أ.د. طلال الطريفي
أ.د. طلال الطريفي

@AltorifiTalal

25 تغريدة 12 قراءة Aug 04, 2021
(1-25)
العربي...
الذي أربك الملوك وأفشل دسائس بلاطات القصور
لم يكُن ذلك القادم من أقاصي الجزيرة العربية يتوقع أن سيأتي من صلبه رجلاً يحكم جزءًا مهمًا من القارة العجوز يومًا، حين جاء مُحاربًا في جيش طارق بن زياد سنة (711م). هذا المُحارب العربي: عبدالملك بن عامر المعافري.
(2-25)
أُقطِع المعافري عبدالملك مزرعةً جنوب الأندلس في الجزيرة الخضراء، جزاءً له نظير مشاركته الحربية، وعُرف عنه قربه من القادة المسلمين بعد ذلك. تناسل أبناؤه من بعده، وجاء من نسله أحد العُبَّاد الزُّهاد أبو حفص عبدالله بن محمد، الذي مات قافلاً من الحج ودفن في طرابلس الغرب.
(3-25)
كان لأبي حفص ابنًا طموحًا طالبًا للعلم، ورث العوز والفقر وظروف العيش الصعبة بعد وفاة والده، لكنه كان طموحًا ذكيًا وصاحب همةٍ عالية. ابنه محمد (أبو عامر)، الذي اضطر أن يتوقف عن طلب العلم، وراح مع أبناء عمومته إلى القيثارة الأندلسية (قرطبة) طلبًا للرزق.
(4-25)
في الطريقِ إلى قُرطبة كان شارد الذهنِ عن أقرانه، فقال له ابن عمه بما تفكر؛ فأجاب: أُفكِر كيف أحكم هذه الأرض يومًا، فرد عليه: إن حكمتها فطف بي شوارع قرطبة تحت حمار. لم يدرك ابن عم محمد في تلك اللحظة أن أمرًا كهذا قد خُبئ لأبي عامر، الذي سعى إلى ما فكر به.
(5-25)
وصل إلى قُرطبة وعمل بما يُتقن أمام قصر الخلافة الأموية بصياغةِ الخطابات التي يتقدم بها الناس للخليفة، يتقاضى على ذلك أجرًا يسيرًا عن كل خطابٍ يكتبه. ومع الوقت لفت محمد الأنظار من داخل القصر لقدرته البلاغية وخطه الجميل، فصار معروفًا بأسلوبه وقدراته التحريرية.
(6-25)
ولكونه طالب علم؛ كان فقيهًا متبحرًا، لذا سعى أن يكون معاونًا لثاني أشهر القضاة محمد بن السليم، وقد اختار ابن السليم بعناية، لأنه علم أن القاضي الأول محمد بن بشير في أواخر عمره، ولن يرثه في قوة القضاء سوى ابن السليم، وبدأ يلمع نجمه في بلاط الخلافة الأموية في الأندلس.
(7-25)
قُدِّم ليكون في خدمة الخليفة الأموي الحكم الثاني المستنصر بالله (915-976م)، وحين اقترب من بلاد الخلافة زاد بريقه، فقدمه حاجب الخليفة جعفر المصحفي ليكون وكيلاً لابن الخليفة عبدالرحمن سنة (967)، ولكن عبدالرحمن توفي صغيرًا فنقلت وكالته لأخيه هشام المولود في (970م).
(8-25)
كانت زوجة الخليفة صُبح وأم هشام تثق في أبي عامر لدرجة أنها سُحرت بعمله، لذا كان خلال توليه وكالة أبناء الخليفة يُكلَّف بمهامٍ أخرى، منها مدير إدارة سك العملة والمواريث وقضاء أشبيلية ولبلة، ثم الشرطة في قرطبة. وكان بارعًا في جميعِ أعماله التي كُلِّف بها رغم اختلافاتها.
