(من أيامي الأولى:
أشتات وأصداء)
سردٌ مسلسلٌ:
١)
دخلت المدرسة الابتدائية في أواخر السنة الهجرية ١٣٩١ (يوافقها آخر ١٩٧١)، وكنا في أبها، إذ كان والدي رحمه الله مديرًا لتعليم البنات في الجنوب، وبقي فيها ست سنوات (١٣٨٨-١٣٩٤).
=
أشتات وأصداء)
سردٌ مسلسلٌ:
١)
دخلت المدرسة الابتدائية في أواخر السنة الهجرية ١٣٩١ (يوافقها آخر ١٩٧١)، وكنا في أبها، إذ كان والدي رحمه الله مديرًا لتعليم البنات في الجنوب، وبقي فيها ست سنوات (١٣٨٨-١٣٩٤).
=
٣)
كانت لي في تلك المدرسة ذكرياتٌ، مشاهدُ متقطّعة، مثل فِلْم قديم بالأبيض والأسود، خُزِن خَزنًا رديئًا، فتلف أكثره، وغمُض جزء منه.
وما بقي في الذاكرة متصل بمواقف غريبة أو مفزعة.
وأشدّ الفزع الباقي مشهد اليوم الأول لتلميذ صغير مستجدّ، خارج من دفء البيت، إلى صقيع المجتمع الجديد.
=
كانت لي في تلك المدرسة ذكرياتٌ، مشاهدُ متقطّعة، مثل فِلْم قديم بالأبيض والأسود، خُزِن خَزنًا رديئًا، فتلف أكثره، وغمُض جزء منه.
وما بقي في الذاكرة متصل بمواقف غريبة أو مفزعة.
وأشدّ الفزع الباقي مشهد اليوم الأول لتلميذ صغير مستجدّ، خارج من دفء البيت، إلى صقيع المجتمع الجديد.
=
٤)
فوجئ الصبيّ، وهو يجرّ خطاه الثقال للدخول من باب المدرسة الخارجي المفضي إلى الساحة الكبيرة، بحشد الطوابير، وجموع المعلمين، والوجوه الغريبة، والزحام غير المعهود.
ورأى جماعات تدخل، وصفوفًا تنتظم، وسمع ضجيجًا، ونداءات مبهمة، وأصواتًا متداخلة، وفتيانًا يتبادلون الابتسامات.
=
فوجئ الصبيّ، وهو يجرّ خطاه الثقال للدخول من باب المدرسة الخارجي المفضي إلى الساحة الكبيرة، بحشد الطوابير، وجموع المعلمين، والوجوه الغريبة، والزحام غير المعهود.
ورأى جماعات تدخل، وصفوفًا تنتظم، وسمع ضجيجًا، ونداءات مبهمة، وأصواتًا متداخلة، وفتيانًا يتبادلون الابتسامات.
=
٥)
وشاهد أطفالا ذاهلين مغرورقي العيون، في أرض ترابية!
فهاله ما رأى، وأوجس في نفسه خِيفة.
ولم يتنبّه له أخوه الكبير الذي كان يمشي أمامه، ثم غاب عن عينيه، إذ انخرط في الطابور الذي عَهِده من قبل.
أما هو فنكص على عَقِبيه لاهثًا، لا يلوي على شيء، يُغِذّ خطاه إلى العُش الذي درَج فيه.
=
وشاهد أطفالا ذاهلين مغرورقي العيون، في أرض ترابية!
فهاله ما رأى، وأوجس في نفسه خِيفة.
ولم يتنبّه له أخوه الكبير الذي كان يمشي أمامه، ثم غاب عن عينيه، إذ انخرط في الطابور الذي عَهِده من قبل.
أما هو فنكص على عَقِبيه لاهثًا، لا يلوي على شيء، يُغِذّ خطاه إلى العُش الذي درَج فيه.
=
٦)
ولم يشعر ذلك الصبي بنفسه إلا وهو في البيت مرة أخرى، غرقًا بدمعه، متلجلج اللسان، مضطرب الجوانح، خائفًا من المدرسة وما رأى فيها.
ولا يذكر كيف ذهب به والده مرة أخرى، ولكنه يتذكر الأطفال الذين حُشر بينهم، وقد بدؤوا درسهم الأول.
=
ولم يشعر ذلك الصبي بنفسه إلا وهو في البيت مرة أخرى، غرقًا بدمعه، متلجلج اللسان، مضطرب الجوانح، خائفًا من المدرسة وما رأى فيها.
