام.
43-كأرسطو، يعلي هايدغر من قيمة الدهشة والتساؤل، وينفر من التعليم التلقيني، وكان حريصا للغاية على تنبيه الناس إلى أن الوعي بالوجود شيء يشبه لحظة البرق، وأن وعي هذه اللحظة يعني التساؤل عن معناها، وهذا التساؤل يعني التفكير، والتفكير هو صفة الإنسان الذي يدرك تماما قيمة وجوده.
44-سؤال هايدغر "لماذا وجد الوجود وليس العدم؟"مرده إلى أن الشيء يعرف بضده، وإذا عرفت الموجودات فاعرف الفرق بينها، فالموجودات عنده تعني الكائنات الحية والصور الخيالية والأشكال الهندسية والأرقام،ولا بد من تمييز كل وجود عن وجود، كما أننا لن نعرف أن شيئا موجودا ما لم نسل عن سبب وجوده.
45-هناك قضية مفصلية ومحورية في عملية فهم فلسفة هايدغر، إلا وهي أنه لم يكن مشغولا بمعرفة الجواب عن سؤال (ما سبب الوجود؟) بقدر ما كان مشغولا للغاية بالجواب عن السؤال: (ما معنى الوجود؟).
46-من أين يفترض أن يستمد الانسان وعيه بالوجود، أي الوعي بوجوده ووجوده الكائنات حوله؟ يجيب هايدغر "من خبرته الشخصية المعاشة".إنه يشبه الشعراء في اللجوء لخبرة الحياة، وقد ذكر نفسه أن تأملاته الفلسفية ترجع جذورها إلى حياته الشخصية، وتلاعبه بالمصطلحات واللغة هو جزء من هذه الخصوصية.
47-الحرب العالمية الأولى واستعصائها على المنطق هي التي أدت إلى كفر هايدغر بالمنطق لأن الحقائق النظرية ثانوية للغاية مقارنة بانفتاحنا غير النظري على الوجود، ومن هنا ازداد اعتقادا بوقائع الحياة وحركة التاريخ.
48-يرى هايدغر أن وجودنا لا تنفصم عراه بالعالم. مخالفا بذلك مقولة ان للإنسان ذاتا مستقلة أو يتمتع بكيان في معزل عن المحيط ومستقل عن علاقاته العملية. هايدغر يرفض كل هذا والإنسان عنده لا يستطيع تغيير نفسه بمجرد تغيير فكره عن العالم. نوعية وجودنا تعتمد على طريقة عيشنا في أنماط معينة.
49-"الإنسان، إنسان بالتفلسف".
مارتن هايدغر
محاضرة: ما الفلسفة؟
5-كل فلسفة هايدغر تدور حول ما هو حقيقي وما هو مزيف، حتى عندما يتحدث عن اللغة، فاللغة الحقيقية هي بيت الوجود، وكلام في الوجود، واللغة المزيفة هي ما يجيء كوسيلة تخاطب وثرثرة، ووجود الإنسان الحقيقي هو العفوي، ووجوده المزيف الذي يسعى لمطابقة ما في الذهن ومفاهيم العقل.
51-هايدغر فيلسوف يجيد الحفر الأعمق، إنه يحفر دوما في المظهر ليتجلى له المخبَر، فإذا وصل إلى المخبر، حفر وراءه إلى مخبر أعمق. هكذا كان يكافح ضد النسيان.
52-عندما يتحدث هايدغر عن الفهم، فهو لا يقصد فهم النصوص، وإنما يقصد فهم الإنسان لنفسه ولدنياه، وبالتالي فإن الفهم وسيلة من وسائل الحضور، والحضور لا يعني شيئا سوى وجود الإنسان فعليا في هذه الدنيا،وسيره الحثيث لتحقيق ذاته وإمكاناته المستقبلية.هنا يخالف الزن التي لا تنشغل بالمستقبل.
53-يستخدم هايدغر مصطلح "السقوط" بمعناه اللاهوتي المسيحي، أي السقوط في شباك الدنيا التي بناها الآخرون، وعندما يسقط الإنسان في هذا الفخ فإنه يقع في الوجود المزيف، ويقع في نسيان الوجود، ويتأخر عن إدراك كنه الوجود. الوجود المزيف هو أن يفعل ما يفعلون ويفكر فيما فيه يفكرون.
54-في محاضرة(ما الميتافيزيقا؟)تحدث هايدغر عن العدم ولم يدع للعدمية كما تصور من أساء فهمه، فما فعله في هذه المحاضرة هو مجرد استكناه لما تعتبره الموجودات غير موجود. تصور العدم هو ما سيقودنا لفهم الوجود وما معنى أن يكون الشيء موجوداً. هايدغر لم يكن عدمياً، على الإطلاق.
55-لا يكتب هايدغر من أجل التأسيس للعلم والمعرفة، وليس هناك محطة يريد الوصول إليها. هو من أولئك المشغولين بالرحلة نفسها، لا بالوجهة ولا بالهدف. اهتمامه ينصب على وجودنا في هذا العالم، وكيف نتحرر من الوجود المزيف، لنصل إلى الوجود الأصيل.
56-"الإنسان هو مشروع وجود".
مارتن هايدغر
57-"الدازين" أهم مصطلحات هايدغر، ويقصد به الإنسان، لكنه ليس الإنسان الكامل الناضج، بل هو الإنسان المهموم بوجوده والمقذوف به في هذا العالم، من حيث هو إمكانية مستمرة للوجود والتحقق، يحدوه لذلك القلق. هذا الإنسان لا يمكن فهمه إلا مع رديفه في الوجود، هذا العالم الذي يعيش فيه.
58-"الدازين" هي الكلمة المفتاحية لتفكيري.
من رسالة هايدغر لبوفريه
59-الحقيقة عند هايدغر ليست مطابقة ما في الأذهان لما في الأعيان كما قال القدماء، أو (بلغة عصرية)مطابقة الفكرة للواقع الخارجي .. بل الحقيقة عنده هي أن يظهر الخفي ويتكشف .. يقصد أن يزول عن العالم تحجبه .. أي أن تصبح الحقيقة هي نزع الحجاب.
60-يقول هايدغر"إن الإنسان هو الوحيد الذي يوجد وجودا ماهويا"
بمعنى
أن وجوده انفتاح على انكشاف الوجود
لأنه
الموجود الذي يتميز بأنه من الوجود وفي الوجود
بمعنى
أننا لن نفهم الوجود إلا حين نفهم أنفسنا حقا ونميز وجودنا الزائف عن وجودنا الحقيقي، وجودنا الحقيقي الذي لا يشبه وجود الإمعة.
61-برغم حديث هايدغر عن نسيان الفلاسفة للوجود، إلا أنهم لم ينسوه، فأفلاطون وأرسطو تحدثا عن الوجود المطلق وقسماه لأنواع وتدرجا من الموجودات العليا للأدنى. أما هو فبدأ من الإنسان ككاشف وحيد عن الوجود، واعتبره الوسيلة الفريدة للكشف عن الوجود المطلق.
62-حديث الفلاسفة عن الوجود حتما لم يفت هايدغر، فقد درس رسالة"أنواع الوجود عند أرسطو" لفرانز برانتانو في بداية حياته وكان لها أعظم الأثر عليه، والنسيان الذي يقصده ليس نسيان مطلق الذكر،بل كان يقصد الفهم وأنهم نسوا أن الوجود انكشاف يتم عبر الإنسان، وليس مجرد تقسيم لفئات عقلية جوفاء.
63-موقف هايدغر من الميتافيزيقا هو نفسه موقف "كنت" و"هيوم"(تحطيم الزائف منها فقط) فالميتافيزيقا مرتبطة بطبيعتنا كما قال كنت.هايدغر خصم لنوع من الميتافيزيقا كبلت نفسها بالسلاسل فلم تعد قادرة على اقتحام الوجود فدعا لتحطيمها والعودة"لأنطولوجيا أساسية" تقوم على الوجود المتعين للإنسان.
64-هناك معنى آخر لكلمة (الدازين)غير "الإنسان المهموم بوجوده"فهي تعني أيضا "الحياة" و "الإحساس بالحياة" وفي كتابات هايدغر الأولى استخدم هذا المعنى.هذا الإحساس بالحياة يعني أن "الإنسان يمتلك الوجود"وهو الدليل الكاشف عن الوجود، لكنه لا يحس بوجوده إلا بالاحتكاك بالآخر، أي بالدُنيا.
65-هنا نصل إلى أن الحقيقة عند هايدغر هي استجابة لنداء الوجود.هي كشف واسقاط للحجاب وخلق معنى جديد ينتج عن انكشاف الإنسان على الوجود. إنها ما يحدث في الفهم مما يوفره التأويل.الحقيقة انبثاق ينتج عن هذه العلاقة بين الإنسان والوجود،وهذا ما نسيه الفلاسفة فحبسوا الحقيقة في قوالب جاهزة.
66-عندما تستجيب لنداء الوجود،تؤسس نفسك ككائن أصيل مستقل.هناك إمكانية(الهُم)أي أن وجودك سيكون مع آخرين، لكن لا بأس،فوجودهم ضروري.أنت تمارس التفسير(الفعل الهرمنطيقي) وهم كذلك،وكل هذا ضروري لوجودكم، لأنه يساعد على تعدد المعنى، وبالتالي على الاختلاف،والاختلاف هو ما يجعل المعنى ممكنا.
67-حسنا، لقد تحرر الإنسان من العقل المفاهيمي الذي حبسه فيه الفلاسفة،وأدرك وجوده الأصيل، ونأى بنفسه عن الوجود الزائف مع التفاهة والتافهين، وأدرك أنه سر الوجود وراعيه، ماذا سيواجه بعد؟ سيواجه الموت، كإمكانية قد تحدث في أي ثانية. الموت عندهايدغر هو موضوعنا القادم إن كنا في الوجود.
68-قانون الذاتية عند أرسطو يقول إن (أ) هي (أ) وليست (لا أ) خالد هو خالد وليس شيئا آخر.
هايدغر لا يوافق على هذا، فأنا لا أتطابق مع نفسي وإنما أنا دوما وجود مقذوف به إلى الأمام ويتقدم على نفسي، وجودي لا يمكن تحديده كموضوع منته،وإنما هو إمكانية دائمة وموجود في طور التكوين والصيرورة.
69-هذا ما يعنيه هايدغر عندما يقرر إن الموجود الإنساني يؤسسه الزمان.
70-الزمن ليس مجرد نهر تتحرك على سطحه الأشياء الطافية، بل هو بنية حياة الإنسان، وهو شيء كان قد صنعنا، قبل أن نتعلم نحن كيف نقيسه ونقسمه إلى وحدات صغيرة وكبيرة.
71-هايدغر لم يقل قط إن الفلاسفة انشغلوا بالموجودات عن الوجود، بل على العكس، لقد انشغلوا بما هو موجود من حيث هو موجود، أي أنهم انشغلوا بالوجود عن وجود الإنسان،وهذا ينطبق على هيغل. انشغلوا عن الموجود الذي لا يقر له قرار ولا يتوقف عن مغادرة ذاته ليلج إلى الوجود ويتزود منه.
72-كتب مارتن
"إن التفكير في حقيقة الوجود يعني في نفس الوقت التفكير في إنسانية الكائن الإنساني، فالمهم هو أن تكون الإنسانية في خدمة حقيقة الوجود، من دون النزعة الإنسانية بالمعنى الميتافيزيقي".
هذا نقد عميق لتاريخ الفلسفة منذ زمن الإغريق إلى هيغل، لأنهم انشغلوا بالعالم عن الإنسان.
73-يستخدم هايدغر مصطلح "الأنطولوجيا الأساسية" فما المقصود به؟ إنه البديل الذي يتقدم به هو عن خطأ الفلاسفة الذين نسوا الإنسان، إنه السؤال الصحيح عن الوجود، عبر البوابة الصحيحة(الإنسان) وهو لا يريد بهذا السؤال تقرير نظرية في الوجود تنطوي على تصور شامل له.
74-بل يريد أن يحلل أساليب وجود الإنسان (الذي يسأل عن معنى الوجود) إنه يريد أن يستكشف المباني الكبرى التي تؤسس لمقومات وجودات الإنسان المتعددة والمتنوعة.
75-“إن الذي يقوم بكشف المحجوب وإزالة الغطاء هو الإنسان، ولهذا يجب عليه أن يبقى في حالة انفتاح أمام الوجود، فهذا الانفتاح هو فعل حر يقوم به الإنسان، ومن هنا كانت ماهية الحقيقة هي الحرية، بمعنى الانفتاح أو التعرض للوجود".