(9-25)
تزوج محمد بن أبي عامر زواجًا سياسيًا، بعد أن اقترن بشقيقةِ رئيس حرس الخليفة الحكم الثاني، ما جعله يزداد سلطةً وثراءً، حتى أنه بعد ذلك بنى له قصرًا في الرصافة. استمر ابن أبي عامر في خدمة البلاط حتى جاءت أزمة ولاية العهد بين ابنه الطفل هشام وابن أخيه المغيرة بن عبدالرحمن.
(10-25)
سعى ابن أبي عامر ليكون هشامًا وليًا للعهد، وحين توفي الخليفة (976م)، سعى الصقالبة لتولية المغيرة ليزدادوا قوةً بعد أن بدأ محمد يسحب البساط من تحتهم، خاصةً أنه في أواخر عمر الحكم الثاني صار يعتمد على ابن أبي عامر في قيادة الجيوش التي اعتذر عنها أعتى القادة وانتصر فيها.
(11-25)
علم الصقالبة أن محمدًا منقلبٌ عليهم لا محالة، فدبروا مكيدةً لتنصيب المغيرة، أخبروا بها الحاجب جعفر المصحفي الذي أبدى لهم موافقته وفي الوقت نفسه كلف ابن أبي عامر بتولي اغتيال المغيرة في قصره، وبعد تردد أرسل محمد من قام بخنق المغيرة وقتله أمام زوجته فخلت الساحة أمامه.
(12-25)
عُيِّن هشام خليفة تحت الوصاية، ونُكب الصقالبة بعد مؤامرتهم، فتغيرت موازين القوى، إذ أصبحت السلطة بين ابن أبي عامر والحاجب المصحفي، الذي ما طال زمنٌ إلا وتوترت العلاقة بينه ومحمد، فالمصحفي كان يسعى لقرارات ينقضها محمد بقرارٍ من الخليفة وبتدبيرٍ مع أمه صُبح.
(13-25)
استمر الصراع الخفي بين محمد والمصحفي حتى أذنت الظروف لتغير الموازين مرةً أخرى، بعد أن هجمت مملكة قشتالة على قلعةٍ قريبةٍ من قرطبة، ما اضطر ابن أبي عامر إلى قيادة الجيش ليطرد الغُزاة، ويعيد توازن القوى ويوسع حدود الدولة الأموية شمالاً لأقصى حدودها.
(14-25)
خلال ذلك كانت هنالك شخصية أثرت في تغيير التوازنات، وهي شخصية غالب الناصري أمير مدينة سالم، الذي كان على خلافٍ حاد مع المصحفي، وبدأ التقارب بين الناصري وابن أبي عامر، فتنبه المصحفي لذلك وأراد أن يكسب الناصري بمصاهرته، لكن ابن أبي عامر سبقه وصاهر الناصري.
(15-25)
بعد أن ثقلت كفة ابن أبي عامر؛ سعى لتجريد المصحفي من القوى القريبة منه، حتى وصل إلى اللحظة التي أصدر فيها أمرًا باسم الخليفة بسجن المصحفي وأبنائه ومصادرة أموالهم، فخلت الساحة أمام محمد في قرطبة. لكنه بعد ذلك دخل في نزاعٍ مع صهره الناصري، بعد أن تقاطعت مصالحهما ونفوذهما.
(16-25)
كانت الأحداث تسير في زيادة حدة التوتر بين الصهرين، حتى اضطر الناصري إلى التحالف مع بعض القوى المسيحية ضد ابن أبي عامر، ما جعل ابن أبي عامر يعمد إلى تصفيته وقتله والالتفات إلى حلفائه المسيحيين الذين أصبحوا لوحدهم أمام قوة محمد سنة (981م).
(17-25)
يُلحظ من مسيرة ابن أبي عامر واستراتيجيته أنه كان يعمد إلى الدخول في صراعات مع من يوازونه في السلطة، ويبدأ بتضييق الخناق، مستندًا إلى حظه الذي كان دائمًا ما ينصفه بجانب ذكائه وقدراته ونباهته، إضافةً إلى حبِّ الناس له لما عُرف عنه من عدلٍ وإنصاف في ما يقضي فيه بينهم.