ولا يذكر كيف ذهب به والده مرة أخرى، ولكنه يتذكر الأطفال الذين حُشر بينهم، وقد بدؤوا درسهم الأول.
=
٧)
وفي مشهد آخر مفزع، كنت باكيًا صارخًا.
فقد وقع، وأنا في السنة الثانية، أن تأخر معلّم الحصة الأخيرة في أحد الأيام، فتنادى بعض (صعاليك) التلاميذ إلى الخروج، وأنى لهم ذلك وعلى الباب حارس باسط ذراعيه بالوصيد؟
ولكنهم خرجوا، وأنا معهم، ولا أذكر كيف مَلَصْنا!
فكان من الغد ما كان!
=
وفي مشهد آخر مفزع، كنت باكيًا صارخًا.
فقد وقع، وأنا في السنة الثانية، أن تأخر معلّم الحصة الأخيرة في أحد الأيام، فتنادى بعض (صعاليك) التلاميذ إلى الخروج، وأنى لهم ذلك وعلى الباب حارس باسط ذراعيه بالوصيد؟
ولكنهم خرجوا، وأنا معهم، ولا أذكر كيف مَلَصْنا!
فكان من الغد ما كان!
=
٩)
نودي على التلاميذ واحدًا فواحدًا، فضُرب كلٌّ بالفلَقة، ولم يُجْدِ الصراخ ولا البكاء، وسط صمت التلاميذ المختلط بالخوف والرعب.
وأما أنا فلما نودي باسمي، تشبّثت بالمنضدة الخشبية المتصلة بالكرسي، فجاء المراقب وجرّني جرّا، حتى تحركت المنضدة من مكانها، ثم ذقت طعم الفلَقة المُرّ.
=
نودي على التلاميذ واحدًا فواحدًا، فضُرب كلٌّ بالفلَقة، ولم يُجْدِ الصراخ ولا البكاء، وسط صمت التلاميذ المختلط بالخوف والرعب.
وأما أنا فلما نودي باسمي، تشبّثت بالمنضدة الخشبية المتصلة بالكرسي، فجاء المراقب وجرّني جرّا، حتى تحركت المنضدة من مكانها، ثم ذقت طعم الفلَقة المُرّ.
=
١٠)
وعدت إلى الكرسي، وأنا لا أكاد أطأ على الأرض، مما نال أخمَصَيّ من الضرب المبرّح!
ذلك مشهد حيٌّ في الذاكرة لا يفارقها!
والمضحك فيه أن أحد زملائي أسرّ إليّ بعد أن هدأت آلامي، قائلًا:
(ترى المدير يشوف اللي ورا الجدار)!
=
وعدت إلى الكرسي، وأنا لا أكاد أطأ على الأرض، مما نال أخمَصَيّ من الضرب المبرّح!
ذلك مشهد حيٌّ في الذاكرة لا يفارقها!
والمضحك فيه أن أحد زملائي أسرّ إليّ بعد أن هدأت آلامي، قائلًا:
(ترى المدير يشوف اللي ورا الجدار)!
=
١١)
ولم تكن تلك هي المرة الوحيدة التي ضُربت فيها، غير أن المرة الأخرى جمعت الضرب والظلم.
دخل المعلم، والفصل في ضجيج وأجيج، فأراد بسط سلطانه، فاستدعى عدة تلاميذ مشاغبين، ورآني أهوي بيدي إلى الأرض لآخذ قلمي، فدعاني وضربني بعصاه الغليظة معهم، مع أني كنت بريئًا
=
ولم تكن تلك هي المرة الوحيدة التي ضُربت فيها، غير أن المرة الأخرى جمعت الضرب والظلم.
دخل المعلم، والفصل في ضجيج وأجيج، فأراد بسط سلطانه، فاستدعى عدة تلاميذ مشاغبين، ورآني أهوي بيدي إلى الأرض لآخذ قلمي، فدعاني وضربني بعصاه الغليظة معهم، مع أني كنت بريئًا
=
١٢)
ولم يكن الضجيج والشغب سجية لي، إذ كنت شديد الهدوء والسكينة، وهذا ما جعل أحد زملائي في الثانوية يصفني بـ(الرجل الإنجليزي)! قاصدًا أني بارد الدم!
في تلك الواقعة ذقت مرارة الظلم.