هايدغر
76-ومن هذا يتضح أن هايدغر لم يكن خصما للميتافيزيقا بالمطلق، بل كان خصما للميتافيزيقا التي نسيت الإنسان. والأنطولوجيا الأساسية التي دعا إليها هي نوع خاص من الميتافيزيقا يتناول الوجود الإنساني. هذا هو مشروع هايدغر الشاب. هايدغر الشيخ اختلفت آراءه بعض الشيء وهذا شأن طبعي للغاية.
77-كيف ألغى هايدغر ثنائية الفلاسفة: الذات والموضوع؟ ألغاها كالتالي: أنا قد قذف بي في عالم، هذا العالم هو عالمي الخاص الذي تحددني فيه أشياؤه التي سأعاني منها.وعالمي لا يمكن أن يكون من دوني، مثلما أنني لا يمكن أن أكون من دونه. وهكذا فالتفريق بين الذات والموضوع ليس سوى فكرة مضللة.
78-المسألة الفلسفية الكبرى عند هايدغر هي الإنسان ووجوده. لأنه هو موضوع علم الوجود بما هو وجود. لماذا هو موضوع علم الوجود؟لأنه وحده من بين كل الموجودات الذي يفهم معنى الوجود. دراسة الإنسان كشف عن مجال قضية الوجود، ففهم الوجود يكون بالإنسان، ويتم بالإنسان.
79-هناك فرق دقيق كان ينبغي ذكره عند الحديث عن الوجود الأصيل الحقيقي والوجود الزائف،فهايدغر يرى أن الوجود الزائف هو الذي ينشغل بالحاضر،بينما ينشغل الوجود الأصيل بالمستقبل.الوجود الأصيل مرتبط بالقرارات والخيارات التي سنتخذها في وعي بواقع الحياة وتنطلق من صميم ذواتنا القائمة بنفسها.
80-هناك إضافة قد لا تقدم جديدا إلى ما سبق، لكنها جميلة. ألا وهي أنه يكثر في كلام هايدغر أن يشبه السؤال عن الوجود بعملية الولادة، ومعنى الوجود هو الطفل الذي سيولد. هذه الولادة تنتج عن السؤال والقلق والشعور بالمسئولية.
81-من مفاتيح فلسفة هايدغر، أن نتذكر دائما أنه يميل إلى الملموس على حساب المجرد، وبالمحسوس على حساب المعقول، وبالوجود الحقيقي على حساب المثال، وبالخبرة المكتسبة على حساب العالم المثالي غير المدرك. ولذلك ترك الانشغال بالذات والعقل والنفس لأنها أشياء غير محسوسة.
82-من ناحية لغوية محضة أجد أن عبارة ديريدا (تفكيك) deconstruction أدق من عبارة هايدغر (تحطيم) destruction لوصف العمل الذي قام به الأستاذ وتلميذه عن بعد. ما فعلاه لم يكن تدميرا، بل تفكيك للمقولات التاريخية للفلسفة وتنقية لها وليس إسقاطا ولا إلغاء ولا تدميرا.
83-يلوم هايدغر نتشه لأنه قلب الأفلاطونية بماديته المستلهمة من فويرباخ والوضعية، فأصبح الحقيقي عنده هو المحسوس(لا عالم المثل)لكن نتشه بقي ميتافيزيقيا،بحسب هايدغر،ففكرة إرادة القوة فكرة ميتافيزيقية بامتياز.
المفارقة هنا أن هايدغر نفسه أقر ضمنا أنه هو الآخر بقي ميتافيزيقيا هو الآخر.
84-لماذا دعا هايدغر إلى العودة لما قبل سقراط؟ لأن التفريق بين الذات والموضوع بدأ مع عقلانية سقراط.
85-"يمكن لكل إنسان أن يحقق أقصى إمكاناته. ربما أن هويتنا قد تحددت سلفا،لكن الطريق الذي سنأخذه هو دائما من اختيارنا. يجب ألا نسمح لمخاوفنا أو توقعات الآخرين أن تضع حدود مصيرنا. لا يمكن تغيير مصيرك ولكن يمكنك أن تتحداه. يولد كل إنسان كما يولد غيره، لكنه يموت موتا فريدا".
هايدغر
86-فكرةكتاب(الوجود والزمن)الأساسية بسيطة للغاية:الوجود هو الزمن والزمن محدود. بالنسبة للبشر، ينتهي الزمن بالموت.لذلك، إذا أردت أن تفهم ما يعنيه أن تكون إنسانا حقيقيا، فمن الضروري أن تتصور حياتك باستمرار على أفق موتك. هذا ما يسميه هايدجر"الوجود في مواجهة الموت".being-towards-death
87-إذا كان وجودنا محدودا، فلا يمكن لنا أن نصنع حياة بشرية أصيلة حقيقية إلا من خلال مواجهة محدوديتنا بجرأة. وأن نخلق معنى لحقيقة موتنا.هايدجر ينطلق من تأييده لحكمةقديمة تقول إن "الفلسفة هي أن تتعلم كيف تموت". ففناؤنا يرتبط بالطريقة التي نشكل ونصوغ بها ذواتنا.
88-هناك معايير تحدد تصور هايدجر "للوجود في مواجهة الموت".أولا: الموت غير علائقي بمعنى أن الإنسان حين يقف في وجه الموت يقطع كل العلاقات مع الآخرين. ولا يمكن أن تجرّب الموت من خلال موت الآخرين مهما بلغ حزنك عليهم. فقط ستعرف وتعيش تجربة الموت، عندما تموت أنت.
89-ثانيا: الموت يقيني وليس بظني. على الرغم من أن المرء قد يتهرب من هذه الحقيقة أو يتناساها إلا أنه لا يوجد أحد يشك في أن حياته ستنتهي بالموت.
90-ثالثا: قدوم الموت ليس محددا بزمن معين. وعلى الرغم من أن الموت يقيني إلا أننا لا نعرف متى سيحدث. قد يرغب معظم الناس في حياة طويلة وسعيدة وكاملة، لكن الموت يمكن أن يحدث في أي لحظة. ونحن لا نعرف متى هذه اللحظة ولا تصل إلينا رسائل دقيقة تحدد نهاية الاشتراك في خدمة الحياة.
91-رابعا: الموت لا يمكن تجاوزه ,لا توجد طريقة للتغلب عليه، فهو يتفوق كل الإمكانات التي تمتلكها قواي. (هايدغر يتحدث كثيرا عن الإمكانات)وهذا هو معنى مفارقة هايدجر المشهورة حيث قال: بأن الموت هو "إمكانية الاستحالة".الموت هو ذلك الحد الذي يجب على أساسه قياس قدرتي على الوجود.
92-"الموت هو ذلك العجز الحتمي الذي تتحطم أمامه كل قوى حريتي نفسها". هنا ينبغي أن نتصور موقف هايدغر الدقيق من إيمانه العميق بالحرية وخضوعه المقسور للجبرية.
93-في نهاية مقدمة "الوجود والزمن"، كتب هايدجر: "أعلى من الواقعية،تقف الإمكانية". الوجود والزمن"هو قصيدة"للممكن" وأعلى تعبير لها نجده في الوجود في مواجهة الموت.
94-يميز هايدغر بين التوقع والانتظار.وهو لا يدعونا لانتظار الموت برغم واقعيته وأنه سيكون "تحققا للممكن".التوقع يختلف عن انتظار الموت بشكل سلبي، لأن التوقع سيحدونا لاستخدام فنائنا نفسه كشرط للفعل الحر في العالم.
95-ينتج عن هذا فكرة مهمة للغاية وتحتوي على مفارقة. فالحرية ليست غياب الضرورة التي تأتي في صورةالموت. على العكس من ذلك، تتمثل الحرية في التأكيد على ضرورة موت الإنسان.
96-فقط في"الوجود في مواجهة الموت" يمكن للإنسان أن يصبح الإنسان الذي هو حقا وصدقا. فوراء فكرة الموت ك "إمكانية الاستحالة" والقبول بحد فنائه، يختبئ إثبات حد حياة الإنسان وتأكيد وجوده.هذه فكرة هيغيلية، فالضد يحمل ضده في جوفه.إما فكرة قبول الموت لتبدأ الحياة، فأصولها موجودة في الشرق.
97-لذلك لا يوجد شيء كئيب في "الوجود في مواجهة الموت". فبحسب هايدغر، "الوجود في مواجهة الموت" يجذب الإنسان من انغماسه في الحياة اليومية الزائفة ويعطيه فرصة للاندماج في ذاته. فقط في علاقة "الوجود نحو الموت" أصبح مدركاً لحريتي تمام الإدراك ومتحمسا لها.
98-لاقت نظرية هايدغر في قضية الموت عددا من الانتقادات تدور في الجملة حول تقليله من أهمية موت الآخرين، وأنه يرى أن الموت خاص بالبشر لا ينزل إلا بهم، أما الحيوانات والنباتات ف "تتناهى" ولا تموت.
99-هناك من ينتقص من قيمة الوجدان، فما موقف هايدغر منه؟الوجدانية كيفية أساسية لوجود الإنسان المهموم بوجوده في العالم. بل إن بنية الوجود الإنساني وكل تصرفاته تقوم على الوجود في إحدى الحالات الوجدانية. الوجدانية هي الكيفية الأولى التي ينكشف لنا فيها وجودنا مع الأشياء وبين الآخرين.
100-الوجدان يكشف لنا عن الحقيقة. هذا مثال بسيط على اختلاف هايدغر عن الفلاسفة الذين يعرفون الحقيقة بأنها تطابق بين الفكرة والموضوع ويقولون إن الوجدان شعور داخلي لا علاقة له بالحقيقة. بينما الحقيقة عند هايدغر انكشاف وسقوط للحجاب، وبالتالي فالحالة الوجدانية تكشف لنا العالم وما فيه.
101-يرفض هايدغر اعتبار الوجدان مجرد حالة نفسية تنشأ في الوعي ثم تنعكس على علاقتنا بدنيانا. هذا التصور يضاد التحديد الأول لوجودنا "في عالم"، فالحزن ليس حالة يعيشها الإنسان في داخل وعيه، بل يزيد الحزن بأن يتجلى في علاقة الإنسان الحزين بالعالم وبالآخرين، علاقة تنتمي للحال الوجدانية.
102-هذه العلاقة ليست نتيجة لشعور الحزن الداخلي. ولعل حال الخوف يوضح الأمر أكثر. فتصرفات الإنسان في حال خوفه، إزاء العالم والأشياء لا تكون نتيجة لشعور داخلي بالخوف، بل إن تصرفاته تنتمي أساسا للخوف.
103-ينبغي أن ننتبه لما هو واضح أصلا، أن إسقاط هايدغر للفرق بين الذات والموضوع يعني أن اهتمامه ليس بالإنسان وحده، بل ب (الوجود في مجموعه) بحسب عبارته.
104-بالنسبة للفهم المشترك، اللغة مجرد وسيلة لإيصال الفكر. بالنسبة لهايدغر اللغة هي التي تتحكم في الفكر، وهي التي تعبر عن صميم الوجود وتكشفه، وهي محرك العالم.وعلاقة الإنسان بالوجود لا تجعل الإنسان في المركز بالمعنى الديكارتي، وإنما الوجود يتكشف من خلال اللغة للإنسان وفي الإنسان.
105-عند هايدغر،الوجود مشبع بالأسرار والألغاز ويبطن أكثر مما يظهر، وهذا الغموض ليس خصيصة في الوجود،بل لأننا لم نفكر فيه تفكيرا صحيحا، رغم أن الإنسان لا يكون حقيقيا حتى ينجذب لمعرفة أسراره المحتجبة. لا بد من نور يشق الطريق لحل هذه المعضلة وإنها لمهمة اللغة:تسليط الأنوار على الوجود.
106-دعونا نضرب بعض الأمثلة لتحكم اللغة في الفكر لعلها تتضح. "ثعبان البحر" هل ثعبان يحرم على المسلم أكله أم أنه سمكة مباحة؟ خنزير البحر ما حكمه؟ إنها المواضعات اللغوية التي يتفق عليها الناس فتتحكم فيهم. وتحكمات اللغة لا تقف عند هذا الحد، بل مداها أبعد بكثير.
107-مصطلحات الفلاسفة (الجوهر) ما هو الجوهر ومن رآه؟ العالم المادي، أين هو العالم المادي؟ أنا أرى بيتي وسيارتي والشارع، لكني لم أقابل العالم المادي. كلها مواضعات لغوية اتفق عليها الفلاسفة وأصبحت من المسلمات التي قد لا يقبل النقاش حولها عند البعض.
