عدي الحربش
عدي الحربش

@AdiAlherbish

7 تغريدة 430 قراءة Jul 16, 2021
لطالما أثارت أخبار طرفة بن العبد ريبتي. أين ذهب شعره الذي لم يبق بأيدي الرواة المُصحّحين إلا أقلّه؟ ما الظلامة التي شكاها ضد ابن عمّه مالك في معلّقته؟ ماذا نصنع بالرواية السخيفة التي تصوّره أعرابيًا ساذجًا يسير إلى حتفه برجليه طمعًا في الحِباء؟
إن كان هناك خُلقٌ يغلب على طرفة فإنكاره الشديد للظلم. قال عندما مات أبوه وأبى أعمامه قسمة ماله: ما تنظرون بحقّ وردة فيكمُ * صغر البنون ورهط وردةَ غيّبُ * قد يبعثُ الأمرَ العظيمَ صغيرُه * حتى تظلَّ له الدماءُ تصببُ * والظلم فرّق بين حيي وائلٍ * بكرٌ تساقيها المنايا تغلبُ.
لكنّ هذه النفسَ الأبيّة، وهذه الثورةَ على الظلم، أورداه حتفه وهو لم يجاوز السادسة والعشرين، وكان أول ما أثار ذلك صراع عائلي بين اللخميين بدأ بجلوس عمرو بن هند على عرش الحيرة، فجعل لأخيه قابوس أمر البادية، بينما تجاهل أخاه عمرو بن أمامة تمامًا لأنّه من أمٍ أخرى.
انتفض ابن أمامة ثائرًا على أخيه، واستنجد بملوك اليمن فأمدّوه، حتى إذا كان في موضع يُقال له قضيب انتقض عليه جيشه وذبحوه، وهو ما يذكره طرفة حين يقول: أعمرَو بن هندٍ ما ترى رأيَ معشرٍ * أفاتوا أبا حسانَ جارًا مجاورا * فإنّ مرادًا قد أصابوا جريمةً * جهارًا وأضحى جمعهم لك واترا.
يزعم رواةٌ أنّ طرفة كان ممن خرج مع عمرو بن أمامة مما أغضب الملك عليه، وهذا بعيد، فلو كان ممن خرج لما تجرّأ أن يطأ بلاط ابن هند فيما بعد، ثم إنّه يقول في نفس القصيدة: أنِفتُ لهُ على عداوة بيننا * وقلتُ قتيلٌ ما قتيلُ يَحَابرا ؛ وهذا ينفي خروجه مع الجيش. ما الذي أغضب ابن هند إذن؟
كان ابن هند متورطًا بدم أخيه رغم إظهاره الغضب له، ولربما اتصل بالمراديين وحسّن لهم الغدر. يقول المتلمّس: وابني أُمامة قد أخذت كليهما * وإخال أنّك ثالثٌ بالأسودِ؛ لك أن تتخيل حرج الملك حين طالبه طرفة بالثأر وهو القاتل: فلا تشربنّ الخمر إن لم تُزِرهمُ * جماهيرَ خيلٍ يتبّعنَ جماهرا.
أكان طرفة يجهل ما سبق، أم أنه عرّض بالملك يقصد إحراجه؟ سترى فيما يأتي من قصائد أنّ التعريض أسلوبٌ أثيرٌ لدى طرفة، وأنّه يتصنّع الجهل كلما أراد أن يحرِج أو يوجِع. لقد أنِف لابن أمامة كيف أُكِل حقّه ثم غُدِر به. لم يدرِ أنّه بقصيدته هذه صنع لنفسه عدوًا لن يهدأ حتى يورده المهالك.
كتب عمرو بن هند: ما لك لا تلزمني؟ ردّ طرفة: إنّي تِرعايةٌ في إبلي وأخاف عليها الإغارة. وهكذا أوحى للملك بخطة انتقامه دون أن يعلم. لقد اكتملت الخطّة بتفاصيلها في رأس الملك ولم يبق سوى تتفيذها. أرسل يلحّ: الإبل في جوار أخي وخالي، وأنا جارُ من أجارا. لم يعد بوسع الشاعر إلا أن يجيب.
ما إن وصل طرفة حتى ألحقه الملك بحاشية أخيه قابوس. أخذت أيامه تتبدد ما بين خروجٍ إلى صيد ووقوفٍ بباب الأمير، وكأنّ أخا الملك كان موكلًا بإلهائه. لم يلبث زمنًا حتى فُجع بخبر الإغارة على إبله وانتهابها وسوقها جنوبًا جهة تبالة. والأدهى والأمرّ أنّ أغلب الإبل ترجع إلى أخيه مَعْبد.
