محمود
محمود

@_mah_moud

23 تغريدة 18 قراءة Jun 07, 2021
لماذا نحن دائمًا على صواب؟
⚽️ مليش دعوة .. هي أوفسايد وخلاص!
إذا أعلن الحكم أن فريقك ارتكب خطأ، فسوف تندفع للبحث عن سبب لتبين أن الحكم قد أخطأ. لكنه إذا أعلن أن الفريق الآخر قد ارتكب خطأ — رائع! تحكيم رائع، دعونا لا ندقق في الحكم كثيرًا.
في القرن التاسع عشر في فرنسا، قطعة الورق هذه التي تبدو غير مؤذية تمامًا تسببت في واحدة من أكبر الفضائح السياسية في التاريخ، تم اكتشافها في عام ١٨٩٤ من قبل ضباط في هيئة الأركان العامة الفرنسية، وقد تم تمزيقها ورميها في سلة المهملات.
عندما تم جمعها من جديد، اكتشفوا أن أحدًا من صفوفهم كان يبيع أسرارًا عسكرية للألمان، فقاموا بفتح تحقيق كبير، وشكوكهم توجهت بسرعة نحو هذا الرجل، ألفريد درايفوس.
كان لديه سجل لامع، لم يرتكب أخطاء في الماضي، ولم يكن لديه دافع واضح لفعل هذا، لكن درايفوس كان الضابط الوحيد من أصول معادية بهذه الرتبة في الجيش؛ قارنوا خط كتابة درايفوس بخط المذكرة وانتهوا إلى أنه خطه، رغم أنهم لم يكونوا واثقين تمامًا في وجود تطابق.
ذهبوا وفتشوا شقة درايفوس، بحثًا عن أي دلائل تُشير إلى التجسس، فتشوا في كل ملفاته، ولم يجدوا شيئًا. لكن هذا أقنعهم أكثر أن درايفوس لم يكن مذنبًا فقط، لكنه محتال أيضًا؛ فمن الواضح أنه قام بإخفاء جميع الأدلة قبل أن يتمكنوا من الوصول إليها!
بعد ذلك، قاموا بالبحث في تاريخه الشخصي عن أي تفاصيل مشبوهة، تكلموا مع أساتذته، ووجدوا أنه قد تعلم لغات أجنبية في المدرسة، وهو ما أظهر بشدة رغبتة في التآمر مع حكومات أجنبية!
أكد أساتذته أيضًا أن درايفوس كان يتمتع بذاكرة جيدة، وهو ما كان مثيرًا للشبهة، أليس كذلك؟ لأنه جاسوس فعليه تذكر الكثير من الأشياء. أحيلت القضية إلى المحكمة، وحكم على درايفوس بأنه مذنب.
قاموا بأخذه إلى الساحة العامة، ورمزيًا قاموا بنزع الشارة من بذلته العسكرية، وكسروا سيفه إلى نصفين، وهو ما سُمي بعد ذلك بإذلال درايفوس، وحكموا عليه بالسجن المؤبد على الجزيرة المسماة طبقًا لفعله، جزيرة الشيطان، صخرة مجدبة قبالة سواحل أمريكا الجنوبية.
هناك أمضى أيامه وحيدًا، يكتب رسائل ورسائل للحكومة الفرنسية متوسلاً إياهم فتح التحقيق مجددًا، علهم يكتشفون براءته. لكن فرنسا اعتبرت القضية منتهية، لم تكن مكيدة؛ كان الضباط متأكدين فعلًا من أنه مذنب.
ماذا يمكننا القول عن العقل البشري إذا كانت مجموعة من الأدلة الواهنة كافية للحكم على شخص بالجرم؟ حسنًا، هذه هي الحالة التي يطلق عليها العلماء "الاستدلال الموجّه"، حين تتسبب دوافعنا اللاإرادية وشهواتنا ومخاوفنا في تحديد الطريقة التي نحلل بها المعلومات.
بعض المعلومات وبعض الأفكار نشعر وكأنها حليفتنا؛ نريدها أن تنجح، نريد أن ندافع عنها، وبعض المعلومات والأفكار الأخرى تبدو كأعداء لنا، نريد إسقاطها أرضًا. ولهذا أطلق على الاستدلال الموجّه تسمية: عقلية الجندي.