108-هايدغر لا يقف عند هذا الحد، بل يقرر إن الإنسان لا يستخدم اللغة، بل اللغة هي التي تتكلم بواسطته، والأشياء تتجلى بواسطة اللغة. وبهذا تصبح الكلمة، والقصيدة على نحو أخص، هي البعد الجوهري لعيش الإنسان على الأرض، ولا تعود مجرد صوت أو علامة، كما يقرر علم اللسانيات.
109-عندما يتحدث هايدغر عن (العالم) فهو لا يقصد أشياء الطبيعة والمفهوم الطبيعي للعالم، ولا يقصد به مجتمعا من البشر، ولا يقصد به الموضوعات الفيزيائية، بل أقرب كلمة للمعنى الذي يقصده هي (الدنيا).
110-الشاعر،بحسب هايدغر، هو أكثر الناس قلقا على مصيره في عالم غريب قذف به فيه.وهو وحده من يستطيع أن يفصح عما لا يمكن تسميته.والشاعر مغامر ، غايته دروب الحرية واقتحام المجهول."إن الشعر تسمية مؤسسة للوجود ولجوهر كل شيء، وليس مجرد قول يقال كيفما اتفق".
هايدغر
إنشاد المنادي
ص ٦٢
111-عند هايدغر، الشاعر يؤسس الوجود بالقول، وهذا يعني أنه يعبر عن عصره تاريخيا، وبالتالي هو يعبر بطريقة بسيطة مباشرة عن روح الشعب على أساس أنه كل بسيط وشمول لا تفاضل فيه ولا تفرقة بين طبقاته، الشاعر هو لسان الشعب.
112-لكن، إذا كانت اللغة هي النور الذي سيجعل الوجود يشرق، فكيف سنجمع بين هذا وكلامه عن السقوط في الثرثرة والوجود الزائف مع الآخرين؟ هنا تأتي مهمة الفيلسوف الذي سيحررنا من اللغو والثرثرة ويحملنا على إعادة النظر وتوسيع فهمنا للغة، ويشاركه الشاعر بتوسيع معاني الكلمات واجتياز الدلالة.
113-من هنا ندرك السبب وراء اهتمام هايدغر باللغة وباللغة الألمانية على وجه الخصوص وولعه بجذور الكلمات واشتقاقاتها وبحثه عن المعاني التاريخية القديمة للمفردة.
114-واذا كان أفلاطون هو الفيلسوف الذي طرد الشعراء من جمهوريته، فهايدغر هو الذي أزال الخصومة التاريخية وأسس لحوار فعلي بين الشعر والفلسفة وكشف عن الأصل المشترك بينهما وأن الشاعر والفيلسوف يقولان ما لم يقل بعد ويكشفان المسكوت عنه.
115-"إن الفكر والشعر يولدان معا من الوجود، ويرتفعان إلى حد حقيقته".
مارتن هايدغر
لكن ينبغي أن ننتبه أنه لا يعني بالشعر المعنى التقليدي للشعر والشعراء وضروب الأدب والنظم.
116-بحسب هايدغر، لا تتكشف الحقيقة إلا في العمل الفني، ففيه ينفتح الوجود ويكشف عن جوهره، وبالتالي لا يصح أن نتصور العمل الفني(الشعر بصورة أخص) على أنه مجرد تعبير عن مشاعر الفنان، بل إن العمل الفني يجلب الوجود نفسه ليجلسه أمام مصابيح الحقيقة.
117-وهايدغر لا يخص الشعر بهذا، بل إنه ينطبق على فن العمارة والرسم وكل فن، وقد استخدم لوحات الرسام الهولندي فان غوخ لشرح فكرته حول تجسيد العمل الفني للوجود.
118-"لقد كان الشعر وسيطا بين السماء والبشر، فلم لا يكون العمل الفني حلقة الوصل بين الإنسان والحقيقة؟!".
مارتن
119-الذي حصل بهايدغر، هو أن الشعر أصبح عملية من عمليات الكشف عن الحقيقة، لأنه أبعد العملية المنطقية العلمية رغم أنها كانت تعمل كشرط رئيس من شروط التفلسف، ثم أطلق أسئلة الفلسفة على مجال الشعر، وقرأ الشعر قراءة وجودية، مقررا أن لا شيء يقارب الفلسفة في قول حقيقة الوجود، غير الشعر.
120-التفلسف على اللغة بدأ على الأقل منذ أفلاطون. ومع هايدغر أصبح هذا التفلسف محاولة لتفكيك بنيان الفلسفة الغربية وتوسيع سماء الوجود وإعطائه أبعادا جديدة وإبعاد الفكر الغربي عن عماده العقلاني ومكوناته الثقافية. وهو بهذا مكمل لعمل نتشه ومخلص لخطه في التفكير.
121-يتخيل الإنسان أنه قادر على إظهار الوجود وإخفائه، ثم يتوهم أنه سيد اللغة ومبدعها، والصحيح أن الكلمات طفت على السطح يدفعها الوجود دفعا للخروج، لقد كان دفعا لا دور للإنسان فيه.
122-لكن اللغة بيت الوجود وللبيت حارس هو الإنسان، وهو يحرس ويؤول أيضا، ومن يحرس يقدر أن يخفي. هنا تظهر مهمة التفكير وهي جعل الوجود يوجد وأن نسمح له بأن يقول كلمته في دواخل ذواتنا.
123-اشتهر هايدغر بأن لديه موقف من التقنية وفسر هذا على أنه عدو لها.التقنية عنده طريقة لحدوث حقيقة ما، أي لتكشف موجود ما، وهذه علامة من علامات زمننا حيث يتم استفزاز الموجود لكي يتكشف كشيء نستهلكه. هذا الاستهلاك يسم كل تفاصيل حياتنا، حياة كلها استهلاك، مما يجعل الموجود بلا حقيقة.
124-نحن في زمن هيمنة التقنية. الأشياء لم تعد أشياء.لقد تحولت إلى مواد للاستهلاك تحت الطلب.هذا لا ينحصر فيما ننتجه، بل ما يوجد في الطبيعة كذلك. ينظر إلى كل شيء على أنه مصادر للطاقة،وما يتبقى بعد الاستهلاك يتحول إلى قمامة. كل الأشياء تفقد حقيقتها. والإنسان كذلك سيذوب في هذا التكشف.
125-الإنسان هو الآخر سيضيع جوهره ويتحول لمادة مستهلكة. ما الحل؟يجب أن نبحث في شيئية الشيء،وما الذي يجعل الشيء شيئا أصيلا؟ما الذي يرفع الشيء عن أن يكون مجرد أداة للاستهلاك؟ كيف يستقل الشيء عن الاستهلاك؟ كيف يقوم الشيء بذاته ولذاته؟ البحث عن أصالة الأشياء قضية من قضايا الزن الكبرى.
126-في غفلة الحياة اليومية تمر بنا الأشياء(والبشر) في حالة خضوع تام كخروف العيد، ونغفل نحن أن نرى تلك الأشياء ونعجز عن الوقوف عندها لأن الاستعمال يفتح الباب أمام استعمال آخر وآخر،فتحيل الاستعمالات إلى بعضها في حركة سريعة لا تسمح بالتوقف عند الشيء نفسه. تماما مثلما يحدث في المصنع.
127-عندما يتحدث هايدغر عن الماضي والحاضر والمستقبل فهو لا يقصد3وجودات تتابع على خط الزمن، وإنما يقصد بها أنماطا مختلفة في الوجود.ورغم أنه يعطي المستقبل الأولوية في الأهمية،إلا أنه لا يقصدإلا أن الإنسان يولد في مواجهة إمكانية الموت التي "سوف"تحدث.هكذا تتقرر زمنية الموجود المتناهي.
128-هايدغر وأستاذه هوسّيرل كانا مفتونين جدا بكتابات المتصوف الفيلسوف مايستر إيكهارت(1260-1328)، وقد أثر فيهما تأثيرا عميقا. وإيكهارت بدوره كان يقدم فلسفة تشابه لحد كبير فلسفة الزن المشرقية، وكأنه يشرحها. رغم أنه يبعد للغاية (بحسب والتر ستيس) أن يكون إيكهارت ناقلا لعلوم الشرقيين.
129-في دراسة ديفيد ستوري(الزن في طريق هايدغر)زعم أن التحليلات التاريخيةلمقارنة لهيدجر بالزن تستند ع 3 أفكار: 1)كلاهما غير ميتافيزيقي بلا هوادة.
2) خطابهما شعري وغير عقلاني.
3) يهدفان إلى إحداث تحول جذري في حياة الفرد، ولا يسعيان لتقديم دليل نظري أو عرض أطروحات حول العقل أو العالم
130-معالجة هايدغر لقضايا الموت والسقوط والواقعية والزمانية والنظرة إلى اللغة والعقل المفاهيمي تتقاطع مع معالجة الزن لها. ويضاف إلى كل ذلك ما كان لديه من رغبة في إحداث التحول العميق في التفكير الذي كان لديه إيمان واضح بأن الثقافة الغربية في أمس الحاجة إليه.
131-ذكر أستاذ الفلسفة ويليام باريت حكاية حول هايدجر
واتصال بالبوذيةيقول فيها"أخبرني صديق ألماني لهايدجر بأنه زاره ذات يوم، فوجده يقرأ أحد كتب سوزوكي وأن هايدغر علق قائلاً:
"إذا كنت أفهم هذا الرجل بشكل صحيح، فهذا ما كنت أحاول أن أقوله في كل كتاباتي"
132-أصر هايدغر في كل مناسبة على أن الفهم الأخلاقي لفلسفته غير صحيح، فهو لم يكتب -بشكل مباشر على الأقل- عن الأخلاق ولا عن اللاهوت. كل فهم من هذا النوع هو انحراف عن الفهم. وللفهم الصحيح يجب على الإنحراف أن يعود لطريق القطار من جديد "تجاوز نسيان الوجود". "كيف نعيش في هذه الدنيا؟".
133-يقول الماركسيون إن هايدغر عدمي وهذا غير صحيح بتاتا،فهايدغر الذي ولد وعاش في بداية تعرف أوروبا ع العدمية في القرن ١٩ وتقديسها للعقل والعلم،يقرر أن هذا هو ما أبعدها عن معرفة حقيقة الوجود،حقيقة ما هو أساسي، وهذا ما أدى لتشويه التفكير واللغة وفصل الإنسان عن الفهم الإنساني الصحيح.
134-يسمي هايدغر (العلم الطبيعي التجريبي) (طريقة التفكير الحسابية) عنوان عميق يكفي لتصور موقفه من العلم الحديث. ويرى أنها هي السبب في هذا التشويه وغياب الفهم وما يترتب عليه من نشاط صحيح، وأنها هي السبب في القذف بالإنسان في النزعة العدمية. لكن، برغم كثرة تفنيده للعدمية ظنوه عدميا.
135-ويلوم هايدغر أفلاطون ويرى أن تعريفه للوجودبأنه حضور أزلي في المكان لا يتغير ولا يتبدل، صورة واحدة ثابتة لا تخضع للصيرورة، هو ما أدى لهذه النزعة العدمية التي ظهرت ملامحها واضحة في القرن التاسع واكتملت كمذهب فكري محدد في القرن العشرين.
136-ربما أنهم خدعوا بقوله "إن العدمية ليست سلبية بالمطلق" لكن لو أكملوا كلامه لوجدوه يقول إنها تحتوي على إمكان تحطيم نفسها،وأنها إمكان يجب أن يفهم،وبالتالي يمكن تجنبها. العدمية، عنده ليست مشكلة صغيرة يمكن تصحيحها بشيء من التوجيه،بل مشكلة عويصة نتجت عن نسيان الوجود وحلها في تذكره.
137-مسألة الوجود، كما أسلفت هي محور كل فلسفة هايدغر، هي مصدر كل فهم إنساني، وعندما نسيها الإنسان نسي معرفته الخاصة به، وفقد القدرة على التساؤل الجذري، أساس التفكير الحقيقي والحرية الحقة، وتحول إلى حيوان حذر ومكار لا يهتم إلا بالبقاء واللذة ولا يعرف معنى الجمال والحكمة والعظمة.
138-كيف نسينا الوجود؟ لأننا صدقنا أنه واضح بذاته، وأنه كما يقول الفلاسفة أكثر التصورات كلية. مع أن هذا التصور من أكثرها خواء. لقد نسينا الوجود لأننا أسأنا فهم علاقته بالزمن. فهمناه على أنه غير الأشياء، وأنه يتعالى على الزمن، ولا يتغير، وأن الأشياء هي التي تدور بين الوجود والعدم.