=
ولم يكن الضجيج والشغب سجية لي، إذ كنت شديد الهدوء والسكينة، وهذا ما جعل أحد زملائي في الثانوية يصفني بـ(الرجل الإنجليزي)! قاصدًا أني بارد الدم!
في تلك الواقعة ذقت مرارة الظلم.
=
١٣)
والشيء بالشيء يُذكر:
حين انتقلنا إلى الرياض، وأنا في السنة الرابعة، كنت أنافس زميلًا في الحصول على الترتيب الأول في (اختبار الفترات)، على ما كان يسمى آنذاك، فقال رائد الفصل:
(من أخذ منكم الأول فله جائزة).
ووفقني الله فكنت الأول في (الفترة الأولى)، وانتظرت الجائزة، ولم تصِل!
=
والشيء بالشيء يُذكر:
حين انتقلنا إلى الرياض، وأنا في السنة الرابعة، كنت أنافس زميلًا في الحصول على الترتيب الأول في (اختبار الفترات)، على ما كان يسمى آنذاك، فقال رائد الفصل:
(من أخذ منكم الأول فله جائزة).
ووفقني الله فكنت الأول في (الفترة الأولى)، وانتظرت الجائزة، ولم تصِل!
=
١٤)
وفي (الفترة الثانية) تقدمني زميلي، فصرت الثاني، وإذا بالأستاذ يُحضر له جائزة!
لم أحمل هذا إلا على الهوى، أو نقص الخبرة التربوية.
وهذه الدقائق من علاقة التلميذ بأستاذه تنطبع في الذهن، كأنها نقش في حجر.
الطفل يسامح ولكنه غالبًا لا ينسى.
=
وفي (الفترة الثانية) تقدمني زميلي، فصرت الثاني، وإذا بالأستاذ يُحضر له جائزة!
لم أحمل هذا إلا على الهوى، أو نقص الخبرة التربوية.
وهذه الدقائق من علاقة التلميذ بأستاذه تنطبع في الذهن، كأنها نقش في حجر.
الطفل يسامح ولكنه غالبًا لا ينسى.
=
١٥)
في أحد الأيام أقامت مدرسة (التطبيقات) حفلة بعد العصر، لا أذكر مناسبتها، فحضرتها، وأشعرني الزحام بأن كل من في (أبها) حاضرون!
وحين انتهى الحفل، تدافع الجمعُ كبارًا وصغارًا، فدفعني سيلهم الجارف، فوقعت على الأرض، وشعرت بالأقدام تطأ جسدي، وكدت أتلف.
=
في أحد الأيام أقامت مدرسة (التطبيقات) حفلة بعد العصر، لا أذكر مناسبتها، فحضرتها، وأشعرني الزحام بأن كل من في (أبها) حاضرون!
وحين انتهى الحفل، تدافع الجمعُ كبارًا وصغارًا، فدفعني سيلهم الجارف، فوقعت على الأرض، وشعرت بالأقدام تطأ جسدي، وكدت أتلف.
=
١٦)
ثم شعرت وأنا أجاذب أنفاسي، مستصرخًا، بيدين تمسكانني من عضديّ، وترفعانني.
وظل هذا الذي أنقذني رافعًا إياي فوق الناس، حتى خرج بي إلى الساحة الخارجية، ووضعني على الأرض، ثم مسح رأسي، وقال بحنان بالغ:
بك شي يا ولدي؟
=
ثم شعرت وأنا أجاذب أنفاسي، مستصرخًا، بيدين تمسكانني من عضديّ، وترفعانني.
وظل هذا الذي أنقذني رافعًا إياي فوق الناس، حتى خرج بي إلى الساحة الخارجية، ووضعني على الأرض، ثم مسح رأسي، وقال بحنان بالغ:
بك شي يا ولدي؟
=
١٧)
كنت أُجهش باكيًا، فلم أجب.
فقال: تعرف بيتكم؟
فأومأت أنْ نعم.
فقال -ويده على كتفي-:
هيا، رَوِّح، الله يستر عليك.
لا أدري لماذا كنت وحيدًا في ذلك الحفل، فلا أذكر أن والدي ولا أخي كانا حاضرَين!
أنقذني الله بذلك الشهم الذي
لا أعرفه، ولكن الله يعرفه.
=
كنت أُجهش باكيًا، فلم أجب.
فقال: تعرف بيتكم؟
فأومأت أنْ نعم.
فقال -ويده على كتفي-:
هيا، رَوِّح، الله يستر عليك.
