د / مصطفى جابر
د / مصطفى جابر

@78xHBuLf6GyqU5G

11 تغريدة 23 قراءة Jul 18, 2021
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه.... وبعد
تبدأ القصيدة الجاهلية _ غالباً _ بالجملة الأم التي تدور حولها كل معاني القصيدة ، وما فيها من اسقاطات ورموز
وقد تتفجر من كلمة واحدة أنهار المعاني والصور كما في معلقة امرئ القيس ( ذكرى
فمنها وعليها قامت القصيدة كلها
والآن نؤكد هذا مع معلقة أخرى ، ألا وهي: معلقة زهير بن ابي سلمى ، والتي يقول في مطلعها :
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم
بحومانة الدراج فالمتثلم
بداية لا بد أن نضع نصب أعيننا أن المعلقة قيلت في أعقاب الصلح بين حيين عظيمين من أحياء العرب هما : عبس وذبيان
بعد حروب طاحنة _ داحس وغبراء _ أوشكت أن تقضي على الأخضر واليابس
وقد تكفل بهذا الصلح رجلان عظيمان من رجالات العرب هما : هرم بن سنان ، والحارث بن عوف
وقد تحملا ديات القوم حتى قيل إنها بلغت ثلاثة آلاف بعير
وقد أعجب زهير من صنيع هذين الرجلين فأنشد معلقته هذه يمدحهما
#د_م_جابر
ويحذر الفريقين من شر الخيانة ، وإضمار الحقد
كلمتان في هذا المطلع قامت عليهما القصيدة جملة وتفصيلاً هما ( أم أوفى __ دمنة )
أم أوفى كانت زوجه حقيقة ثم طلقها _ ولم ترد في شعره إلا هنا _وقد اختارها دون غيرها من النساء ، لأنها أنجبت له أولاداً ماتوا جميعاً
#د_م_جابر
ولم يبق منهم أحد
أرى أنه طوف بخياله كثيرا باحثا عن شبيه للحرب فلم يجد إلا أم أوفى ، فهي لم يبق لها ولد ، وكذلك الحرب لا تبقي ولا تذر
وقد طلقها زهير حقيقة ، وكأنه يريد من العرب جميعاً أن يطلقوا الحرب لآثارها المدمرة وأن يدخلوا في السلم كافة
هذا من ناحية
ومن ناحية أخرى
#د_م_جابر
أم أوفى مشتقة من الوفاء
وهذا ما دعا إليه ويسري في القصيدة كلها
وهو يشير به إلى الحصين بن ضمضم الذي لم يدخل في السلم وقتل رجلا من عبس
لعمري لنعم الحي جر عليهم
بما لا يؤاتيهم حصين بن ضمضم
وكان طوى كشحا على مستكنة.........
إلى آخر الأبيات التي يتحدث فيها عن الغدر
#د_م_جابر
الكلمة الثانية التي اختارها زهير ( الحولي ) بعناية هي " دمنة "
ولها معنيان : ظاهر جلي ، وباطن خفي
فمن معانيها ( الظاهر ) ما اسود من آثار الدار بالبعر والرماد وغيرهما
ومن معانيها أيضاً ( الباطن ) الحقد والغل والكره
وكأنه اختار هذه الكلمة ورمز بها إلى الحرب أيضاً
#د_م_جابر
فأثرها الظاهر نلاحظه في السواد الذي يلتصق بالأرض بسبب النيران الموقدة ، وكذلك الحرب يتلظى بنارها الجميع ، ويظهر أثرها على الجميع ما بين ميت أو مشوه أو مصاب
أو ميتم ونساء مأرملة
والأثر الثاني الباطن ( الحقد ) نأخذه من المعنى الثاني للدمنة
فإذا امتلأت القلوب حقدا وغلا
#د_م_جابر
خلفت نيرانا موقدة تحرق الديار ولا تترك بها إلا السواد والحزن
وحول هاتين المفردتين دارت المعلقة كلها
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة ........
فتعرككم عرك الرحى بثفالها
وتلقح كشاحا ثم تنتج فتتئم
فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم
كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم
ومن يوف لا يذمم ومن يهد قلبه
#د_م_جابر
إلى مطمئن البر لا يتجمجم
وعن القلوب يقول
فلا تكتمن الله ما في صدوركم
ليخفى ومهما يكتم الله يعلم
.....
ومهما تكن عند امرئ من خليقة
وإن خالها تخفي على الناس تعلم
..
وكان طوى كشحا على مستكنة
وهكذا حتى نهاية المعلقة
وفي المعلقة دروس وعبر صالحة لكل عصر وأوان
هل عندنا كهرم والحارث
وهل عندنا كزهير الحريص على الدم العربي
وبعد.... فهذا غيض من فيض
دمتم في أمان الله وحفظه ورعايته

جاري تحميل الاقتراحات...