139-الوجود الزائف والوجود الحقيقي ونداء الوجود يشبه الحالة التي كان فيها "نيو" في قصة الماتركس، فالوجود الزائف هو الرضا بالعيش في المصفوفة، وقبول العالم الذي صنعته الآلات على أنه معطى، والتخلي عن الشك في نظام الأشياء المهيمن. نص الماتركس وجودي بامتياز.
m.youtube.com
140-لا تثور مسألة الوجود عند الإنسان إلا عندما يشك في مصفوفته،فيدخل في مواجهة أصيلة مع الموت.لننتبه إلى أن من يعيش تجربة الوجود الزائف يدخل تجربة الموت أيضا. لكنها تجربة لا استعداد فيها لأنها لا تعرف الموت إلا خلال موت الآخرين. إنها تجربة غير أصيلة لا تتجاوز عالم الأشياء المهيمن.
141-الفهم الحقيقي الأصيل للموت يحتاج لتجربة مختلفة يراها هايدغر في ظاهرة القلق.إنه نداء الضمير،نداء وجودك الخاص وحاجتك ل "العناية"بإمكانيات الوجود المستقبلية.تجربة الموت هذه هي ما يحرر الإنسان من مصفوفةونظام الموجودات المهيمن، حين يدرك تناهي وجوده، فيكتشف إمكان تجربة الوجود.
142-هذه الحياة تفهم عن طريق إمكانات متاحة داخل عالم الموجودات ونظامها الذي يبدو أنه لا يقبل التغيير.تجربة الموت الأصيل تكشف أن هذه الإمكانات مجرد إمكانات، الموت وحده الحتمي. لكن ميزة الموت هي أنه هو ما يكشف عن وجودنا ويوجهنا لإجابات أو إمكانات أخرى تصبح هي غاية أنشطتنا في الحياة.
143-موقفه من التكنولوجيا كالآتي: الإنسان يسعى للذاتية والحرية عن طريق إخضاع الطبيعة بواسطة التكنولوجيا. وهذا سيؤدي إلى تنازع الناس وتحاربهم على السلطة،وسيقود هذا لتأسيس كيانات تكنولوجية أكثر اتساعا وتنظيما،وهذا في حقيقة الأمر لن يوصل إلا إلى إخضاع كل البشر للتكنولوجيا العالمية.
144-حروب العالم الحديث، عند هايدغر، ليست بسبب الصراع الطبقي ولا إرادة القوة ولا التحيز ولا الانفعالات، وإنما نشأت وستنشأ بسبب محاولة الإنسان لضمان حريته في عالم الطبيعة بإخضاعها عن طريق التكنولوجيا. وهي حروب لا يمكن تجنبها بحال من الأحوال. هنا يتفق هايدغر مع هيغل في حتمية الحرب.
145-حديث هايدغر عن الموت لا يشبه من قريب ولا بعيد حديث الوعاظ، فقد صرح في عدة مواضع بأن فلسفته ليست معنية بالجوانب الأخلاقية ولا تهدف للتحدث عنها سلبا ولا إيجابا. هو يسعى لحالة تشبه (الساتوري)في فلسفة الزن، اليقظة (الاستنارة) التي بها يكون العيش الأصيل في العالم بعيدا عن الزيف.
146-برغم قلة حديث هايدغر في السياسة إلا أنه تحدث عن الحزب النازي وعن الأمركة وعن الماركسية. اهتم بالنازية منذ بداية الثلاثينات إبان سعي هتلر التدريجي للسلطة وكان يتصور أن النازية يمكن أن تكون تجربة أساسية عن الوجود الإنساني تكون حجر الزاوية لسياسة أصيلة وأخلاق أصيلة كذلك.
147-وأظن أن هايدغر كان يتصور أن بإمكانه كعميد للجامعة أن يصلح جوانب القصور في النازية وأن يكون عرابها كما كان هيغل عراب الدولة البروسية.لكن سرعان ما اتضح أنه واهم ودب الخلاف بينه وبين السلطة مما دعاه للاستقالة، و تبعتها فترة تضييق من قبل النازيين الذين نظروا إليه نظرة شك وعاقبوه.
148-نازية هايدغر التي يحب خصومه من الفرنسيين واليهود والماركسيين أن يذكروا بها في كل مناسبة،يجب أن تؤخذ في سياقها. هايدغر ككل ألماني عادي كان يشعر بمرارة الهزيمة في الحرب الأولى وأشد مرارة معاهدة فرساي وبنودها ال ١٤ والتي حملت ألمانيا مسئولية الحرب كاملة وأجبرتها ع دفع تعويضاتها.
149-من الطبعي تماما أن يظن الشعب الألماني كله وهايدغر معهم أن هتلر هو المسيح المخلص الذي سيرفع مرارة الذل عنهم. لكن النازية كشرت عن أنيابها سريعا لتستبدل صورة البطل المخلص بصورة المجرم الذي ارتكب كارثة الهولوكوست وتسبب في مقتل ٦٠ مليون انسان في الحرب الثانية.
150-ماذا نتوقع من شعب فخور يهزم في الحرب ويعود ليجد البلد في فوضى وتسقط الدولة ويأكل الناس الجيف؟ ما كان يمكن أبدا تجاوز فخ هتلر الذي قادها إلى شوفينية عدوانية مدمرة.ولا أظن أن هايدغر كان بريئا من الشوفينية، وإن كان قد عاد وانتقد آلهة النازية بأنهم خضعوا كغيرهم لصراع التقنية.
151-حاول هايدغر أن يدافع عن نفسه، بقوله إن الأغبياء وحدهم هم من فهموا أنه كان يحب نظام هتلر . لكنه لم يتبرأ صراحة من مقولاته النازية التي ظهرت بشكل واضح للعالم لأول مرة عندما طبعت "الملاحظات السوداء" كاملة في 2014. كما أن تعاطفه المتأخر مع ضحايا الهولوكوست كان باردا للغاية.
152-“الأمركة" بدورها هي مثل النازية في كونها صورة للنزعة العدمية التي تتصف بديكتاتورية العام على الخاص وسيطرة علوم الطبيعة والاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا. والأمركة ليست لبرالية ولا ديموقراطية، وإنما هي نموذج خاص من الوضعية المنطقية التي تخضع للتكنولوجيا والعلم.
153-حقيقة الأمركة عند هايدغر، هي أنها تركيب صناعي، أي فاعلية محورية لتخطيط اقتصادي وتكنولوجي ينظم عمل العامل ويرتبط بالأسواق العالمية.
154-ويمتد نقد هايدغر إلى الماركسية التي يعتبرها كأختيها نزعة عدمية ديكتاتورية تسعي لرفع عملية الإنتاج إلى الهيمنة ورد الإنسان إلى مجرد منتج. رغم أن هايدغر لا يعارض النظرة للإنسان على أنه "عامل". هناك فرق كبير بين النظر إليه كعامل وبين حصره في عملية الإنتاج.
155-كل هذه الآيديولوجيات تسيء فهم روحانية الإنسان وتفشل في الشعور بأهمية التفكير في قضية الوجود. كلها نسيت الوجود. كل هذه الآيديولوجيات تنطلق من الحداثة ومركزية الإنسان ونزعته العدمية وكل ذلك هو نتيجة للميتافيزيقا التي بدأت مع اليونان. النزعة العدمية بدأت مع اليونان بحسب هايدغر.
156-لا عجب بالتالي، أن يوصف هايدغر بأنه عدو للفكر الغربي وأنه ينزع نزعة صوفية مشرقية. هذا ضمن تهم كثير لا بد أن تلاحق العظماء من أمثاله. لكنه في تصوري لم يكن عدوا للفكر الغربي ولا للميتافيزيقا بإطلاق، وإنما كان يحاول استصلاح هذا الفكر بتلك العناصر الشرقية.
157-سباق الآيدلوجيات على التقنية، يقصد به هايدغر، سباق التسلح غير المسبوق الذي وقع خلال الحربين العالميتين وانتهى باختراع القنبلة الذرية. هذه نقطة ينبغي ألا تنسى، أن الحربين ألقت بظلالها على فلسفته وشخصه واختياراته وتحولاته النفسية والفكرية واهتمامه العميق بمصير الإنسان الفرد.
158-لماذا يحب هايدغر فلاسفة ما قبل سقراط؟ لأنهم هم من قدحوا زناد كشف الوجود الحق وعدم النسيان. في هذا الكشف يبدو الوجود على أنه عدم، لغز يغيض الإنسان غموضه، لكنه يشق طريقا جديدا للتفكير والنشاط، بل يدل على عالم جديد وتصور جديد لإنسانية الإنسان. إنهم هم من طرح السؤال.
159-ما الذي أزعج هايدغر في فلسفة أفلاطون؟ أنه سار بعكس طريق سؤال الوجود، بل أزال السؤال بأن قدم إجابة نهائية، فالوجود حضور أزلي يتمثل في عالم المثل الذي يقف ضد عالم الأشياء الزائل. وهكذا أخفى أفلاطون الوجود من حيث هو سؤال، ليعيده من حيث هو إجابة نهائية، وأنه جوهر الأشياء الثابت.
160-ما هو موقف هايدغر من السفسطائيين اليونان؟ إنه يرى أنهم ممن ساهم في انسحاب الوجود ونسيانه، لكنه يوجه اللوم الأكبر لأفلاطون وأرسطو. ما هو موقفه من سقراط؟ يرى أنه سار في خط غير خطهم جميعا وأنه كان مفكرا غير مذهبي، وإن كان يعده مفكرا غامضا. طبعا سقراط لم يكتب شيئا.
161-أفلاطون وأرسطو وأوغسطين وتوماوآباء الكنيسة وضعوا ترتيبا هرميا للموجودات عن طريق قربها من الوجود نفسه وهكذا تشكل بناء العالم الغربي وخرج الوجود من الطبيعة متجها للسماء. وهكذا اختفى الكون الأول في هذه الصورة.ثم تقوضت المسيحية نفسها وانسحب الوجود من جديد وأصبح الانسان هو المركز.
162-يرى هايدغر أن النظرة إلى العالم يجب أن تتحول من (ماذا يكون؟) إلى (كيف يعمل؟). وهذا هو توجه العلم اليوم. وهو موقف الزن أيضا بل هو موقف البوذية كلها.
163-ما فايدة الفن والشعر بوجه أخص ؟إنه الدليل على أن الموضوعية ليست شرطا للوصول للمعرفة.الشعر يهز الوجدان والحس هزا عنيفا ويوصلك لنتائج لا يوصل إليها العقل،والنحت والرسم دونا التاريخ. وها أنا أشرح أفكارا فلسفية معقدة من خلال السينما.هذا هو مدخل هايدغر لنسف أدوات الفلسفة القديمة.
164-التاريخ عند هيغل تطور جدلي للعقل حتى النهاية وبلوغ ذروة المعرفة المطلقة،وماركس قبل بعقلانية هيغل لكنه أنكر الوصول للنهاية،ونتشه أنكر العقلانية الجدلية وجعل العالم صيرورة محض لا يحكمها الا إرادة القوة والعود الأبدي،أما هايدغر فجعل نهاية التطور التاريخي في وحدة الوجود والتاريخ.
165-هذا لا يعني أن الوجود هو التاريخ،هو فقط يريد أن يقول إن التاريخ عملية كشف للوجود.إنه لا يقول إن الوجود تاريخي وإنما يقول إن التاريخ(أي الزمن)أبدي،إنه مصير يكشف عن نفسه في كل اتجاه من تكشفات الوجود.ومهما بدا العقل غامضا فإن الوجود يظهر بوضوح كسؤال يوجهنا نحو ميدان إجابات محدد.
166-رفض هايدغر مذهب هيغل وقرر أن التاريخ مجموعة اسقاطات للأزلية على الزمن، كشوفات غامضة غير متجانسة للوجود عبر الزمن،وكل زمن يدعي ملك الحقيقة، وهو يملكها حقا، لأنه يفهم ما هو أبدي بطريقته الخاصة،أي ما هو تعبير في ذاته عن الأبدي،أي تعبير عن الوجود من حيث هو كيف،يصف مصير الموجودات.
167-كتب خصوم هايدغر أن تحطيمه للميتافيزيقا وتشديده على الوجود الأصيل وأن المستقبل عنده مجرد كشف لا يستطيع التنبؤ به،كل هذا سيؤدي إلى توحد الأمركة والماركسية والنازية واستبعادها للقضايا الأهم وأنها ستقوض كل ما يميز نظام الحكم المناسب.وهذا حق،إذ ما الفرق بين أمريكا والصين اقتصاديا؟
168-بحسب الأستاذ بريت ديفز، علاقة هايدجر بالمسيحية وأفكاره حول الألوهية، من أعمق القضايا وأكثرها إثارة للفكر، كما أنها من أصعب المشكلات التي عانى منها واصفاً "صراعي مع إيمان ولادتي" بأنه أحد "الشوكتين الكبيرتين في جسدي". الشوكة الأخرى هي بلا شك علاقته المضطربة بالنازية والنازيين.