من أخذ الإبل؟ قال الرواة: ذؤبانٌ من اليمن، وقال آخرون: قومٌ مُضريّون، وفي حين رفض جيران طرفة الإفصاح، لم يتورّع شاعرنا عن مواجهة الجاني والتعريض به، تمامًا كما فعل حين ندبه إلى الانتقام وهو يعلم أنه القاتل: لعمرُك ما كانت حمولة مَعْبدٍ * على جُدِّها حربًا لدينِك من مُضَرْ =
رأى منظرًا منها بوادي تَبالةٍ * فظلّ عليه الزادُ كالمَقْرِ أو أمَرْ * أعمرو بن هندٍ ما ترى في صريمةٍ * لها سببٌ ترعى بهِ الماءَ والشجر * وكان لها جارانِ قابوسُ منهما * وعمرٌو ولم أسترعِها الشمسَ والقمر؛ ثم يضيف معرّضًا: فمن كان ذا جارٍ يُخافُ جوارهُ * فجاراي أوفى ذمةً وهما أبَرْ.
ويختم مهددًا: سأحلبُ عَيسًا صحنَ سَمٍّ فأبتغي * به جيرتي حتى يُجلّوا ليَ الخَمَرْ * فإنَّ القوافي يتّلجنَ موالجًا * تضايقُ عنها أن تولّجها الإبرْ ؛ تهديدٌ لا تُخاطب به الملوك، وشعر بلغ من الطيش حدّه! لكن قبل أن نهرع إلى لوم طرفة، لنتخيّل شعوره وهو يلقي بذنب ضياع الإبل على نفسه.
إنها إبل أخيه معبد، ولمعبد زوجةٌ وابنة تنتظران اللحم واللبن. ألم يقل مخاطبًا الأخيرة: فإن مُتُّ فانعيني بما أنا أهلهُ * وشُقّي عليّ الجيبَ يا ابنةَ مَعْبَدِ؟ وهكذا اندفع يطالب بالإبل، تدفعه طبيعةٌ شكسة تأبى الدنيّة والضيم. لكن وكما هو متوقع، ذهبت جميع مطالبه وأشعاره أدراج الرياح.
عندما آيس من إدراك حقّه قفل راجعًا إلى قومه وصار ينشد في حوانيتهم ومجالسهم: فليتَ لنا مكانَ المَلْكِ عَمرٍو * رغوثًا حول خيمتنا تخورُ * من الزَمَراتِ أسبلَ قادِماها * وضَرَّتُها مُركّنةٌ دَرورُ * يشاركنا لنا رخلانِ فيها * وتعلوها الكباشُ فما تنورُ ؛ ثمّ يثنّي بأخيه قابوس:
لَعَمرُكَ إنّ قابوسَ بن هندٍ * ليخلطُ مُلكَه نوكٌ كثيرُ * قسمتَ الدهرَ في زمنٍ رخيٍ * كذاك الحكمُ يقصِدُ أو يجورُ * لنا يومٌ وللكِروانِ يومٌ * تطير البائساتِ ولا نطيرُ * فأما يومهنَّ فيومُ نحسٌ * تطاردهنَّ بالحَدَبِ الصقورُ * وأما يوُمنا فنظلُّ ركبًا * وقوفًا ما نحلُّ ولا نسيرُ.
وهذا يا رعاك الله فنُّ الهجاء في أبرع صوره. لقد دفعك -حين تمنى نعجة بدل الملك- إلى تخيّله باركًا على العرش، ثم حين ازداد غيظه سلّط الكباش تنزو عليه. وأبرع من هذا كله أنّه لم يتورّع عن الضحك على نفسه، فصوّرها ذليلةً مجهدة تقف طمعًا بالحباء ولا حباء، وذلك كله من سمات الهجاء الأصيل.
لو لم يكن لطرفة إلا قصيدته هذه لقلت إنّه ملك الهجاء لا منازع، فكيف وله أخرى تهجو ابن عمّه: ولا خير فيه غير أنّ له غِنًى * وأنّ له كشحًا إذا قام أهضما * له شربتان بالنّهار وأربعٌ * من الليل حتّى آض سُخْدًا مورّما * ويشرب حتى يغمرَ المَحْضُ قلبَهُ * وإن أعطَهُ أتركْ لقلبيَ مَجْثما.
