كان لديه سجل لامع، لم يرتكب أخطاء في الماضي، ولم يكن لديه دافع واضح لفعل هذا، لكن درايفوس كان الضابط الوحيد من أصول معادية بهذه الرتبة في الجيش؛ قارنوا خط كتابة درايفوس بخط المذكرة وانتهوا إلى أنه خطه، رغم أنهم لم يكونوا واثقين تمامًا في وجود تطابق.
ذهبوا وفتشوا شقة درايفوس، بحثًا عن أي دلائل تُشير إلى التجسس، فتشوا في كل ملفاته، ولم يجدوا شيئًا. لكن هذا أقنعهم أكثر أن درايفوس لم يكن مذنبًا فقط، لكنه محتال أيضًا؛ فمن الواضح أنه قام بإخفاء جميع الأدلة قبل أن يتمكنوا من الوصول إليها!
بعد ذلك، قاموا بالبحث في تاريخه الشخصي عن أي تفاصيل مشبوهة، تكلموا مع أساتذته، ووجدوا أنه قد تعلم لغات أجنبية في المدرسة، وهو ما أظهر بشدة رغبتة في التآمر مع حكومات أجنبية!
أكد أساتذته أيضًا أن درايفوس كان يتمتع بذاكرة جيدة، وهو ما كان مثيرًا للشبهة، أليس كذلك؟ لأنه جاسوس فعليه تذكر الكثير من الأشياء. أحيلت القضية إلى المحكمة، وحكم على درايفوس بأنه مذنب.
هناك أمضى أيامه وحيدًا، يكتب رسائل ورسائل للحكومة الفرنسية متوسلاً إياهم فتح التحقيق مجددًا، علهم يكتشفون براءته. لكن فرنسا اعتبرت القضية منتهية، لم تكن مكيدة؛ كان الضباط متأكدين فعلًا من أنه مذنب.
ماذا يمكننا القول عن العقل البشري إذا كانت مجموعة من الأدلة الواهنة كافية للحكم على شخص بالجرم؟ حسنًا، هذه هي الحالة التي يطلق عليها العلماء "الاستدلال الموجّه"، حين تتسبب دوافعنا اللاإرادية وشهواتنا ومخاوفنا في تحديد الطريقة التي نحلل بها المعلومات.
إذا كنتَ من المؤيدين لعقوبة الإعدام، وأظهرت دراسة ما أن الإعدام غير مجد، فسوف تكون متحمسًا جدًا للبحث عن كل الأسباب لتثبت أن هذه الدراسة لم تكن جيدة بما فيه الكفاية، لكن إذا أظهرت أن عقوبة الإعدام مجدية، فإذن هي دراسة جيدة.
إن أحكامنا متأثرة بدرجة كبيرة، وبغير وعي منا، بأي طرف نريده أن يفوز، وهذا يشملنا جميعًا. هذا يحدد كيف نفكر حول صحتنا، حول علاقاتنا، حول آرائنا السياسية، حول ما نعتبره عدلاً أو أخلاقًا. يمكننا الظن أننا موضوعيون ومحايدون في الوقت نفسه الذي ندمر فيه حياة شخص بريء.
قام بيكارت بتسليم هذه المعلومات لرؤسائه، ولكنهم لم يهتموا كثيرًا، وخلقوا حججًا لتأويل تفسيراته، مثل:كل ما بينته حقيقة، بيكارت، يوجد جاسوس آخر تعلّمَ كيف يقلد خط درايفوس وأكمل عملية التجسس، لكن درايفوس مازال مذنبًا.
تمكن بيكارت من تبرئة درايفوس بعد عشر سنوات كاملة، أمضى خلالها بعض الوقت في السجن هو أيضًا بتهمة عدم الولاء. بيكارت كان معاديًا لأصول درايفوس مما يجعل أفعاله هذه أكثر إثارة للإعجاب؛ لأنه كان يتمتع بنفس الأسباب ليكون متحيزًا، لكن دوافعه للبحث عن الحقيقة والتمسك بها كانت أقوى.
أصحاب هذه العقلية يشعرون بالمتعة عند تعلم معارف جديدة، وهم أكثر ميلاً للشعور بالافتتان إذا صادفوا شيئًا مخالفًا لتوقعاتهم، لديهم أيضًا قيم مختلفة: إنهم مؤمنون بأنه من الجيد أن تختبر معتقداتك الخاصة، وأقل ميلاً لوصف شخص غيّر تفكيره بأنه شخص ضعيف.
هناك اقتباس لـ "ساينت إكسبيري" مؤلف "الأمير الصغير" يقول فيه: إذا أردت بناء سفينة، لا تحشد الرجال لجمع الخشب وإعطاء الأوامر وتوزيع المهام، لكن علمهم أن يشتاقوا إلى البحر الواسع اللامتناهي.
بتعبير آخر، إذا أردنا حقًا تحسين أحكامنا كأفراد وكمجتمعات، ما نحتاجه بشدة أن نتعلم كيف نحس بالفخر لا بالعار عندما نلاحظ أننا ربما كنا مخطئين حول شيء ما، وأن نتعلم كيف نشعر بالافتتان بدلاً من أن نكون دفاعيين عندما نصادف معلومات تتعارض مع اعتقاداتنا.
جاري تحميل الاقتراحات...