169-بقي هذا الصراع مستمراً طوال حياته، وإن كان تفكيره قد خضع لتطورات مهمة ومر بمجموعة من المحطات وعدد من التحولات فيما يتعلق بالمسيحية، لكن Gottesfrage (السؤال عن الله) بقي طوال الوقت مرافقا لمسألة Seinsfrage (مسألة الوجود) على طول تسفاره في عالم الفكر.
170-حتى حوالي عام 1917 أظهر هايدجر إيمانا عميقا بالكاثوليكيةوالتزاما فلسفيا بخط المدرسة الأرسطية/التوماوية.من هذا الالتزام سعى للدفاع عن الديانة صادّا هجمات"الحداثة".لكنه لم يقف عند هذا -حتى في تلك الفترة- بل سعى أيضا(كأي توماوي) لتطويرها في ضوء المنطق الحديث وتصوف العصور الوسطى.
171-بين عامي 1917 و 1919 خضع هايدجر لتحول ديني فلسفي عن مذهب الكاثوليك إلى بروتستانتية غير دوغمائية، أو لنقل أنه تبنى"مسيحية حرة". حدث هذا بإلهام من نصوص بولص وأوغسطين ولوثر وكيركجارد. ثم إنه سعى في 1920-1921 إلى توظيف (ظاهريات هوسيرل) لاستعادة فهم أصيل "للمسيحية الأولى".
172-هناك محاولة عربية مشابهة لصنيع هايدغر، سعى فيها حسن حنفي لتطبيق علم الظاهريات على الإنجيل في الجزء الثاني من كتابه (تأويل الظاهريات وظاهريات التأويل).
173-في عام 1927 خرج كتابه(الوجود والزمن). نص علماني بالكامل لا يلتقي مع المسيحية ولا ينطلق منها بقليل ولا كثير، وبسببه صار ينظر إليه كمعارض للفهم التقليدي للدين كما يُعبر عنه في المسيحية، حيث لم يُبتعد هايدجر عن المسيحية فحسب، بل صار معاديا لها في منتصف حياته ووصف فكره بالإلحاد.
174-من الكتب التي درست بدون مبالغة، الشبه والاختلاف بين هايدغر والزن، كتاب "أصداء العدم" وعنوانه الفرعي "الفكر بين هايدغر و دوغين" لمؤلفه (نيكو جينكنز). دوغين هو أحد الثلاثة الكبار في كل تاريخ الزن في اليابان وهو مؤلف الموسوعة التي تدعى (شوبوغينزو).
175-أول وجه للشبه لاحظته،قبل قراءة مثل هذه الكتب، هو وجه الشبه في الموقف من مواضعات اللغة conventional فالزن تحذر من الأسماء التي تواضعنا على استخدامها.إنها ترى أن تلك المواضعات هي أكثر ما يضلل الفكر،ولا بد من استخدام أسلوب آخر يتمثل في "الإشارة إلى العالم" بدلا من تسمية أشيائه.
176-يصف هايدغر كتبه بأنها "طرق لا مؤلفات". يقصد ألا نتعامل معها كما نتعامل مع المعلومات السريعة التي نجدها في قوقل، مجرد معلومات جزئية حول كل شيء. فكل نص من نصوص الأستاذ هو سبيل سيسير فيه التفكير، لكنه ليس خطة تعليمية تلقينية، بل طريق يتم شقه وحفره باستمرار، ويتغير مع كل خطوة.
177-سبل هايدغر ليست مجرد سؤال تتم الإجابة عنه، فالسؤال نفسه يتغير في الطريق، تسلط عليه أضواء جديدة باستمرار، والمفاهيم العقلية التي انطلق منها السؤال والمتسائل نفسه، تتغير هي الأخرى باستمرار. هكذا يرى هايدغر الفلسفة في ثوبها الجديد. لا عجب إذن أن علا صوت السفسطائية في القرن ٢٠.
178-نهاية رحلة التساؤل الهايدغري ليست خروجا بنتائج، فالنتائج تندمج في ذات المتسائل، فيتضح أن زبدة النص التي يفترض أن تكون نهاية الطريق ليست نهاية، وإنما أشارة إلى بداية جديدة بكر، مع الاعتراف بأهمية كل السبل والخطا وضرورتها في عملية التحول، كأهمية الوقوف على أكتاف العمالقة.
179-ذكر في محاضرة له أنه لم يأت للحديث عن حقائق العلم ولا الاقتصاد ولا الدين ولا السياسة ولا الفن،وإنما جاء ليتحدث عن المفهوم العام الذي تندرج تحته كل هذه الحقائق"مفهوم الوجود".ما معنى أن يكون الشيء موجودا؟هذا هو الأمر المشترك بينها كلها،وهو ما يجعل من كل حقيقة كيفما كانت، حقيقة.
180-الموقف الأغرب من هايدغر هو موقف رجال الدين، فقد كانوا يجلونه ويرون أنه وسع تصورهم للدين واستفادوا منه،رغم أنه قال إن المسيحيين لا يستطيعون طرح السؤال”لماذا كان ثمة وجود ولم يكن عدما”.يحضرون المؤتمرات السنوية التي تقام عنه ويحرصون على التعامل معه،مع أنه كان يتعامل معهم بشروطه.
181-أعتقد أن هذا الموقف الذي سجله رجال الدين هو من العقل والحصافة، فقد كانوا حريصين على ألا يكسبوه عدوا، رغم أنه في فترة معينة من حياته كان عدوا صريحا للمسيحية.
182-يحسن التنبه عند قراءة كتب هايدغر عن الفلاسفة الآخرين (كنت ونتشة مثلا) أن له فهمه الخاص الذي اختلف معه المؤرخون فيه، بل إنهم قالوا إن أحدا لم يتصور "كنت" بهذه الصورة. هايدغر كان يوصف بأنه سار في طريق لم يسر فيه أحد.
183-وحتى موقفه من الميتافيزيقا مختلف فهي ليست مجرد تصورات أو رؤية، وليست مجرد قسم من أقسام الفلسفة .. لا .. بل هي تاريخ حقيقة الموجود .. إنها الطريقة التي يتجلى بها الموجود .. وهي بذلك أسلوب نستخدمه للتعامل مع الموجود.
184-وهايدغر لا يوافق فلاسفة العلم والوضعيين الذين قالوا إن هيمنة الميتافيزيقا قد انتهت مع ظهور العلم التجريبي الجديد والتكنولوجيا، فالعلم يقوم في كل مظاهره وصوره على أسسس من الميتافيزيقا.
وعلى هذا أوافقه بالكامل.
185-ومن ذلك موقفه من نتشه، فالفكر الغربي يرى أن نتشه قد قلب الطريقة الأفلاطونية برمتها رأسا على عقب، أما هايدغر فيرى أن نتشه لم يخرج قط عن برواز الميتافيزيقا، وإن كان يعترف له بأنه يمثل اكتمال رحلة الميتافيزيقا، ومن خلاله كان هايدغر يحاور الحداثة والفكر الغربي كله.
186-الميتافيزيقا التي اكتملت مع نتشه هي ميتافيزيقا الصراع الذي لم يعد يكتفي بالرغبة في السيطرة على الطبيعة، بل ألحق الإنسان بالطبيعة، فأصبح هدفا لمحاولة الإخضاع التكنولوجي والاستثمار الصناعي.لذلك يبرز السؤال: لم لا نتوقف عن محاولة السيطرة من أجل غاية أسمى وأكثر أولوية وإنسانية؟!
187-هناك بحث لهايدغر اسمه (أفلاطون ونظرية الحقيقة) يقرر فيه أن أفلاطون وإن مات جسده، لم يمت فكره وتأثيره، فأفلاطون لا زال يحدد حاضر الفكر ومستقبله وكل تاريخ الغرب. من هذا البحث استفاد ديريدا كثيرا في كتابة بحثه (صيدلية أفلاطون) ولا يكاد يزيد عليه بشيء.
188-تصور الوضعي أوغست كونت في القرن ١٩ والوضعية المنطقية في القرن ٢٠ أن الميتافيزيقا قدانتهت.أما هايدغر فينتقد هذا الانسياق إلى تصور عصرنا بأنه تخلى عن الميتافيزيقا وأن ما يحدد الحياة هو(التفكير الحسابي)يقصد الأسلوب العلمي التكنولوجي الذي نتصور أنه وحده من يقوم بتأويل الموجود.
189-هايدغر يرى أن هذا كله كلام فارغ.فهذه الحضارة العالمية العلمية التكنولوجية لم تتخلص من الميتافيزيقا،بل على العكس،فهذه الحضارة العلمية هي الوجه الجديد للميتافيزيقا. بل هي اكتمال الميتافيزيقا الغربية.نحن تتخيل أنها غابت لمجرد أن خلايا الحضارة تشربتها فلم تعد ع السطح بل في العمق.
190-من هنا ندرك خطأ من تصور أن هايدغر اهتم بأفلاطون لأنه فيلسوف مثالي أقلقته الحربين العالميتين فذهب هاربا من الواقع والعالم الحسي للسماء.هذا كله غلط. فأفلاطون، ضروري لكي نتصور ما يحدث في عالمنا الواقعي المهموم بفرض سيطرة “التفكير الحسابي” لتأويل الموجودات ومن ثم السيطرة عليها.
191-في فيلم الماتركس،الإنسان الآلي يستعبد البشر ويستخدم أجسادهم كبطاريات وهذا ما قاله هايدغر قبل، فالتقنية كيفية تاريخية لحدوث الحقيقة، أي لتكشف الموجود.إنها علامة جوهرية على زمننا أن استثارة الموجود لكي ينكشف، تظهر أنه مجرد ذخيرة للاستعمال والرمي. هنا تصبح الموجودات بلا حقيقة.
192-بعبارة أوضح،يرى فيلسوفنا أن عصر هيمنة التكنولوجيا الذي اختار هايدغر أن يكون عساسا يستكنهه،يخترق كل مجالات حياتنا صغيرها وكبيرها ويصبغه بصبغته فلا نجد أنفسنا أمام أشياء،بل أمام مواد للاستهلاك تحت الطلب، ومن ضمنها الإنسان. هذا ما يقصده بمثال المطرقة التي لا ترى إلا إذا انكسرت.
193-نحن لا نلتفت لشكل المطرقة إلا إذا أصبحت غير صالحة للاستعمال.هذا ينطبق على كل شيء وكل أحد، الطبيعة والإنسان، فكل شيء مصدر للطاقة ومورد للمادة، ولا شيء يفلت من القبضة المدمرة.الفرق يكمن فقط في أن ما نصنعه نحن يتحول بسرعة لزبالة. هذا هو العالم الذي يحيط بالإنسان حين ينسى الوجود.
194-وبعبارة أكثر وضوحا، هذا الكون الذي نعيش فيه تظهر لنا أشياؤه، لا كمواضيع قابلة للوصف والتحليل والإدراك، بل كأشياء للاستعمال في حياتنا اليومية فلا نلتفت لها. الإنسان يصبح هو الآخر من ضمن هذه الأشياء التي نستعملها بغفلة، ولا ننتبه له إلا حين ينكسر. حين لا يصبح قابلا للاستعمال.
195-يقرر هايدغر في "أصل العمل الفني" أن الفن يحرر، ويعطي تجربة في الوجود الأصيل، على خلاف الوجود المزيف الذي خلقه العيش في عالم التكنولوجيا. الفن حقيقة تحدث، الفن صورة أصيلة نجرب فيها عالمنا وأشيائه، تجربة حقيقة صادقة تخرجنا من عالم الزيف.الفن تجربة أصيلة وذاتية للغاية، كالتصوف.
196-الوجود الزائف والوجود الأصيل .. أراها في كل سطر قرأته لهايدغر .. يشدد عليها لأنها قضية القضايا بالنسبة له .. إنها همه ومشروعه .. وكان لا بد أن يهزنا هزا عنيفا على طريقته لكيلا نقبل بأن نكون من التافهين.
197-لهايدغر محاضرة اسمها (البناء والسكنى والتفكير)قرر فيها أن ال ٣ شيء واحد في وحدة صوفية.كما أنه أعطى ال٣ تعاريف جديدة.وجعل لل ٣ علاقات ببعضها جديدة تختلف عن المعهود(فهو الرجل الذي يفكر بطريقة مختلفة عن كل من سلف)فالسكنى ليست سكنى البيوت والبناء ليس تشييدها والتفكير ليس الحسابي.