كنت إلى وقت قريب أعدُّ الجاحظ عبقريًا حين جعل المربع مدورًا والمدوّر مربعًا، فإذا بطرفة سبق إلى المعنى! ثم قارن هجاءه بجرير والفرزدق وابن الرومي وابن الحجاج حيث لا يشتفي هؤلاء إلا بالفحش والإطالة، بينما يضحك طرفة ويوجع بأبيات معدودات، ثم يأبى إلّا تضمينها ما يعلّم مكارم الأخلاق.
لكن -ويا للأسى!- ابتُلي طرفة بابن عمٍ كزِّ الخلق لا يفهم الفكاهة، إذ سرعان ما أوصل شعر ابن عمّه إلى ملك الحيرة وألّب عليه، ولقد أحسن طرفة حين قال يقرّعه: ألا أبلغا عبدَ الضلالِ رسالةً * وقد يُبلِغ الأنباءَ عنك رسولُ * دببتَ بأمري بعد ما قد علمتهُ * وأنت بأسرار الكرام نسولُ =
فأنت على الأدنى شَمالٌ عريّةٌ * شآميةٌ تزوي الوجوهَ بليلُ * وأنت على الأقصى صَبًا غيرُ قَرّةٍ * تَذَاءبُ منها مُرزِغٌ ومُسِيلُ * فأصبحتَ فقعًا نابتًا بقرارةٍ * تصوَّحُ عنهُ والذليلُ ذليلُ * وأعلم علمًا ليس بالظنِّ أنّهُ * إذا ذلَّ مولى المرءِ فهو ذليلُ ؛ ثمّ يختم:
وإن امرأً لم يعفُ يومًا فكاهةً * لِمَنْ لم يُرِدْ سُوءًا بها لجهولُ ؛ أعد بالله قراءة البيت الأخير فحقّه أن يُكتب بماء الذهب. إن كان ابن العمّ كزًا ضيق العطن لا يفهم الفكاهة، فما بالك بملكٍ كانت العربُ تسمّيه مضرّط الحجارة! ما إن سمع بأبيات طرفة حتّى أهدر دم الشاعر.
هنا نصل إلى الصفحة المطويّة من حياة طرفة، إلى المسكوت عنه إن صحّ التعبير. فبعد أن أهدر ملك الحيرة دمه كان يجدر بقومه حمايته، لكنهم خذلوه، وهي معرّة ليس فوقها معرّة. يقول طرفة: أسلمني قومي ولم يغضبوا * لسوءةٍ حلّت بهم فادحة * كلُّ خليلٍ كنتُ خاللتُهُ * لا ترك الله له واضِحه.
نقم طرفة على قومه خذلانهم له. كيف يسلمونه وهو لم يفتك ولم يغدر ولم يقتل؟ أكانت جريرةً أن طالب بإبل أخيه معبد؟ كان يجدر بقومه أن يمنعوه، أن يحولوا دونه ودون جبّار الحيرة كما فعلوا بعدها بسنوات حين تصدّوا لجيوش كسرى لأنّ النعمان استأمنهم على بناته.
من هنا نفهم عبارة الأصمعي يصف طرفة: "وكان في حسبٍ من قومه، جريئًا على هجائهم"، لا بدّ أنّ شعره الذي نعى أبو عمرو بن العلاء ضياع أكثره كان في لومهم وهجائهم. كان الرواة يتسقّطون قصائد الشاعر من أفواه قبيلته، فلا عجب لو ضاع شعر طرفة، إذ ليس متوقعًا أن ينقل قومه إلى الرواة ما يشينهم.
يزعم الشرّاح أنّ قبيلة طرفة طردته بسبب تشرابه الخمور وإتلافه المال، يأخذون ذلك من قوله: وما زال تشرابي الخمور ولذّتي * وبيعي وإنفاقي طريفي ومُتلدي * إلى أن تحامتني العشيرة كلُّها * وأُفرِدتُ إفرادَ البعيرِ المُعبّدِ ؛ وإنك لتعجب؛ أيُطرد رجلٌ من أجل شيء يعدّه الجاهليون فخرًا؟
لا لم يُطرد بسبب إنفاقه وسُكره، والبيتان السابقان مبنيان على معنى العدوى لا الطرد، يقول ما معناه: خاف قومي أن تصيبهم عدوى إتلاف المال والشرب، فصاروا يتحامونني كأني بعير أجرب طُلي بالقطران، يقول ذلك مفتخرًا. لكنه لا يلبث حتى يبيّن السبب الحقيقي للومه وطرده في نفس المعلّقة.