لا أدري لماذا كنت وحيدًا في ذلك الحفل، فلا أذكر أن والدي ولا أخي كانا حاضرَين!
أنقذني الله بذلك الشهم الذي
لا أعرفه، ولكن الله يعرفه.
=
١٨)
في السنة الثالثة الابتدائية نُقل جزء من تلاميذ (التطبيقات المسلكية) إلى مبنى مستأجر، ولعل لاكتظاظ المدرسة أثرًا في هذا، وكان في نهاية الشارع خلف جامع النمصاء، ولم يكن ملائمًا، فغرفه ضيقة، لأنه بيت لم يُهيّأ ليكون فصولًا.
=
في السنة الثالثة الابتدائية نُقل جزء من تلاميذ (التطبيقات المسلكية) إلى مبنى مستأجر، ولعل لاكتظاظ المدرسة أثرًا في هذا، وكان في نهاية الشارع خلف جامع النمصاء، ولم يكن ملائمًا، فغرفه ضيقة، لأنه بيت لم يُهيّأ ليكون فصولًا.
=
١٩)
وكان فصلنا ممرًّا يفضي إلى سُوَيحة، فإذا قُرع جرس الفسحة، تقاطر التلاميذ مارّين بفصلنا، فكانوا يحُوْلون بين المعلم وإكمال الدرس، بنزَقهم وضجيجهم، فتصبح خاتمة درسنا حَيص بَيص، وتسنح فرصة الشغب، والمعلم مغلوب على أمره!
فنحن على ما قال شوقي:
مِهارٌ عرابيدُ في الملعبِ
=
وكان فصلنا ممرًّا يفضي إلى سُوَيحة، فإذا قُرع جرس الفسحة، تقاطر التلاميذ مارّين بفصلنا، فكانوا يحُوْلون بين المعلم وإكمال الدرس، بنزَقهم وضجيجهم، فتصبح خاتمة درسنا حَيص بَيص، وتسنح فرصة الشغب، والمعلم مغلوب على أمره!
فنحن على ما قال شوقي:
مِهارٌ عرابيدُ في الملعبِ
=
٢٠)
وكانت سُويحة المدرسة غير كافية لإقامة الطابور الصباحي، فكان يُقام في الشارع الترابي المجاور.
ومرارًا كان بعض المارّة يخترقون صفوفنا، وأحيانًا تحفّ بنا بضع سيارات، وهي قليلة آنذاك.
وكان الطابور شبيهًا بالوقفة العسكرية الصارمة، فعيون المراقبين مسلّطة على الطلاب.
=
وكانت سُويحة المدرسة غير كافية لإقامة الطابور الصباحي، فكان يُقام في الشارع الترابي المجاور.
ومرارًا كان بعض المارّة يخترقون صفوفنا، وأحيانًا تحفّ بنا بضع سيارات، وهي قليلة آنذاك.
وكان الطابور شبيهًا بالوقفة العسكرية الصارمة، فعيون المراقبين مسلّطة على الطلاب.
=
٢١)
والإصغاء إلى الإذاعة الصباحية من أهم الضرورات في ذلك الطابور.
وكلّ يوم يُختتم الطابور بأن يقف طالب صَيِّتٌ، فيرفع عقيرته قائلا:
تعيش المملكة العربية السعودية
فنصيح خلفه:
تعيش تعيش تعيش
ثم يقول:
يعيش جلالة الملك فيصل بن عبدالعزيز المعظم
فنردد كلنا بصوت مؤتلف:
يعيش يعيش يعيش
=
والإصغاء إلى الإذاعة الصباحية من أهم الضرورات في ذلك الطابور.
وكلّ يوم يُختتم الطابور بأن يقف طالب صَيِّتٌ، فيرفع عقيرته قائلا:
تعيش المملكة العربية السعودية
فنصيح خلفه:
تعيش تعيش تعيش
ثم يقول:
يعيش جلالة الملك فيصل بن عبدالعزيز المعظم
فنردد كلنا بصوت مؤتلف:
يعيش يعيش يعيش
=
٢٢)
وفي هذا الطابور المقام في الشارع كانت حادثةٌ طريفة لم أنسها.
سوف أقصّ خبرها لاحقًا.
وفي هذا الطابور المقام في الشارع كانت حادثةٌ طريفة لم أنسها.
سوف أقصّ خبرها لاحقًا.
جاري تحميل الاقتراحات...