معاوية الرواحي
معاوية الرواحي

@MuawiyaAlrawahi

16 تغريدة 27 قراءة Jul 01, 2021
التعاطف مع الجلاد ينشأ مع ظنِّك بأن وازعه الأخلاقي يدفعه لتعويضك عن ما أحاقه بك من ظلم، ولذلك تنشأ هذه الارتباطات السامَّة والخطرة، من هذا الوهم، أن الجلاد قريب منك لأنه يعوضك، بينما هو في الحقيقة يعزز أسباب سلامته، ويخفي جريمته، ويضمنُ ويدرس ويتقي ردة فعلك، أو ثورتك ضده.
للجلاد ذكاء حاد في فهم الضعفاء، وفي السيطرة عليهم، ويتطور وعيه مع تطور وعي ضحاياه، فلعبة الإيهام كلها تدور حول إخفاء نزعته الجرمية، فهو أخطأ وأذاك لأن ظروفه دفعته لذلك، دائما لديه عذر، وسيطرته عليك جزء من حمايته لنفسه، سيبالغ في قربه منك ليحمي نفسه فقط، وليضمن سلامته.
في حالة الجرائم المروَّعة مثل اختطاف امرأة لعشر سنوات وسجنها في قبو، دراسةُ الجلادين من هذا النوع واضحة وسهلة وتميل للأدب والسرد أكثر من العِلم. أما في حالة الجرائم الصغيرة، والأذى والكيد الشخصي، والحسد، والانتقام، الجلاد قد يكون مديرك في العمل الذي هدم مستقبلك لأنه يكره قبيلتك.
الجلاد مجرم يعلم ويعي الذي يفعله، منهزم أمام فكرة أنَّه يؤذي الضعفاء فقط، فهو جبان، وكذوب، ومراوغ، ولا يواجه، وقد لا تجد له أعداء مطلقا، بل وربما لا تسمعه يتحدث بالسوء عن شخص، أما أمامك كون ضحيته فهو أقوى من الحياة، وأكبر، وقادر على الشر والجنون، ويهدد، ويتربص بردة فعلك بحدة.
مع تراكم جرائم الجلاد وأذاه على حياتك تكتشف أنك في أزمة، لكنه استبقَ كل ذلك قبلك بوقت طويل. ستعيش قتالين في وقت واحد، مع نفسك التي تريد تقويمها لكي لا تتقبل المزيد مع الأذى، ومع هذا الجلاد الجاهز للبطش بك بكل ما ادخره تجاهك من وسائل حماية، تحميه منك، وتضمن له تكرار جنونه مع غيرك.
يشيع أدب الجلادين والقتلة المتسلسلين، هؤلاء الذين لديهم مشاكل مركبة تؤدي لاكتشافهم في نهاية المطاف، الجلاد الذي يؤذي الضعفاء، ويستغل حاجة المرضى للعلاج بالإيحاء، والتي تؤذي ابنة زوجها، وغيرها من الأمثلة، هذه جزء من الحياة، جزء من وعي الفرد، جريمة معنوية لا نص يدينها، ويقي منها.
بعض الجلادين يستخدمون خصالهم النفسية للتربح في الحياة، فالذي يُسقط كُل منافس له في العَمل بالإشاعات، أو بإرسال عاهرات، أو بإقحامهم عالم المخدرات، أو تلفيق التهم والرشاوي ضدهم قد ينجو ما لم يُكتشف، هذا لا يفعل ذلك لأنها متعة، وهؤلاء لا يسقطهم إلا من هو مثلهم فقط، فلا أصدقاء لهم.
بعض الجلادين وضعهم أسوأ، فإيذاء الآخرين لديهم متعة، ويرتبط الأذى في شكله الأدبي عادة بالجنس، والاغتصاب، والقتل، وهذا نادر الحدوث في الحياة النمطية، أصحاب هذا الاختلال يصعب اكتشافهم، ويصعب علاجهم، وينغمسون لسنوات في لذتهم الآثمة حتى تصبح هي حياتهم التي يخافون الاعتراف بها.
الجلادون جزء من الشر في هذه الحياة، فثمة شرطي دخل كلية الشرطة ليتمكن من إطلاق النار على سود البشرة في شوارع نيويورك، وثمة جلاد يعمل منتجا في هوليود. هذا النمط المتطرف هو الذي يشيعُ تحليله ودراسته لشيوع الاهتمام به، أما صغار الجلادين، فهم أكثر انتشارا، وضررهم أقرب من الكبار.
الشخصية العنيفة معنويا هي التي تؤدي إلى حالات الانتحار المفاجئة التي تحدث للضعفاء والمرضى. وهذه الحالات المؤسفة من الأذى هي التي تعزز في الجلاد تطوره، هي التي تعزز ارتقاءه الآثم إلى المرحلة التي بعدها، ولكل جلاد نهاية مروعة إن سمحت له الظروف، لا يكبر جميعهم، وبعضهم ينجو ويفلت.
الرغبة في إيذاء الآخرين من أجل الاستمتاع بذلك، بلا ردة فعل، ولا غضب ولا انتقام هي أقصى تجليات المرض النفسي وأخطرها. وارتباط النرجسية، مع غياب التعاطف، والاستثارة، وربما وجود الضحايا الهشة هذه وصفة صناعة المأساة الكبيرة والصغيرة، جثة في حقل، أو إنسان بائس مهزوم محطم الوجدان.
المتنمر مشروع جلاد، قد ينتهي به المطاف تافها كل همه السخرية من فلان وعلّان، أو قد يتطور الأمر فيصبح هوسا، وهذا ما تراه في قنوات اليوتيوب، عندما يتخصص أحدهم في التنمر على فئة معيّنة، ليست الفكرة ولا الانتماء الفكري السبب، الدعوة للعنف، أو ممارسة عنف اللغة، جلاد جبان بلا سلاح.
ولا أتحدث عن النقدية الموضوعية، أو الكراهية الموضوعية. الجلاد يبحث عن الضحية الأضعف ليفتك بها، ومع الوقت تتشوه معززات الحياة لديه، ومع فقدانه لقيمة الإنسان الأخلاقي، ورضاه بما أصبح إليه من جريمة معنوية تُكمل ظروف الحياة الحكاية، هل هو قاتل أزقة؟ أم جبان باسم مستعار يدعو للعنف.
التوصيفات الطبية والعلمية [السايكوباثية، السوسيوباثية] وغيرها تصف ما يعجز وعينا النمطي عن الانتباه له. ولا تستغرب أن الجلاد كثير الظن بالآخرين أنهم مرضى، بل وربما يكون بارعا في تتبع أمراضهم، يعجز عن فهم ذاته ودوافعها، فهو يؤذي الآخر من باب المتعة، والاستثارة فقط. وهذا صعب الفهم!
لذلك، فالانتباهُ هو أساس التدخل في المشكلة مبكرا. طفلٌ يخنق القطط، هذا مؤشرٌ مقلق، قد يفعل ذلك لأنه يقلد، وقد يفعل ذلك لأن الذي يتشكل بوعيه إنسان متأزم، كل المشاكل النفسية لها حل في مراحلها الأولى، تلك التي استفحلت، يستحيل حلها، ليس بعد سبع جثث في القبو، هذه مشكلة لا حل لها.
سأكمل في تدوينة
رتب
@rattibha

جاري تحميل الاقتراحات...