(18-25)
في المقابل مع أعدائه أو منافسيه لم يكن رحيمًا، بل كان قويًا، اقترف تدبير القتل لشخصيتين خلال فترته مُجبرًا بالظروف حين قتل المغيرة الأموي وغالب الناصري. علمًا أن قتله للمغيرة كان بضغطٍ من المصحفي، لو لم يقم به لما وصل إلى ما وصل إليه من سلطةٍ وقوةٍ تفرد بها بعد ذلك.
(19-25)
ولنجاح ابن أبي عامر المتكرر في تصفية منافسيه؛ وجد نفسه في صراعٍ مع آخرهم، وهي أم الخليفة هشام، التي اتهمت بعشقها لابن أبي عامر (صُبح)، حيث أُشيع عنها عشقها له نتيجة دعمها المتواصل له، حتى قيل أنها كانت متزوجةً منه بالسر، علمًا أن أمرًا كهذا لم يثبت؛ عشقًا أو زواجًا.
(20-25)
حين تفرد ابن أبي عامر بالسلطة حجر على هشام في قصره، وأوهم الناس أنه اعتزل للعبادة، وبنى حول قصره خندقًا لفرضِ مزيدٍ من العزلة عليه، وعزل والدته حتى توفيت سنة (1000م). تلقب بالمنصور، ونودي باسمه على المنابر، وبنى دولةً داخل دولة الأمويين سميت بالعامرية.
(21-25)
وعلى رغم النزاع والصراع السياسي الذي مر بن المنصور في المنافسة على السلطة؛ إلا أنه أعاد هيبة الدولة الأموية في الأندلس مقابل القوى المسيحية في الشمال، وقد سيطر وأحكم قبضته على الأندلس مدة 27 عامًا حربًا وسلمًا، لم يقم بما قام به قبله من بني أمية سوى عبدالرحمن الناصر.
(22-25)
قاد المنصور ما لا يقل عن 50 معركة في حربه مع الممالك المسيحية في الأندلس، وأرهبهم وأفزعهم وأخضعهم خلالها، لذا يقال أنه لم تنكس له راية حرب في جميع معاركه، وبلغت حدود المسلمين في عهده أقصى نقطة وصلوا إليها في (شنت ياقوب) أٌصى الشمال الغربي.
(23-25)
كان له صيتٌ ذائع بين الممالك المسيحية في الأندلس، وكانوا يخشون حتى اسمه، الذي كان يرعبهم ويربكهم، فألفونسو حين أسقط الممالك الإسلامية ووصل إلى موقع قبر المنصور تراقص مع زوجته وبنى خيمة بجوار قبره، قال أحد مرافقيه لو تنفس المنصور لما ترك فينا حيًا.
(24-25)
حتى ابن عمه الذي سخر منه في طريقهم إلى قرطبة، بعد أن تولى السلطة وحكم الأرض؛ نُفِّذ به ما حكم به على نفسه، وتم الطواف به شوارع قرطبة مربوطًا تحت حمار. ليُثبت له المنصور أنه كان جادًا في ذلك الزمن البعيد حينما قال أنه يفكر كيف يحكم هذه الأرض.
(25-25)
توفي المنصور (1003م) ولم يكن رجلاً عاديًا، فرغم ما اقترفه من أخطاء وجرائم بحق منافسيه، إلا أنه سطر لنفسه تاريخًا في ظلِّ دولة بني أميَّة، هذا الرجل الذي جاء أسلافه من جزيرة العرب من أمٍ قيسيةٍ تميميةٍ وأبٍ يماني؛ أربك عروش الملوك وأفشل دسائس منافسيه في بلاط الخلفاء.

جاري تحميل الاقتراحات...