من عشر سنين كنت ماسك إدارة قسم لخدمة العملاء في شركة من الشركات الكبيرة.. وفي يوم جالي واحد معرفة وقالي خد ال CV ده وشوف تقدر تعمل إيه.. قابلت الشخص، كان إسمه وليد.. شاب مهذب ومحتاج فرصة، إمكانياته معقولة وخبرته مش بطالة.. من أول مقابلة قلتله مبروك عليك الوظيفة..
وليد كان شخص إجتماعي جدا.. عمل جو في المكتب وكان حريص على الإحتفال بأعياد ميلاد زملائه... ويلملهم فلوس ويجيب هدايا، وكان برضه بيهتم بالحالات الإنسانية ويجيلي ومعاه ظرف عشان أشارك في علاج فلان أو زواج علان! وعلى مستوى الشغل، كان بيطور نفسه وبيتابع شغله والعملاء بيرتاحوا معاه
كان عنده موهبة في الرسم، وكل ما أعدي من قدام مكتبه ألاقيه معلق صورة راسم فيها كاريكاتير مافيهوش غلطة.. كان فنان بمعنى الكلمة... كنت باقوله يابني مكانك مش هنا.. خسارة الموهبة.. المهم، بعد سنتين، بدأت الاحظ تغيير في مظهره وتصرفاته... ساعات يجي مبهدل ومطلع قميصه بره
واحنا كان عندنا dress code ، وساعات يتأخر ساعة أو ساعتين بدون إذن ويعتذر لما يوصل، وساعات نحاول نوصله أثناء غيابه نلاقيه قافل الموبايل.. وفي مرة كنت معاه في اجتماع مع أحد عملاء الشركة الكبار ولقيته جاي بلبس كاجوال.. وقعد في الاجتماع شارد ومش محضر نفسه عشان يرد على شكوى العميل
في الاجتماع ده لقيته قال حاجة مالهاش علاقة بالشغل وكانت في غير محلها تماما، وقعد يضحك بصوت عالي، بس كان بيضحك لوحده وسط صمت الجميع.. حاولت امشي الدنيا وضحكت معاه وربطت بين كلامه وبين الشغل بطريقة الترقيع اللي بيعملها ترزي تحت السلم! حاولت اعمل نفسي مش واخد بالي
لكن بعدها بأسبوع غاب يومين من غير ما يبلغني وقفل موبايله! و دي كانت الطامة الكبرى، جبته في مكتبي واتكلمت معاه في كل حاجة... سكت وماردش على كلامي غير بكلمة انا اسف.. كررها كتير وفي الاخر وعدني أنه هاياخد باله.. التزم يومين ورجعت ريما لعادتها القديمة!
رصيده معايا بدأ ينفذ، وفي نفس الوقت باقي الفريق اللي كانوا بيدافعوا عنه، ابتدوا يتكلموا ويقولوا اشمعنى! اتكلمت معاه تاني وتالت وماخدتش منه غير كلمة أنا آسف.. ردوده على العملاء كانت حادة ومش مركز في الشغل، وساعات تلاقيه يهرج في نص المكتب وفي مرة لقيته مشغل اغنية وبيرقص!!
اخدته على ال HR وحذرناه... ولما الموضوع وصل للراس الكبيرة، قال مستنيين إيه.. طيرووه! أنا فاكر أن القرار اتاخد يوم خميس وكان مفروض نقعد معاه يوم الأحد.. الموضوع كان شاغل بالي جدا.. كنت باحبه مش عارف ليه! يوم الجمعة حلمت بيه وصحيت متضايق.. قعدت على فيسبوك وبحثت عنه
لقيت اكوانت عليه صورته ومعاه بنوتة صغيرة من ذوي الاحتياجات الخاصة.. وكل بروفايله صور وكلام عنها! بنته اللي غالبا مشقلبة حياته هو ومراته.. شوفت فيديو وهو بيرقص معاها نفس طريقة الرقص اللي كان بيرقص بيها في نص المكتب.. شوفت في عينيه حب ومعاناة و ألم...
فيديو تاني كان بيتكلم فيه عن حالة بنته وأنها محتاجة دعم لأنها بتتعب كتير وكل شوية يجروا بيها على المستشفى! قعدت تقريبا نص نهار الجمعة اتصفح في الفيسبوك على اكاونت وليد.. حاولت اتصل بال HR لكنه ماردش.. بعتله رسالة ومافتحهاش.. يوم الأحد روحنا المكتب وكان ميعاد القعدة مع وليد
تراجعت عن قراري اني اقول ظروفه لل HR عشان يمكن هو مش عايز ده.. قعدنا واتكلمنا وفي وسط القعدة كان مفروض اقول كل مشاكل وليد وال HR يسمع ويقول القرار المشترك بفصل وليد.. لكني في نص الكلام بعد ما وليد قال أنا آسف ردا على كلامي.. قلتله انا هاديك فرصة أخيرة.. ال HR فتح بوقه
وبصلي باستغراب! فهمته بعد الاجتماع أن القرار على مسؤوليتي الشخصية.. وقعدت مع وليد وما قولتلوش اني عرفت حاجة عن حياته الشخصية.. اتفقنا على مواعيد فيها مرونة ، وشيلت من عليه جزء كبير من الشغل التقيل.. ظلمت زملائه لبعض الوقت، لغاية ما بدأت الدنيا تضبط معاه ...
وليد ماكملش كتير.. بعدها بسنة جالي وقالي انه مهاجر برا مصر.. واستقال واتعمله احتفال جميل واخد مكافأة مش بطالة.. طلبت من أحد الزملاء يشغل الاغنية اللي كان وليد بيرقص عليها في المكتب، ورقصنا كلنا! بعتله طلب اضافة على فيسبوك وبقينا اصحاب.. واضح ان بنته راحت هناك عشان تتعالج
ودخلوها مدرسة خاصة وحالتها الصحية مستقرة نوعا ما.. باحكيلكم قصص كتير عن الجانب الآخر من الحقيقة اللي الواحد لو ما عرفوش ممكن يظلم ناس، أو ما يقدرش ظروفهم.. و دي اكتر حاجة علمتني دروس قاسية في حياتي.. عشان كده باحب اشاركها معاكم.. لعل وعسى يكون في حياتك وليد آخر وانت مش واخد بالك
جاري تحميل الاقتراحات...