هدى العباسي
هدى العباسي

@VrLw2

19 تغريدة 24 قراءة Jun 09, 2021
ثريد
قراءة في رواية #مسيح_دارفور للروائي عبد العزيز بركة ساكن @kurmmoķ50
«الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ»
لا أدري لماذا تبادرت لخاطري هذه ألترنيمة التي نتبادلها مع الأصدقاء لمشاركة الافرح بالأعياد عندما وددت قراءة الرواية
دوماً يصعب الرجوع لقراة تفاصيل جرائم الحروب خاصة تلك الحروب التي إشتعلت نيرانها لإبادة سكان عزل ظلت دارفور موطنهم منذ إن كان السودان؛ ارادت الحكومة حينها بقوة السلاح إن يتم إخلائهم من مواطنهم تلك ليحل محلهم أناس يتحدثون العربية والفناء والإبادة لغيرهم.
كُتبت الرواية بلغة رفيعة سلسة سهلة في نفس الوقت، وهي ملكة تميز بها بركة ساكن في دقة الوصف لمجريات أحداث لم نكن نعرف تفاصيلها بهذه الصورة؛ فهو يجعل القارئ يحس انه في تلك الاماكن يتنقل مع شخوص الرواية بين الألغام وكمين جنود الحكومة وجنجويدها متوقعاً القبض عليه في أي لحظة.
لقد كنا نسمع عن الحرب في دارفور من الإذاعات العالمية والناشطون في الدفاع عن حقوق الإنسان حينها حيث لم تكن وسائل الإعلام في السودان تعكس ما يدور وهم من يقتل ويحرق الإنسان هناك.
كما أننا نعرف المعنى الحرفي للكلمات المجردة التي تُصف تلك الحروب ولكن بركة ساكن إستطاع ان ينقل لنا إحساس من نجا من وحشية الإبادة الجماعية في تلك الحروب؛ كيف لا وهو الذي إنحاز بوعيه ليسلط الضوء على المسكوت عنه في محنة الإنسان في السودان، فالكلمة كما تُحيي تُميت هكذا يوقن ساكن.
ولربما لازال معسكر "كلمة" للناجين من الحرب وإعادة توطين السكان في منطقة دارفور والذي يقع بالقرب من نيالا والذي يعيش في مخيمات النزوح التي تنتشر فيه أكثر من مليوني شخص معظمهم من النساء والأطفال لم يكن إختيار الإسم "كلمة" لذلك المعسكر صدفة؛
يرى ساكن إن "الكلمة" هي أن تعي الواقع وتعيشه ولا تنفصل عنه، وتعمل من أجل الأحياء والأشياء. فهو بدقة وصف الأشياء التي يفتقدها الإنسان في تلك المخيمات وصورها لنا في وصفه للمكان الذي إلتقوا فيه بالمسيح إبن الإنسان .. فيصف ذلك المكان ..
"كان الكهف صغيرًا جدًّا في الماضي، ولكنه يتسع كل مرة ليسع كل من يدخله، وصار المكان الضيق يسع الجميع، راعى خصوصيات كل فرد منهم، الأطفال والطفلات وجدوا لبنًا لعشائهم، النساء الجميلات المؤمنات وجدن كل ما يخصهن ويحتجن إليه في اللحظة والحين، الرجال وجدوا المكان مهيَّأً كما لو أنه كان
يخصُّهم وحدهم". هذه ابسط مقومات ما يحتاجه الإنسان في تلك المخيمات ليحس بإنسانيته.
مسيح دارفور هي رواية تخلد تأريخ أحداث كتبت بدماء من فقدوا حياتهم بسبب حرب لايعرفون لماذا كانت ولأجل ماذا يُقتلون وهم الآمنون كانوا في بيوتهم ينعمون.
الدقة في الوصف للأحداث والاحساس في الروية ذكرتني بالكاتب الروائي العالمي غابريل قارسيا ماركيز عندما شكر في مقدمة روايته "الجنرال في متاهته" إدارة الإرصاد الجوي بمده بالتواريخ التي كان فيها القمر بدراً في الاعوام التي تبدا من 1783 والتي عاش فيها سيمون بوليفار.
و هكذا ايضاً نجد بركة ساكن تفردت عباراته بالدقة دوماً في سرد احداث رواياته؛ فالابطال الذين قاوموا الحروب التي شنتها الحكومة و الجنجويد لإبادة الإنسان هناك تحس انك تعرفهم بل تتاكد من معرفتك بهم بعد قراءة الرواية، فهاهم اليوم بيننا يفاوضون في السلام الذي يحلم به الإنسان في دارفور
فكانت الرواية تحكي عن تأريخ عشناه ولازالت تفاصيله تأمل بالسلام.
يرى ساكن أن السلام يبدأ من القلب، والشرُّ أيضًا يبدأ من القلب، وكذا الحب والكراهية. أما الموت فهو صناعة تنشئها لنفسك عندما تنشئها للآخرين.
وبالرغم من ان الإنسان في دارفور يواجه الموت من كل مكان من قبل جيش الحكومة والجنجويد إلا أن الرواية إنتصر مسيحها الذي يرى
الصدق الذي في قلوب النساء يضيء لهم الطريق الذي يسير لوجهة كلها خير، إذا لم تكن نحو الجمال.
ابدع بركة ساكن في ختام رواية إبتدات بنية الحكومة الإعداد لصلب مسيح دارفور وكل من آمن به، بموكب مهيب يقوده مسيح دارفور وكل من آمن به ينادي فيه للسلام والحرية ينضم إليه كل من يصادفه ويؤمن بان يكون الإنسان إنسانا.
هكذا يرى عبد العزيز بركة ساكن انه مهما طالت بالإنسان المحن فلابد أن تنتهي بصورة أجمل مادام هناك أناس يؤمنون بالعدالة والسلام.
عمداً لم اتطرق لوحشية الجنجويد فهم يلونون بالدم ما أريد كتابته؛ سأكتفي بوصفهم من أحد أبطال الرواية حينما قال عنهم مرة إنه لا يدري إذا كان الجنجويد قد خلقهم الله الذي خلق الوردة والماء، لأن الجنجويد يفتقدون لأبسط القيم الإنسانية، دعنا من قيم التسامح والحب والجمال.
ختاماً لم أستغرب ان وزراة التربية والتعليم الفرنسية تقرر وضع رواية #مسيح_دارفور من ضمن المواد المقررة للتدريس لطلاب كلية التربية من أجل نيل درجة التبريز؛ في جامعة السوربون، وجميع الجامعات الفرنسية وذلك بدءً من العام الدراسي 2022- 2023
فهي رواية تؤرخ لمجازر الإبادة العرقية بدارفور بأسلوب سلس ووصف دقيق لما أحسه الإنسان من وحشية المعارك التي كانت. قراءة تلك الحرب تحتاج منا ان نعرف الإنسان بداخلنا وحتماً لا يتم ذلك من القراءة لها مرة واحدة.
التحيات الندية والشكر والتقدير للروائي عبد العزيز بركة ساكن
مع الشكر @rattibha

جاري تحميل الاقتراحات...