شاكر وحقى
شاكر وحقى

@688Mohamed

17 تغريدة 10 قراءة Jul 28, 2021
الحديث عن النفس عملٌ أكرهه، ولكنه يكون أحيانا ضرورة لا غنى عنها...فالجيل الحاضر لم يشهد الأيام الغابرة، ولا يعلم عنها علما يُغني أو يفيد، وإنما اكتسب علمه من الثرثرة التي تنشر أحيانا في بعض الصحف والمجلات، وقد التزمت في حديثي أن أقص ما لا مناص منه، بلا إخفاء للحقائق 👇👇
يوم دخلت كلية الآداب كنت قد فرغت من قراءة كتابين جليلين على شيخي سيد المرصفي رحمه الله: رغبة الآمل شرح الكامل للمبرد، وأسرار الحماسة شرح الحماسة لأبي تمام الطائي، وفي زمان هذه القراءة كان أثر الشيخ علىّ شديدا، فقد أثار اهتمامي وصرف قلبي كله إلى الشعر الجاهلي وبعض الشعر الأموي=
كنت قبل ذلك أعرف المعلقات العشر الجاهلية، واحفظُها، ولكن حفظي إياها، ومعرفتي بها وبتاريخها وبتاربخ أصحابها، وبمعانيها وبمعاني غريب ألفاظها، لم يزد على أن يكون زيادة في ثروة معرفتي بالعربية وشعرائها، أما حين أخذني النهم بالشعر الجاهلي، وبدأت أقرأ دواوينهم عندئذ اختلف علىّ الأمر.
بدأت أجد في هذا الشعر الجاهلي شيئا مباينا سافرة لما في الشعر العباسي كله، لم يكن الأمر راجعا إلى ألفاظ الشعر من حيث غرابتها عندي أو ألفتها، ولا إلى تغاير في أوزان الشعر وقوافيه، ولا إلى اختلاف في المعاني والأغراض..
ولم أجد هذا الفارق يلوح جهرة في نفسى وأنا على رأس السابعة عشرة من عمري إلا إذا كان الشعر الجاهلي نفسه يتلفع على هذا الفرق المتوهج كامنا في ثناياه، وإن كنت لا أستطيع عجزا أن أضع يدي عليه وأقول: ههنا يكمنُ الفرق !
التقيت أحمد تيمور باشا رحمه الله سنة 1925، ومدّ يده إلىّ بعدد من مجلة إنجليزية، فيها مقالة للأعجمي المستشرق مرجليوث بعنوان "نشأة الشعر العربي" وكنت خبيرا بهذا الأعجمي منذ أن قرأت له كتابه عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم...قرأت المقالة، وزاد الأعجمي سقوطا على سقوطه...
كان كل ما أراد مرجليوث أن يقوله: أنه يشك في صحة الشعر الجاهلي، بل إن الشعر الجاهلي الذي نعرفه، إنما هو في الحقيقة شعر إسلامي منسوب إلى أهل الجاهلية...وسخفا في خلال ذلك كثيرا، ولم ألق بالا إلى ما قرأت لأني أعرف حقيقة الاستشراق، وعندي الفرق الواضح بين الشعر الجاهلي والإسلامي...
ثم بعد أيام لقيت أحمد تيمور باشا، وأعدت إليه المجلة، فسألني: ماذا رأيت؟ قلت: رأيت أعجميا باردا شديد البرودة، لا يستحي كعادته ! فابتسم وتلألأت عيناه.
قلت له: أنا بلا شك أعرف من الإنجليزية فوق ما يعرفه هذا الأعجمي من العربية أضعافا مضاعفة، وأستطيع أن أتلعّب بنشأة الشعر الإنجليزي...
...مرت الأيام، وغاص كلام هذا الأعجمي في لُجَج النسيان، لأن هذا الأعجم وأشباهه يدرسون آدابنا وشعرنا وتاريخنا كأنه مكتوب بلغة ماتت ومات أهلها وطمرها تراب القرون ! وجمهرتهم غير قادر أصلا على تذوق الآداب تذوقا يجعلها لغة حية في نفوسهم قبل أن يكتبوا...لهذا لم يكن لآرائهم وقع في نفسي.
وكان ما كان، ودخلت الجامعة، وبدأ الدكتور طه حسين يلقي محاضراته التي عرفت في كتاب "الشعر الجاهلي"...تتابعت المحاضرات، والغيظ يفور بي، والأدب الذي أدبنا به آباؤنا وأساتذنا يمسكني.
عرفت فيمن عرفت من زملائنا شابا قليل الكلام، جاء من الثانوية عارفا بلغات كثيرة، وكان واسع الاطلاع، كثير القراءة، حسن الاستماع، جيد الفهم، وكان طالبا في قسم الفلسفة، ذلك هو الأستاذ الجليل محمود محمد الخضيري، صرت أحدثه بما عندي، فكان يدافع بلين ورفق وفهم.
وجاء يوم ففاجأني الخضيري أنه يوافقني في أن أتكاء الدكتور على ديكارت فيه كثير من المغالطة، وليس من منهج ديكارت في شىء، وأن كل ما قاله الدكتور طه ليس إلا سطوا مجردا على مقالة مرجليوث، بعد حذف الأمثلة الدالة على الجهل بالعربية.
_ _ _ _ _ _ _
ترجم الخضيري بعد ذلك مقال ديكارت ومرجليوث
تتابعت محاضرات الدكتور طه، وكل يوم يزداد وضوح هذا السطو العريان على مقالة مرجليوث، ثم جاءت اللحظة الفاصلة في حياتي، فقد طلبت من الدكتور أن يأذن لي في الحديث...ولما كِدت أفرغ من كلامي انتهرني الدكتور طه وأسكتني.
وبعد قليل أرسل الدكتور طه يناديني، وجعل يعاتبني، ولم استطع أن أكاشفه بأن محاضراته مسلوخة من مقال مرجليوث، ولكني كنت على يقين من أنه يعلم أني أعلم، من خلال ما أسمع من حديثه، ومن صوته، ومن كلماته، ومن حركاته أيضا.
ومن يوميذ لم أكف عن مناقشة الدكتور في المحاضرات أحيانا بغير هيبة...ولم أكف أيضا عن إذاعة أن الدكتور طه سطا سطوا كريها على مقالة المستشرق الأعجمي، وكان يبلغ الدكتور بلا شك ما أذيعه بين زملائي...حتى تدخل بعض الأساتذة...كنت أصارحمها بالسطو، وكانوا يعرفون ولكنهم يداورون.
سنة 1927 نشر الدكتور طه كتاب "في الأدب الجاهلي" وهو نفس كتاب "في الشعر الجاهلي" بعد أن حُذف منه فصل، وأضيف إليه فصول، وكان أبشر ما في الكتاب تسويغة للسطو، كأنه لا يبالي بجميع الكتب التي كشفت هذا السطو بالدليل والبرهان...بأي جراءة يستطيع الدكتور طه أن يلقي الناس !!
...سقطت هيبة الأستاذية وهيبة الجامعة أيضا سقوطا منكرا...ولم أملك إلا أن أمنحهم جميعا ظهري غير ملتفت، وانطلقت ومعي صاحبان يؤرقان ليلي ويلهبان نهاري: بشاعة السطو، وبشاعة التستر عليه بحق الأستاذية لا غير !!

جاري تحميل الاقتراحات...