إذا كنتَ من المؤيدين لعقوبة الإعدام، وأظهرت دراسة ما أن الإعدام غير مجد، فسوف تكون متحمسًا جدًا للبحث عن كل الأسباب لتثبت أن هذه الدراسة لم تكن جيدة بما فيه الكفاية، لكن إذا أظهرت أن عقوبة الإعدام مجدية، فإذن هي دراسة جيدة.
إن أحكامنا متأثرة بدرجة كبيرة، وبغير وعي منا، بأي طرف نريده أن يفوز، وهذا يشملنا جميعًا. هذا يحدد كيف نفكر حول صحتنا، حول علاقاتنا، حول آرائنا السياسية، حول ما نعتبره عدلاً أو أخلاقًا. يمكننا الظن أننا موضوعيون ومحايدون في الوقت نفسه الذي ندمر فيه حياة شخص بريء.
لحسن حظ درايفوس فإن قصته لم تنته: الكولونيل بيكارت بدأ في الشك: "ماذا لو كنا مخطئين؟" الشيء الذي حدث أنه قد اكتشف دليلاً أن التجسس لصالح الألمان قد استمر، حتى بعد زج درايفوس في السجن. واكتشف أيضًا أن ضابطًا آخر يطابق خط كتابته ما كتب على المذكرة، أكثر تطابقًا من خط كتابة درايفوس.
قام بيكارت بتسليم هذه المعلومات لرؤسائه، ولكنهم لم يهتموا كثيرًا، وخلقوا حججًا لتأويل تفسيراته، مثل:كل ما بينته حقيقة، بيكارت، يوجد جاسوس آخر تعلّمَ كيف يقلد خط درايفوس وأكمل عملية التجسس، لكن درايفوس مازال مذنبًا.
تمكن بيكارت من تبرئة درايفوس بعد عشر سنوات كاملة، أمضى خلالها بعض الوقت في السجن هو أيضًا بتهمة عدم الولاء. بيكارت كان معاديًا لأصول درايفوس مما يجعل أفعاله هذه أكثر إثارة للإعجاب؛ لأنه كان يتمتع بنفس الأسباب ليكون متحيزًا، لكن دوافعه للبحث عن الحقيقة والتمسك بها كانت أقوى.
بيكارت هو المثال لـ "عقلية الكشاف"، إنها إرادة عدم جعل فكرة تفوز والأخرى تخسر، لكن فقط معرفة الحقيقة بأمانة قدر المستطاع، حتى ولو لم تكن جيدة أو مناسبة أو مثيرة للإعجاب. بعض الناس، على الأقل أحيانًا، قادرون على تجاهل أحكامهم المسبقة وتحيزهم، وراغبون في رؤية الحقائق والأدلة.
أصحاب هذه العقلية يشعرون بالمتعة عند تعلم معارف جديدة، وهم أكثر ميلاً للشعور بالافتتان إذا صادفوا شيئًا مخالفًا لتوقعاتهم، لديهم أيضًا قيم مختلفة: إنهم مؤمنون بأنه من الجيد أن تختبر معتقداتك الخاصة، وأقل ميلاً لوصف شخص غيّر تفكيره بأنه شخص ضعيف.
هم يرون أن قيمتهم كأشخاص لا تتعلق بموقفهم حيال موضوع معين؛ فيمكنهم الاعتقاد بأن عقوبة الإعدام مجدية، وإذا أظهرت الدراسات أنها ليست مجدية، يمكنهم القول: يبدو أنني ربما كنت مخطئًا، ولا يعني هذا أني سيئ أو غبي.
هناك اقتباس لـ "ساينت إكسبيري" مؤلف "الأمير الصغير" يقول فيه: إذا أردت بناء سفينة، لا تحشد الرجال لجمع الخشب وإعطاء الأوامر وتوزيع المهام، لكن علمهم أن يشتاقوا إلى البحر الواسع اللامتناهي.
بتعبير آخر، إذا أردنا حقًا تحسين أحكامنا كأفراد وكمجتمعات، ما نحتاجه بشدة أن نتعلم كيف نحس بالفخر لا بالعار عندما نلاحظ أننا ربما كنا مخطئين حول شيء ما، وأن نتعلم كيف نشعر بالافتتان بدلاً من أن نكون دفاعيين عندما نصادف معلومات تتعارض مع اعتقاداتنا.
السؤال في النهاية: ما الذي نريده أكثر، هل نريد الدفاع عن أفكارنا؟ أم نريد رؤية العالم بوضوح قدر المستطاع؟
من محاضرة
Julia Galef

جاري تحميل الاقتراحات...