198-حتى السكنى والبناء لا تسلم من التحليل الفلسفي وذهن الفيلسوف المتقد حين يجلس يتأمل الأشياء ويحاول أن ترى عيناه فيها معنى غاب عن الأذهان عبر تاريخ الفلاسفة الذين هم أذكى الناس.هذا الحديث عن للسكنى والبناء هو جزء تفصيلي من كل مشروعه الكبير في استكناه الوجود وكشف اللثام عن وجهه.
199-مثلما رأيناه يتساءل: ما معنى الوجود؟ ما معنى العدم؟ ها هو يتساءل هنا: ما معنى السكنى؟ ما معنى البناء؟ فتنتهي تأملاته في هذه المحاضرة إلى أن البناء ليس وسيلة للسكنى، بل هو ذاته كيفية السكنى. نحن لا نفهم العلاقة العميقة بين البناء والسكنى حيث لا انفصال بينهما.
200-لكي يبرهن هايدغر على انتماء البناء للسكنى يعود كأي عالم لغة إلى اللغة، الألمانية تحديدا، وسأتجاوز التفاصيل المشتتة، ورجوعه لجذر الكلمات في الألمانية القديمة، ليثبت في النهاية أن البناء في حقيقته سكنى. طيب، ما هي السكنى؟ يعيدنا للغة. فيثبت أن السكنى هي السكينة والسلام.
201-طيب، ما هي السكينة والسلام؟ نعم هي تعنى المعنى الظاهر، لكنه لا يحصرها، فتزيد، لتكون عودتنا إلى جوهرنا الأول قبل أن تشوهنا الأحداث. لا بد أن يكون هناك مجال من الصيانة يكفل السكينة والسلام والبقاء على الأصل. وفي هذا الوجود المحفوظ يبقى كل شيء على أصله الأول "النقي".
202-السكنى هي جوهر وجودي أنا الفاني على هذه الأرض،وجود على الأرض وتحت السماء مع آخرين، وهناك وحدة تربطنا نحن الأربعة، أنا والآخر والأرض والسماء، نصبح شيئا واحدا. هذه العناصر ال ٤ يجب أن تتصور فهو كثير الحديث عنها: أنا والآخر والأرض والسماء.يجب أن تضحي بالذات وتتمزق من أجل الوحدة.
203-وحين يتحدث عن الأرض والسماء فهو لا ينظر إلى ما نقف عليه ولا إلى السقف الوهمي من فوقنا. هو ينظر للأرض من حيث أنها الانغلاق أو السجن أو الاحتجاب أو الاختفاء، أما السماء فهي الانفتاح على المجهول. هكذا يرى السماء حين ينظر إليها بعين الفيلسوف، انفتاح لا متناهي على ما لا تعرفون.
204-بحسب هايدغر،الوجود يوجد بسبب هذا الصراع بين السماء والأرض،بسبب النزاع والتمزق الذي يجب أن نقبل به. السماء هي الصيانة والرافع والأرض لا تبقى سلبية،بل تصبح الحاضن لكل إشراق، فتشرق بدورها، فتتجلى في انغلاقها، تشق المجال السماوي المفتوح. هذا هو وجه السكنى عندما يتجلى بوضوح وتمام.
205-فهم هايدغر في فهم تفاصيله ودراسة أمثلته الفرعية. أعني أن الموسوعات التي تكتب عنه المختصرات لا تخطئ في وصف مذهبه، لكن ذلك الوصف المختصر لا يترك في ذاكرة القارئ تصورا واضحا لقضايا هذا المفكر العظيم. لا بد من الولوج إلى عالمه المظلم وتحسس لمحات النور الذي لن يتجلى إلا في الظلمة.
206-بالنسبة للفيلسوف الوضعي وعالم الطبيعة،هذا كله كلام فارغ.بالنسبة لهايدغر وهيغل وصدر الدين الشيرازي وعدد من الفلاسفة العظماء هناك مراتب للوجود، وهم يعترفون بالحقيقة الوضعية وأنها الطبقة الأولى، لكن فوقها طبقات(كعصير الطبقات) سواء أسموها مراتب مشككة أو مركبات الديالكتيك أو غيره.
207-يحسن لقارئ هايدغر أن يعلم أن الرجل ليس بعالم فيزياء، ولا يتحدث عن النظام الشمسي وقوانينه، فهذا العلم عنده "تفكير حسابي قاصر". عندما يقول"العالم" فهو يقصد الفرسان الأربعة( أنا الفاني والآخرون الفانون والأرض والسماء) وهؤلاء الأربعة لا يمكن إرجاعهم لأصل سابق، فالأربعة هم الأصول.
208-ما الذي يأخذه على التقسيم العلمي(ذات تعرف)و(موضوع يُعرف)؟أن الإنسان بهذا لا ينتمي للعالم بصورة أصيلة فيه،نحن وجود في العالم،ولسنا دارساً يدرسه من الخارج،والعالم لا يحدث إلا بالنسبة إلى الإنسان،وهذا الإنسان لا يعرفه هايدغر بالحيوان الناطق(كأرسطو)وإنما يخاطبه هايدغر بالفاني.
209-ارجع إلى فصل(قيمة الفلسفة) في كتاب مشكلات الترجمة لبرتراند راسل (صفحة 299 بترجمتي) وستجد أن هايدغر نقيض راسل وراسل نقيض هايدغر، رغم دعوة راسل لتقليل الذات في مقابل الموضوع، إلا أن روح الفلسفة العلمية لا يمكنها بحال أن تتجاوز هذا التقسيم.
210-بالنسبة لهايدغر الموت ليس حدثا مستقبليا، بل هو موجود من الأساس في بذرة الحياة، هو الوجه الآخر للعملة، هو لم يغب يوما حتى يخيفنا كقادم غريب. أي إنسان استيقظ من عالم النسيان وعاش الوجود الحقيقي، يعرف هذه الحقيقة.
211-وحده الذي يعيش الوجود الزائف،مع الآخرين، حيث ثرثرة التافهين الذين تثير طريقة تفكيرهم الرغبة في التقيوء، يحدث النسيان،نسيان ماذا؟نسيان إمكانية الموت في أي لحظة، من خلال الهروب إلى صخب الحياةوالوظائف التي نؤديها وتقوم هي بالتعريف بنا.هذا مدرس،هذا فنان،وكل التعاريف لا تعني شيئا.
212-هذا الوعي بالموت واستشعاره، لا يعني أن تتبول على عقلك فتلتحق بالجماعات الدينية السرية الذين إن أسلمتهم رقبتك وعقلك فسيعاملونك كمعاملة أي ثور في ساقية! وسيخبرونك كيف تفكر، وكيف تشعر!ومن تحب ومن تكره! وما يجب عليك فعله! وتعليمات من يجب عليك أن تأخذ! العيش مع التافهين خير لك.
213-لكي نفهم أرض هايدغر، فسنتخيل نهرا عليه جسر. وعندما أمارس الحضور أمام الجسر فسأجد نفسي والآخرون والأرض والسماء.إن الجسر يستند للأرض فيكشف عن جوهرها كحامل للجسر،لكنها منغلقة فالانفتاح صفة السماء. الجسر يجمع النهر وضفتيه ويعطينا شيئا من جمال الطبيعة،ويتجلى جوهر النهر كنهر حقيقي.
214-لكننا نقع في براثن الوجود المزيف ونسقط في دوامة النسيان فنمشي على الجسر دون أن نشعر بشيء من هذا، رغم أنه وجودنا. والجسر أصبح مجرد أداة كأي أداة، مطرقة أو فأس. والنهر بدوره أصبح مجرد مصدر للطاقة المائية تتعامل معه المولدات الكهربائية بطريقة آلية باردة لا تبصر أدنى أثر للجمال.
215-ولو عدنا الآن، وخرجنا من دوامة النسيان، فسنجد أننا نبصر الجسر فعلا وهو يتسامى عن الأرض، يتسامى نحو السماء المنفتحة، فيضيف على السماء بعدا لم يكن موجودا لديها، إنها تحصل على شيء ما كانت لتحصل عليه من دونه، إنه يجعلنا نبصر السماء، بعد أن كانت محتجبة، بعد أن غفلت عنها العيون.
216-من الخلافات العميقة بينه والعلم التجريبي، أن العلم لا يعترف بالعدم ولا يقر بوجوده. هناك ذات تعرف، وهناك موضوع يُعرف ولا شيء آخر،والعدم مصطلح ميتافيزيقي.هايدغر يرى أن هذا عيب في العلوم التجريبية، وهو أول من نبهني إلى أن العلم وإن كان يلعن الميتافيزيقا إلا أنه لا يقوم بدونها.
217-لكن إذا كان العلم لا يقع إلا على الموضوع،أي على شيء موجود،فكيف لنا أن ندرس ذات العلم؟لقد استدرج هايدغر العلم ليسائل نفسه عن ماهيته وعن الأداة التي سيُعرف بها؟ هنا يبرز العدم كوسيلة سيستخدمها العلم للحديث عن نفسه. العلم يتوقف على العدم، بل إنه يستحيل لولا تجلي العدم في الوجود.
218-هايدغر، وإن كان مجدد الوجودية الثائرة على هيغل، إلا أنه ابن المثالية الألمانية ولا بد أن يتأثر به.من هنا جاءت منافحته للاعتراف بوجود العدم.نافح عنه أمام العلم، ونافح عنه أمام المنطق الذي رفض بدوره العدم. المنطق-كالعلم- يعتقد أن العدم غير موجود، فكيف يعترف بأن له مزايا وخصائص!
219-أين سنجد هذا العدم الذي يتحدث عنه هايدغر؟ يقول:سيتجلى لنا عندما نجرب القلق. وهذا برأي العلم غير ممكن، إذ كيف سنتعاطى مع قضية خطيرة كهذه، اعتمادا على حالة وجدانية خالصة مثل القلق؟!
220-عند الأوائل، الوجدان شعور ذاتي لا يمثل الحقيقة، فالحقيقة تطابق مع ما في الأعيان، أو الفكرة والموضوع.أما هايدغر فينطلق من الحقيقة كانكشاف. ومن هنا يرى أن الوجدان له علاقة عميقة بالحقيقة، فهي الصورة الأساسية حيث يتكشف ويتجلى وجودنا في هذا العالم.
221-بالنسبة للأخ/الزميل هايدغر، حالة الوجدان، هي الكيف الأول الذي يتجلى لنا فيه وجودنا في هذا العالم، مع الآخر، وبناء عليه فإن أي سلوك في أي اتجاه، لا بد أن يقوم على هذه الحالة : فرح .. حزن .. شوق .. حنين .. أمل .. يأس .. خيبة.
m.youtube.com
222-هذا الحكي بالنسبة للعلم فارغ،فالأحوال الوجدانية مجرد مشاعر داخلية ذاتية لا علاقة لها بالحقيقة،ولطالما كانت الذاتية عدوة للعلم الذي يعتمد على الموضوعية وتطابق الفكرة مع الموضوع إلخ.بكل بساطة هايدغر لا يسلم لهم بهذا وهم لا يعتبرون تفكيره علميا.وهو يرى أن علمهم تفكير حسابي ناقص.
223-كيف يفهم هايدغر الوجدان ؟ ألا يعتبره ظاهرة نفسية؟ لا. إنه ليس مجرد ظاهرة نفسية تحس في داخلنا ثم تنعكس على علاقاتنا. هذا هو الفهم الذي يحاربه هايدغر، لأنه يتجاهل التحديد الأساسي الذي يقبله هايدغر، إلا وهو أن الوجود لا بد أن يكون وجودا في العالم، لا يمكن فصل هذا عن هذا.
224-ماذا عن علاقة هايدغر بالدين؟يقول ديديير فرانك،أشهر الباحثين الذين اعتنوا بعلاقة هايدغر بالمسيحية،أن العلاقة معقدة للغاية.فأغرب موقف من هايدغر هو موقف رجال الدين، يمدحونه ويحضرون كل مناسبة عنه، ويرون أنه وسع فهمهم للدين، وكانوا حريصين عليه، فيم هو حذر منهم، ويحدد شروطا للقاء.
225-وفي حوار عن الفلسفة مع رجال الدين تلى إحدى محاضراته، قال هايدغر: "إن الفلسفة -إذا نظر إليها بصورة جذرية - لا بد أن تكون إلحادية".
من أين أتت هذه؟ لا بد أنها ستكون صدمة في البداية لمن يريد أن يجمع الفلسفة والإيمان. لكنه سيعود ويهدأ حين يتذكر أن كثيرا من الفلاسفة كانوا مؤمنين.
