الاقتصاد في شراء القهوة ليس وسيلة لتحقيق الثراء، يا أهل الهراء، ثم إنك تجد من نشأ نشأة الدلال، متفيئا من ظلال أبويه بأضفى الظِّلال؛ يوصي وصيّة، يراها لينة غير عصيّة، يقول: لاتشتري القهوة وأمسك دينارك،فبمبلغ ادخارك؛ ستبني القصور،وتودّع الجحور، وتشتري المولسان، وإكسسوارات مون بلان!
وقم علىٰ ذٰلك مُدّة، وسنين عدّة، وعليك بالاقتصاد، فإنه مَذهَب الأجواد، ولن ينفعك إلا مالك، ولن يقف معك أعمامك وأخوالك، فرحم الله من أمسك ديناره، وأغلق داره، وإن حدثتك نفسك الأمارة بالسوء بشراء قهوة أو طعام، خاصِمها أشد الخصام، ونم بلا عشاء، واكتفِ بالفطور عن الغداء
يريدك أن تفترش التراب، وتنام علىٰ الأخشاب، وهو منذ نعومة أظفاره يرتع من النعيم في كل روض، ويكرعُ من النسيم في كل حوض، ينام علىٰ البُسط الرفيعة، والفُرش البديعة، التي تبهر الجَنَان، وتذكّر بالجِنان، وإن اشتريت القهوة نعتك بالإسراف، وصاح ويحك أيها المتلاف، أما تخشىٰ أما تخاف!
وقد وجدت أن من يرفع هذا الشعار بخيل نذل، والبخل خلق رذل، وفيه علامات، وبعض سمات؛ يذم الأجواد، ويمدح الاقتصاد، وعندما يُطرق بابه، يفقد صوابه، ويكثر سبابه، يرىٰ الطارق، كأنه سارق، وإذا حل به ضيف نسي الترحيب، وقال: هذا يوم عصيب. وينظر كيف التدبير، في الخَلاص من هذا الخطر الكبير
"وأحب أبواب العلم إلى التاجر البخيل، باب الحث على الاقتصاد، وأثقل باب عليه باب الجود والأجواد" وإن أُجبر بشراء مايحتاج ذهبت أفراحه، وتزاديت أتراحه، وقام يجرّ رجليه، وهو كالمغمىٰ عليه، واعلم ياعزيزي أن الشحيح، عمله قبيح، وقد قال المختار: تعس عبد الدينار؛ لأنه يهدي صاحبه إلى النار
وألم ترَ أن من كنز ماله مصاب بالضغط والسكّر؛ لأنه في كل لحظة يفكّر، ومزاجه معكر، وخاطره مكدّر، وفيه فقر دم، وكثرة هم، ودوام غم، فقر الدم من قلة الغذاء؛ لأنه مقتصد بالقهوة والفطور والغداء، وأما كثرة الهم: فلانشغال باله بالسندات والشيكات، وانصرافه إلىٰ العقارات، وتفكره في التداولات
ثم إنهم ينادون بالاقتصاد في هٰذا البن الخلّاب، والشكل الجذّاب، بلغة سوقيّة، ولهجة فوقيّة؛ بُغية الادخار، والاستثمار، وشراء العشرات، من العقارات؛ هذا غثاء وهراء، وادعاء وافتراء
ألا يعلموا أن بالقهوة يعم السّلام، والمودة والوئام؛ إنها توقظ العقل، وتبعد عنه ركاما من الجهل -وهذا سبب جهلهم- غير أنها ترتّب الأفكار، الجالبة للمال والدينار، وتطرد الملل، وتشافي العلل، تُنسّيك جحود الجاحد، وحسد الحاسد، وضغينة الحاقد، هي سلوة الحاضر والباد، وخير ما عمله العباد!
وروح المؤانسة، وقوت المجالسة، كنز الإفادة، وعنوان السعادة، تشرح الصدور، وتجلب السرور، وتسهل الأمور، لها شأن عجيب، ونبأ غريب؛ فبها تجهز الجنود، وترفع البنود، وتحل العهود، وترد المظالم، وتقطع الجماجم!
وها أنا جالس في هذا المقام، وليسمعني من قعد وقام؛ لأقول في الختام يا أنام: من صفى من الحرام ديناره، وعمر بالتقوى داره، وأكرم جاره -والكريم له أجر عظيم-؛ فقد أحسن معاملة مولاه،وشكر ربه على ما أولاه. ثم قابلوا النعمة بالشكر،والبلاء بالصبر، واحمدوا الله على العافية، والعيشة الكافية.
جاري تحميل الاقتراحات...