عبدالله الفيفي MBS
عبدالله الفيفي MBS

@a_alfaifawi

8 تغريدة 4 قراءة Jul 18, 2021
عندما نسمع كلمة (باطنية) تهجم على عقولنا صور قبيحة جداً؛ مثل: النفاق والدجل والكذب والتدليس والمكر والخديعة والغش.
وإذا أتت كلمة (باطنية) في سياق ديني تنصرف الأذهان إلى أحكام التبديع والتفسيق والتكفير للمذاهب التي تتهم بذلك.
ولكن دعوني أحدثكم عن الباطنية بشكل مجرد بعيدا عن الدين.
الباطنية مذهب إدراكي مشابه للمذاهب العقلانية الأخرى.
وهي ظاهرة موجودة بين البشر وتدخل في مجالات كثيرة من التربية والتعليم ونحوها.
وتحتمل وجوه في غاية الشرّ، ووجوه أخرى في غاية الخير.
مثلاً؛ الأب عندما يُداري أبناءه ويربيهم بأساليب غير جارحة، هو يستخدم أسلوب باطني.
والدليل على أنّها ظاهرة إنسانية.. تستطيع أن تجدها في كل الثقافات والشعوب واللغات.
ولو بحثت في قوقل عن esotericism سوف تجد شرحاً لحقيقتها بثقافات أخرى.
فهي إذاً مثل العقلانية أو الروحانية؛ ظواهر إنسانية تأخذ أشكالاً مختلفة تبعاً لاختلاف الثقافات، وتحتمل تطبيقات إيجابية وسلبية.
فكرة الباطنية تقوم على أساس أنّه يوجد "لحقيقةٍ ما" معنى خارجي يفهمه كل الناس، ومعنى باطني لا يفهمه إلا فئة محددة ذات مستوى أعمق في الفهم والاستيعاب.
وتقريباً لا يخلو أي خطاب عام منها، وتستطيع أن تسميها المضامين السياسية، أو الرسائل التي بين السطور، ولا مشاحّة في الاصطلاح.
في السياق الفكري المعاصر.. التيار السروري هو تيار باطني بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ولديهم عقيدة سياسية مخفية وسط الأحشاء لا يظهرونها للناس ولا يتحدثون بها، ولكن القيادات التي تتبنّى التيار وتستقطب له الكوادر تعرف هذه العقيدة وتستخدم شفرات وإجراءات مفهومة لها ومجهولة للعامة.
ولأنّ الباطنية فكرة قابلة للمعنى السلبي والإيجابي؛ فقد ظهرت فئة من المسلمين قديماً وهم الفلاسفة أمثال ابن سينا، يعتقدون بأنّ التشريع الإسلامي يتضمن معاني باطِنية فاضلة، أو سمّها مقاصد سياسية حميدة؛ لا تُفهم من خلال النص الصريح، بل من خلال فهم الحياة وطبيعة الناس وأحوالهم.
نتفق أو نختلف معهم، هذا موضوع آخر، ولكن من الضروري أنّ نفهم زاوية النظر التي يقيسون بها الحقيقة، ويفهمون منها النص؛ ثم ندرس الفكرة بدون تعصّب، ونرفضها أو نقبلها بعلم وعدل.
الفقهاء لم يحتملوا هذه الفكرة، بل لم يستطيعوا استيعابها اصلاً؛ فهجموا على أصحابها بالزندقة والتكفير.
الموضوع لا يستحق كل هذا التشنّج والزندقة والزحمة.
هذه قضية فكرية قابلة لتطبيقات سلبية وإيجابية.
وهي حالياً عِلم يدرّس في اللسانيات وعلوم الدلالة وتحليل الخطاب.
إذا كان ابن سينا يقول بها فعنده دليله ومن يرفض كلامه ليرد عليه، والقارئ هو الحكم.
رتب @rattibha

جاري تحميل الاقتراحات...