226-لكن ماذا يقصد بكلامه عن النظرة الجذرية؟ أعتقد أنه يقصد أن نقطع مع الفيلسوف ونبقى مع الفلسفة "في ذاتها". كتاب "الوجود والزمن" لا ينطلق في حكاية قصة الوجود من العهد القديم ولا الجديد. رؤية علمانية دنيوية بحتة لا تستند إلى أي سلف. ولأن هايدغر يؤمن بجذرية الفلسفة كتب كتابه هكذا.
227-كتاب الوجود والزمن نص ملحد، لكن هذا لا يعني أن هايدغر نفسه ملحد.لقد كتب نصا فلسفيا وأراد أن يؤسس نظرية فلسفية في الوجود، ومن يريد أن يفعل هذا لا يمكنه أن ينطلق من العهد القديم ورواياته التي نعلم اليوم كذبها المؤكد. هذا النص الفلسفي يقطع مع هايدغر الإنسان وليس شرطا أن يتطابقا.
228-هذا ليس مجرد تحليل أو قراءة لي، بل قد صرح هايدغر أنه يعتبر "الإلحاد" كلمة شنيعة، وأنه لا يقرها. أنا كثير النسيان لكن سأبحث عن مصدر هذا الرفض الذي أجزم أني قرأته للأستاذ.
229-هل يمكن أن نرى أفكار هايدغر في السينما؟ نعم ستجدونها في أعمال "تيرنس مالك". مالك ليس مجرد فنان بل أستاذ فلسفة، دررسها في( mit) وترجم كتاب هايدغر (جوهر المنطق) للإنكليزية،ثم ترك التدريس وأصبح يخرج الأفلام. "الخط الأحمر الرفيع"و"شجرة الحياة" فيها كلها ستجد قصة الوجود المحدود.
230-الأعمال العظيمة لتيرنس مالك مشبعة بفلسفة هايدغر و بقضية نسيان الوجود وحدود الوجود وأن لا خوف من الموت. وأن الخوف الحقيقي يجب أن يكون من الاستيقاظ على الندم حين تدرك أنك لم تقدر حق التقدير ما كان في يدك في يوم من الأيام. هذا ظاهر جدا في "شجرة الحياة".
231-حديث هايدغر عن "إلحاد" الفلسفة أعاد لذهني بحثا لأحد الفرنسيين قرر فيه "وثنية الفلسفة"! فقد نشأت في اليونان التي يعتقد أهلها بصراع زوس وإخوانه على حكم السماء. لكن هذا لا ينفي أن اليهود والمسيحيين والمسلمين قد بذلوا جهودا جبارة لتطهير المنطق من الوثنية في العصور الوسطى.
232-ضروري أن نتعرف على أسلوب الأخ/الزميل في طرح الأسئلة(السؤال بما):ما العلم؟ ما الذي يجعل العلم علما؟ ما الميتافيزيقا؟ ما الذي يجعلها ميتافيزيقا؟ ما الوجود؟ ما الذي يجعل الوجود وجودا؟ ما العدم؟ ما الذي يجعل العدم عدما؟ وهذا ينطبق على الدين، ما الدين؟ ما الذي يجعل الدين دينا؟
233-ما الحياة؟ ما الذي يجعل الحياة حياة؟ ما الموت؟ ما الذي يجعل الموت موتا؟ ما الحقيقة؟ ما الذي يجعل الحقيقة حقيقة؟ عدم الاستعجال والتريث والسكنى بجوار هذه الأسئلة يجعلنا نفهم هايدغر أكثر من فتحي المسكيني الذي ترجم(الوجود والزمن)ترجمة جعلت الكتاب يشبه طلاسم السحرة، وهو ليس كذلك.
234-من القصص التي علقت بذاكرتي الهزيلة أصلا،ما ذكره مارتن عن فلاحة ألمانية كانت تمازحه وتسائله،في وقت كان مشغول الذهن برغبته المحمومة في أن يصبح عميد جامعة فرايبورغ، ثم إنه أصبح مع مجيء النازيين إلى السلطة عميدا لتلك الجامعة. ود لم يدم، فقد اختلف معهم وبعد سنة وقدم استقالته.
235-ثم تحول الحلف إلى أن صار النازيون يتشككون فيه ويضيقون عليه، فعاد إلى الغابة السوداء حيث كانت تلك الفلاحة واتضح أنها قد تزوجت وانتقلت من تلك القرية، فكتب يقول: لسؤالها عني ( وكيف حال الأستاذ؟) أحب إلي من عمادة الجامعة.
237-كيف يعررف هايدغر الدين؟ الدين هو "كل اعتقاد جازم لا يقبل السؤال" وينبع من ضمير الإنسان. بناء على هذا التعريف يعتبر هايدغر أن الماركسية دين، لأن خصومه الماركسيين لديهم اعتقاد جازم في العلم الطبيعي.
ويكمل بأنه لا يوجد أحد ليس لديه دين، بناء على التعريف.
m.youtube.com
238-كثيرة جدا هي أسماء اللاهوتيين الألمان من رجال الدين اعترفوا بأن مارتن وسع مداركهم مثلما وسع تصورهم للدين بعد أن كانوا يتخيلون إن الدين هو المسيحية وحدها. لا بد أن هناك كتاب واحد يجمع أسماء كل هؤلاء في مكان واحد.
239-ماذا يعني هايدغر بكلمة "الحضور"؟ الحضور هو نفسه ما يمنع من حدوث الكارثة عندما تنقل قدرا ممتلىء بالماء الذي جاوز درجة الغليان من على الفرن إلى مكان آخر. هذا هو الحضور، عند أداء فعل .. بلا أفكار أو تخيلات أو انشغال ذهني أو مخاوف تربك خطانا.
240-هناك من يربط ويقارن بين أفكار هايدغر (المتأخر بصفة أخص)عن الوجود وأفكار صدر الدين الشيرازي عن الحقيقة الجوهرية والحقائق المشككة، وأنا أوافق على هذا، فخط المتصوفين واحد بغض النظر عن أماكن تواجدهم، هذا شيء مذهل يصلح كدليل على موضوعية التجربة وأنها ليست بذاتية محضة كما قيل.
241-ما الحقيقة؟ الحقيقة أننا كلنا نعرف الحقيقة. لكنها ليست تطابق ما في الأذهان مع ما في الأعيان كما قال الجد المؤسس أفلاطون، بل هي شيء يتجلى ويشرق للحظات باستمرار كما نلمح البرق. كيف؟ خذ مثلا الحوار بين أي اثنين وكيف يتجلى أين أخطأ كل واحد وأين أصاب، ولذلك يتصالح العشاق.
242-أكثر من تحدى الحقيقة هم السفسطائيون وقد أحسنوا وأفادوا. هي ليست كلية محضة ولا جزئية محضة. هي ليست ذاتية خالصة ولا موضوعية تماما. في كل ما تسمعه وتراه هناك حقائق جزئية ذاتية ومنهما ستتجلى لك حقيقتك الكلية ولاتظنن أنها لك فقط، فهناك من يشاركك ذات الرؤية في مشارق العالم ومغاربه.
243-لنعد للدين. نص (الوجود والزمن)نصٌ ملحد، وقد سبقه نصوص دينية لهايدغر الشاب، نعلم أنه بدأ ك "طالب علم" يسوعي. هايدغر الشيخ يختلف مرة أخرى عن هايدغر (الوجود والزمن) وهايدغر اللاهوتي. وفي النهاية دفن بناء على رغبته كواحد من الروم الكاثوليك. لا أدري لم يجد البعض صعوبة في تصور هذا.
244-في مقابل عدنان إبراهيم الذي تصور أن "إيمانويل كنت" كان يفتتح دروسه بآيات من القرآن، نجد نقيضه المثقف الذي يريد أن يتصور كل فيلسوف ذكي على أنه ملحد. فلنتوقف عن إسقاط رغباتنا على فكر غيرنا لنجعلهم يقولون ما نريد نحن قوله. دعهم يكونوا هم، كما هم، وكن أنت أنت.
245-هناك كتاب لهايدغر لا يقل أهمية عن "الوجود والزمن" بدأ في كتابته ١٩٣١ ولم يطبع كاملا إلا بعد وفاة مارتن بنحو ٤٠ سنة في ٢٠١٤ وقد كان صدمة لكل قراء هايدغر الذين ظنوا أنهم فهموه، لأنه أخرج أسرارا لا نعرفها مثل أن هايدغر التحق بحزب هتلر بسبب العداوة والبغض الذي وقع بينه والكنيسة.
246-the black notes هذا هو اسم الكتاب وترجمته هي (الأفكار السوداء) والبعض يسميه (الملاحظات السوداء) أو (الملاحظات السوداء). لم أر من أسماه (الأفكار السوداء) لكن هذه هي التسمية التي أميل إليها. السواد مأخوذ من جلد الكتاب الزيتوني الأسود، وأفكاره أيضا لا تخلو من سواد.
247- يوضح كتاب(الأفكار السوداء)أن بغض هايدغر لليهود كان موجودا من قبل التحاقه بالنازية وبعد خروجه منها. ولم يغير من الأمر شيئا أن أستاذه هوسيرل(واحد من أعظم فلاسفة القرن) كان يهوديا، ولا أن حبيبته كانت يهودية. مع رفضنا للنازية والعنصرية إلا أن موضوع الألمان واليهود شديد التعقيد.
248-المراسلات الشخصية ضرورية لفهم ديكارت وسبينوزا وغيرهما، وهايدغر مثلهم، فقد كتب إلى صديق له في عام 1929 قائلا: "يجب أن تبقى الكاثوليكية المعاصرة مصدر رعب لنا". ما معنى رغبته في بقاء الرعب؟لا شك أن تاريخ هذا الصراع بينه والكاثوليكية هو إلى حد كبير "تاريخ حياة هايدجر الفلسفية".
249-في بحث اسمه "العودة إلى الدين في أعمال مارتن هايدغر" أضاف الباحث واسمه "ميزي"، أن مارتن، قبل كتابة "الوجود والزمن" وحين كان شابا صغيرا يعد نفسه لحياة الرهبنة وليصبح قسيسا كاثوليكيا، كان يبهر أساتذته بفهم عميق استثنائي للدين، لم يكن عند أقرانه، على الصعيدين الروحي والفقهي.
250-ما هو تعريف الحقيقي؟ بحسب العلم (الذي يسميه هايدغر التفكير الحسابي) الحقيقي هو ما يقع تحت بصري وسمعي، لكنه في الواقع ليس سوى إشارات كهربائية تنقلها الحواس ال 5 إلى الدماغ فيفسرها بحسب قوالب فكرية معينة.هذا هو وجه القصور في العلم، أنه لا ينفذ إلى عمق الأشياء ولا يصف وعينا بها.
251-كلما أعدت النظر اليوم في نصوص هايدغر التي خصصها للحديث عن الموت، يتملكني شعور بأن هذا الحديث يقل مقدار دورانه حول الموت عن مقدار دورانه حول الحياة، وأن المعني به بالدرجة الأولى هم أولئك الذين لم يبدؤوا حياتهم بعد!
252-هذه التغريدات جيدة لكنها مبعثرة ولا بد من إعادة ترتيبها. كان أخي حسن بن فرحان المالكي يقول لي(أنت إذا بحثت مسألة لم تترك مجالا لمتعقب لكنك مشتت الذهن). ولذلك ساعدني في ترتيب أبواب كتاب الصلاة بأن اقترح وضع الفصلين الأولين في آخر الكتاب على هيئة ملحقات.
اللهم فرّج همّه.
253-عالم المقدس عند هايدغر هو مجال الدين.لكنه لا يقول أكثر من ذلك. لأنه يعتقد أن مهمة الفلسفة هي التأمل في الوجود فقط.ليس للفلسفة أن تحكم على ادعاءات الأديان. ليس لها أن تتكلم عن حقيقة الله. ولم يوضح العلاقة بين الله والوجود ولذلك بقيت مصطلحاته من مثل "الوحدة" غامضة وقابلة للجدل.
254-علاقة فلسفة هايدغر بالأفلاطونية المحدثة جعلت بعض الشراح يفترضون مسبقا معادلةً بين "الله" وما يسميه هايدغر "الوجود" أي أنهما واحد ويمثلان "الواحد" الأفلوطيني. لكن البروفيسور جون كابوت، صاحب كتاب "العنصر الصوفي في فكر هايدغر" ينفي وجود هذه المطابقة عند فيلسوف الغابة السوداء.