يقول طرفة: فما لي أراني وابنَ عميَ مالكًا * متى أدنُ منه ينأ عني ويبعُدِ * يلوم وما أدري على ما يلومني * كما لامني في الحيِّ قُرط بن أعْبَدِ * على غير شيءٍ قُلتُهُ غير أنني * نشدتُ فلم أُغفِلْ حمولةَ مَعْبدِ* بلا حدثٍ أحدثتُه وكمُحْدِثٍ * هجائي وقذفي بالشُّكاةِ ومُطرَدي.
لقد أنشأ طرفة معلّقته إذن في الفترة التي تبعت انتهاب إبله، ولا أدري أكان ذلك قبل إهدار دمه أم بعده؟ نعلم أنّه ما إن ضاعت إبله حتى أشار بإصبع الاتهام إلى ملك الحيرة. إن صحّ إنشاؤها بعد الإهدار عندها يكتسب عتابه ابن عمّه مالكا معنى جديدا؛ فيتحوّل طرفة من شحاذ إلى طالب حق خذله قومه.
كنت أعجب من ابن العشرين هذا، لماذا يمتلئ شعره بذكر الموت، كقوله: لعمرك إنّ الموتَ ما أخطأ الفتى * لكالطِوَل المُرخى وثِنياه في اليدِ ؛ وقوله: فإن مُتُّ فانعيني بما أنا أهلهُ * وشُقّي عليّ الجيب يا ابنةَ معبدِ ؛ فإن كان قالها بعد إهدار دمه فلا لوم ولا عجب ولا تثريب.
ثمّ إنّنا -رغم ضياع أغلب ما قاله في تلك الفترة- نستطيع أن نتبيّن بوضوح إحساس المرارة والغربة والخذلان في شعره القليل الذي وصلنا: ولا غرو إلا جارتي وسؤالِها * ألا هل لنا أهلٌ؟ سُئلتِ كذلكِ * تُعيّرُ سيري في البلادِ ورحلتي * ألا رُبّ دارٍ لي سوى حُرِّ دارِكِ .
ويقول أيضًا يصف تشرّده ومرضه وإشرافه على الهلاك وحيدًا في الصحراء: ألا رُبَّ يومٍ لو سقِمتُ لعادني * نساءٌ كرامٌ من حُييٍ ومالكِ * ظَلِلتُ بذي الأرطى فُويق مُثَقّبٍ * ببيئةِ سُوءٍ هالكًا أو كهالكِ * تردُّ عليّ الريحُ ثوبيَ قاعدًا * إلى صَدَفيٍ كالحنيّةِ باركِ.
ويقول أيضًا: ألا إنما أبكي ليومٍ لقيتُهُ * بجُرْثُمَ قاسٍ كلُّ ما بعده جَللْ * إذا جاء ما لا بدَّ منه فمرحبا * به حين يأتي لا كِذابٌ ولا عِللْ ؛ لقد بلغ من حياة التشرّد والصعلكة غايةً صار يفضّل الموت عليها، فلا غرابة إذن إن مشى إلى الموت برجليه بمجرد أن وصله كتاب عامل هَجَر.
هنا نترك شعر طرفة ونلجأ إلى شعر المُتلمّس، فهو مصدرنا الوحيد الذي يذكر نتفًا من الحادثة، وعليه بنى الإخباريون رواياتهم الموضوعة. ثمّ جاء بيت الفرزدق الشهير ليصنع من الصحيفة أسطورةً ترمز لكل من يحمل موته بيديه: ألقِ الصحيفة يا فرزدقُ لا تكن * نكداءَ مثل صحيفة المتلمّسِ.
أنا ممن يرفض الرواية الساذجة التي تجعل طرفة يعود إلى عمرو بن هند، ثم حين يفضّ المتلمس صحيفته ويجد فيها أمرًا بإعدامه ينذر ابن أخته فيرفض الأخير إلا إكمال السير طمعًا في الحِباء. يتكلّف الرواة شططًا كي يغطّوا على تهافت الرواية، فيقولون إنّ الأختام لم تُتخذ إلا بعد تلك الحادثة =
وإنّ الملك عمرو بن هند اضطُرّ إلى إرسال طرفة إلى هَجَر لأنه خشي انتقام قبائل بكر لو قتله في ساحته! لكننا رأينا آنفًا أنّ قبيلة طرفة لم تحرّك ساكنًا حين أهدر ملك الحيرة دمه، ثم إنّ قيس بن ثعلبة -رهط طرفة- يسكنون بعيدًا في اليمامة، بعكس قبائل شيبان المحيطين به في العراق.