255-ويؤيد البروفسور روبرت بيرناسكوني ما تقدم به البروفسور كابوت، مقررا لاختلاف الجوهري بين هايدغر وسبينوزا، وأن هناك شيء في فكر سبينوزا منعه من السير في الطريق التي سلكها هايدغر فيما بعد.
256-في محاضراته عندما كان "طويلب علم" سعى لتحديد المسيحية كتجربة للوجود الحقيقي.لكن(في الوجود والزمن)ودراساته عن المسيحية الأولى، صار لديه موقف عدائي من التراث اليهودي/المسيحي كله، وأنكر أن يكون له أي أصالة، فلم تكن القضية مجرد تحاشي للحديث عنهما بل سعى لإيجاد بديل للديانتين معا.
257-من ملامح عداوة هايدغر للمسيحية(في فترة ما)تقريره بأن اعتقاد البشر بفكرة "المخلّص"هو أكبر عدو للفكر الأصيل. طيب، ماذا سيفعل بالموت مصدر القلق الكبير وموضوع الأساطير والقصص القديمة إذا تخلى عن الحل المسيحي؟
إنه لم يقفز صوب فكرة الخلود كما فعل غيره، بل جلس يدرس طبيعة الموت نفسه.
258-الموت، عنده، برغم كونه أكبر تهديد للفرد، بل للكون بأسره، هو الصورة الأكثر أصالةفي جعل الوجود ممكنا. والإنسان( أحيانا يقول"الوجود" ويقصد به الإنسان)هو من يتأثر بالدمار والموت، وبه وحده نفهم الوجود(الإنساني والكلي) من خلال الوصول للطريقة التي يكون فيها الإنسان مسؤولاً عن حياته.
259-لا معنى للوجود إن لم يكن هناك عدم يجعلنا نفهم ما معنى أن يكون أي شيء موجودا. ولا معنى للحياة إن لم يكن هناك موت يجعلك تفهم وتشعر بطعم كل ثانية في الحياة. ولا معنى على الإطلاق في قصة رجل يموت على الصليب ليكفر عن خطايا البشر.أنت وحدك المسئول عن سعادتك وتعاستك.
هكذا تحدث هايدغر
260-أنت .. أنت وحدك من يقوم بالاختيار. حتى عندما تكذب على نفسك وتقول إن غيرك اختار لك.حتى عندما تتوهم أن هناك من خدعك. أنت .. أنت وحدك المسئول عن خياراتك التي اخترتها وعن خياراتك التي أعرضت عنها ولم تخترها حين يتضح أنها كانت الصواب. أنت .. أنت وحدك ولا أحد سواك. فلا تُشح بوجهك.
261-عندسبينوزا وهيغل وهايدغر، تكمن الحرية في وعي الإنسان بحدوده،فالحرية هي الوعي بالضرورات التي تحكمنا، كمن يفيق فيجد نفسه مكبلا بسلاسل فلا يحاول كسرها بيده الضعيفة، برغم كونها أداة غير واعية تكبل واعيا.وعيي بالقيد أقوى من كل ثرثرة تمجد الفرد وإرادته الحرة.وهذه هي الحرية والحكمة.
262-في فترة وسيطة من حياته، تطور لدى هايدغر "نوع خاص جداً" من التصوف، يمكن تصوره في سياق النقد لصور التصوف الديني بعامة. هذا التصوف "الخاص" يُفهم، إذا تجاوزنا السياق اللغوي للتصوف المسيحي وكل تصوف. تصوف هايدغر "الخاص" هو وسيلة لفهم جديد لفهم صور ومضامين الدين المتغيرة باستمرار.
363-هذه الرحلة العظيمة، من اللاهوت إلى نقده ثم تجاوزه في "الوجودوالزمن" ثم التصوف، ثم نقده، جعلت هايدغر الرائد الحقيقي لما يسمى بالفيلسوف الما بعد/علماني، أو ما بعد/حداثي، سمّه ما شئت. لقد تجاوز الضد وضده ليكون شيئا فريدا للغاية.
364-برغم الروح العدائية للمسيحية في الفترة الوسيطة من حياة مارتن، إلا أننا رأيناه يتحول عن ذلك العداء صوب "تصوف شعري" (لا طقوسي) ساهم بشكل كبير وبشهادة رجال الدين أنفسهم، في خلق فهم أفضل لطبيعة الدين في عصر علماني.
365-من أين أتى هايدغر؟ أتى من اللاهوت الألماني في القرن ١٩. هذا اللاهوت يعتمد على نصوص متصوفة القرن ١٤ التي تقرر أن الوحدة بين الله والإنسان قد تجلت في المسيح، حيث نبذ الخطيئة وترك الأنانية والسعي للتوحيد بين إرادة الله وإرادة الإنسان. كل هذا تجلى واكتمل في كتابات مايستر إيكهارت.
366-في عام ١٥١٨ أعاد لوثر طباعة تلك النصوص لأنه كان حريصا على كل ما يفكك سلطة الكنيسة الكاثوليكية، فكانت تلك الطباعة سببا في انبثاق مزيد من تيارات الفكر الصوفي، في ألمانيا التي أصبحت بروتستانتية، وسرعان ما نشأت تيارات مشابهة في العالم الكاثوليكي. كل هذا نشأ بسبب اللاهوت الألماني.
367-لكي نفهم الأمور فهما دقيقا صحيحا، لا بد أن نبدأ من هنا، فالفلسفة المثالية الألمانية بدأت من هنا، من علم اللاهوت الألماني والتصوف الألماني، والصراع بين مايستر إيكهارت والكنيسة في روما. هكذا نفهم كل الفلاسفة الألمان، بمن فيهم من دخلوا في عداء مع الدين من مثل فويرباخ ونتشه.
368-فكر هايدجر يجري عميقا في تاريخ الفلسفة الغربية والفكر الألماني خاصة، والنافذة التي فتحها اللاهوت الألماني. وقد شرح جون كابوتو، لأول مرة، كيف أنه واصل بطريقة خاصة تأصيل العنصر الصوفي في الفلسفة، وقرر إنه جزء لا يتجزأ من هذا التراث، لكنه تجاوز مواضيعه التقليدية إلى أفق أرحب.
269-وقع هنا تصحيح لخطأ في الترقيم.
270-صعود النازية ثم وقوع الحرب العالمية الثانية وآثارها المدمرة على الثقافة الغربية،كل ذلك طوّر فهم هايدغر للدين وقاده الانهيار التدريجي للتدين التقليدي إلى فهم أعمق للطقوس اللاهوتية ومن هنا تقدم بمحاولة صوفية لإعادة كتابة الموضوعات الدينية التقليدية بطرق جديدة مختلفة جذرياً.
271-يؤكد هايدغر أن ثورة نيتشه ضد الدين كانت في حقيقتها أعلى تعبير يمكن أن يكون عن الدين نفسه. لقد قدّم صورة محدثة للدين، بثها في كتابه ذي النغمة الدينية "هكذا تحدث زرادشت". وبرغم أن نتشه مهم للغاية بالنسبة لهايدغر، إلا أنه مكمل الميتافيزيقا الغربية، وجاهل بالمعنى الحقيقي للوجود.
272-يرى المتصوفة أن المعرفة الحقيقية هي معرفة الشيء من الداخل بحيث يذوب الفراغ بين العارف والمعروف وبهذا تتحقق ذات العارف، حين يدرك أن العارف والمعروف شيء واحد. هذا الوجود يُعرف بالشهود. وهذا هو ذاته رأي السيد هايدغر ولبّ فلسفته وعمادها.
273-سأسلط هنا ضوءا ع هذه الجزئية لعلها تتضح أكثر. المعرفة عند هايدغر والمتصوفة لا تكمل ما دام أن الذات تعي بوجودها كشيء خارجي ينظر إلى الداخل، فهذه الذات تعيق المعرفة، لأنها جدار عازل بين العارف والمعروف. الوجود لا يُدرك إلا بتجاوز هذه الذات، هذه الأنا، بحيث يختفي الوعي بها.
274-ربما أن الشاعر الفرنسي شارل بودلير كان مُلهماً لهايدغر فيما يتعلق بمحاولة استخدام الشعر للكشف عن العلاقات الخفية بين عالمنا الظاهر والعوالم الباطنية بهدف التغلب على أوجاع الوجود. أقول ربما، لأنه يفترض أن توجد دراسة حقيقية جادة تستكنه هذا المدى.
275-بالنسبة لما نعرفه اليوم باسم العلم التجريبي الحديث، لا بد له من ذات وموضوع ولا بد من تطبيق مبدأ السببية. أما هايدغر فيسمي العلوم الطبيعية باسم "التفكير الحسابي" calculative thinking أي أنه منهج ناقص من مناهج المعرفة.
276-هذا مدخل غاية في الأهمية لفهم هايدغر، كونه يرفض رد الإنسان لعالم العلم الطبيعي، لأن في هذا اختزال لتجربته العظيمة الخصبة كإنسان يعيش في هذه الحياة كجزء من العالم لا كمتفرج. هايدغر هو نقيض ب.راسل الذي طالب في "مشكلات الفلسفة" إلى تقليص الذات لأقصى مدى ممكن، لصالح العلم الحديث.
277-استخدم هايدغر مصطلح "العودة إلى الدين" لكن ليس على طريقة كيركغور الذي يمايز بين المسيحية والعالم المسيحي، فهايدغر يرى أنهما شيء واحد. كما أنه رفض طريقة مجمع "ترنت" المسكوني لإحياء الكاثوليكية في مواجهة البروتستانتية.
278-نقده للمسيحيةكان غريبا للغاية، بحيث أصبح نوعا من التقدير المتبادل بينه وبينها. ربط هايدغر بين فكرة "النقد الأصيل" و "القبول لأفكار المفكر"، بمعنى أن الأصيل من أفكار المفكر لا يمكن أن يُرفض. هل سأوافقه على هذا؟ نعم، الفكرة الأصيلة لا يمكن أن تُرفض للأبد، حتى وإن رفضت بداية.
279-نعم، هايدغر رضي بمبدأ العودة إلى الدين. لكن الأمر لا يتعلق فقط بعودة ظهور الدين بشكل ما، بل بتغيير لموقفنا من الدين بحيث تعبر العودة عن اهتداء عميق للقلب والعقل. عودة تأتي إلينا في شكل استنارة وبصيرة ووعي جديد وإيمان ومعرفة. شيء يختلف كلية عن عمل كل الكنائس وعن كيركغور أيضا.
280-من القضايا التي وقف فيها مارتن وحيدا، في زمنه، كثيرون اليوم يوافقونه، أن اللغة تتحكم في الفكر، وأنها ليست مجرد أداة له."ثعبان البحر"اسم تواضعنا عليه، وكان من الممكن أن يبقى مجرد "سمكة"، ولأن اللغة جعلته ثعبانا،استدعى هذا سؤالا عن حكم الدين في أكله. أرأيتم أن اللغة هي المتحكم!
281-تبدو عبارة مارتن "الانفتاح على الوجود"، وكأنها تعني شيئاً فخماً غامضاً، بينما هي لا تعني شيئاً غير الإنصات، مثلما في فلسفة الزن. صمت اللسان وصمت العقل التحليلي عن كل ما قد يرغبان في قوله تصديقاً أو تكذيباً، كي تنطق الطبيعة، بدون أن نحبس أغانيها في قوالب فكرية أو مقولات عقلية.
282-في كلمة واحدة، وصف سارتر لهايدغر بأنه ملحد"غلط". ولو أنه أدرك لبّ فلسفة هايدغر لما قال ما قال. وصفه للحقيقة يوضح ذلك"فالحقيقة انفتاح على الوجود يقع في الشعور" هكذا تحدث هايدغر. هذا يعني أن قضية الدين بقيت عنده قضية غير محسومة، بل تركها للشعور، وللكيفية التي تقع بها في الوعي.
283-هناك شبه إجماع في أقسام الفلسفة الأمريكية أن كتابات هيوبرت دريفوس تمثل أفضل شرح لفلسفة هايدغر باللغة الإنكليزية. وقد أضيف دراسات تلميذه وليام بلاتنر، فمن الاثنين استفدت الكثير، وقد أضيف جون كابوتو مؤلف كتاب "العنصر الصوفي في فلسفة هايدغر".
284-يحسن أن ننتبه إلى أن مارتن فيلسوف لقضية واحدة يكررها في كل كتاب "نسيان الوجود". لكنه ليس مجرد تكرار، بل كان في كل مرة يحررها ويصحح آراءه فيها ويلقي بإشراقات جديدة على جوانب لم يغطها من قبل ويكملها. هناك خلاف هل مشروعه كامل أم ناقص يحتاج لكتاب آخر. بالنسبة لي يبدو كاملا تماما.

جاري تحميل الاقتراحات...