لن يبلغ العجز بعمرو بن هند أن يقتل طرفة في غير ساحته، ولن تبلغ الحماقة بطرفة أن يسير إلى حتفه رغم تحذير خاله. إنّها رواية تهين كلا الطرفين ثم تهين ذكاء من يصدّقها، وحتى الخؤولة التي تُضاف إلى المتلمّس لا نجد في شعره ما يؤيّدها، بل يخبرنا ابن قتيبة أنّ أم طرفة -وردة- من رهط أبيه.
ماذا حدث إذن؟ الأرجح أنّ عمرو بن هند بعد أن ضاق ذرعًا بهجاء الشاعرين أرسل إلى عامله في هَجَر كي يعدهما بالأمان ثم يغدر بهما. وصل كتابا الأمان إلى طرفة والمتلمّس يعِد بالصفح والحِباء إن سلّما نفسيهما. ألقى المتلمّس -الذي حنّكته التجارب- بالصحيفة في عين مُحلّم ثم هرب إلى الشام.
أما صاحبنا طرفة فلقد اختار أن يصدّق الكتاب وعبر نحو قلعة المُشقَّر الرهيبة. كان يعلم أنّه يقامر بحياته، لكنّ حياة التشرد والهرب لم تترك له مَحيصًا. ما إن وقع في يد عامل اللخميين حتى فصل رأسه عن عنقه، ثم أرسل ديته إلى أخيه معبد، مائةً من الإبل. وهكذا استرجع معبد إبله أخيرًا!
يقول المتلمّس واصفًا إلقاء الصحيفة: ألقيتها في الثنيِ من جنبِ كافرٍ * كذلك أقنو كلَّ قِطِّ مُضلّلِ * رميتُ بها حتى رأيتُ مِدادها * يطوف به التيّارُ في كلّ جدولِ ؛ ويقول متحدثًا عن طرفة: عصاني فما لاقى الرشادَ وإنّما * تبيّن من أمر الغويِّ عواقبُه =
فأصبح محمولًا على ظهر آلةٍ * يَمُجُّ نجيعَ الجوف منه ترائبُه ؛ ويقول: مَن مُبلِغُ الشعراءِ عن أخويهمُ * خبرًا فتصدقهم بذاك الأنفسُ * أودى الذي علِقَ الصحيفةَ منهما * ونجا حذارَ حبائه المتلمِّسُ * ألقِ الصحيفةَ لا أبا لك إنّهُ * يُخشى عليك من الحِباءِ النِّقرسُ =
ثكلتك يا ابن العبدِ أمُّك سادرًا * أبساحة الملكِ الهمامِ تَمَرّسُ ؛ وقال يخاطب ابن هند: إنّ الخيانةَ والمغالةَ والخنا * والغدرَ أتركه ببلدة مفسدِ * فإذا حللتُ ودون بيتي غاوةٌ * فابرُق بأرضِكَ ما بدا لك وارعدِ * لبلاد قومٍ لا يُرام هديّهم * وهديّ قومٍ آخرين هو الرّدي =
كطُريفةَ بن العبدِ كان هديَّهم * ضربوا قَذَالة رأسه بمُهنّدِ * وابني أُمامة قد أخذت كليهما * وإخال أنّك ثالثٌ بالأسودِ ؛ ثم يقول معيّرًا قوم طرفة: أبني قِلابة لم تكن عاداتكم * أخذ الدنيّة قبل خُطّة معضدِ * لن يرخِصَ السوءات عن أحسابكم * نَعَمُ الحواثرِ إذ تُساقُ لمعبدِ.
هذا ما وصلنا من شعر المتلمّس عن طرفة ومقتله، ثمّ تبحث في شعر البكريين فلا تجد سوى بيتين يتيمين للخِرنق يرثيان أخاها طرفة: عددنا له خمسًا وعشرين حجةً * فلما توفاها استوى سيدًا ضخما * فُجعنا به لما انتظرنا إيابه * على خير حينٍ لا وليدًا ولا قَحما. أمّا شعراء بكر فصمتوا جميعًا!
كان طرفة يكره الظلم. لم يدر أنّ حياته ستكون سلسلة من المظالم! فمن أعمام يأكلون حقّه، إلى ملك يسعى في هلاكه، إلى قبيلة تتخلى عنه، أما أشنع المظالم كافة فتصوير الرواة إياه أعرابيًا ساذجًا يسير إلى حتفه برجليه طمعًا في الحباء. لقد آن أن تُمزّق هذه الرواية وتُرمى في النهر مع الصحيفة.

جاري تحميل الاقتراحات...