سقراط الذي كان همّه خدمة الأخلاق، وتنمية الفضيلة، والذي لم يكن يأخذ أجراً على ما يُعلِّمه غيره؛ اعتمد في نقاشاته على طريقته الجدلية الشهيرة، والتي كانت مرتّبةً على دورين: التهكُّم، والتوليد.
كان بداية النقاش يتصنّع الجهل، ويتظاهر بالتسليم لحجج خصمه، ثم يبدأ بإثارة الشكوك وإلقاء الأسئلة، إلى أن يشعر محاوره بالقلق والتناقض حتى يُقر بجهله. وهذا ما يُعرف بـ«التهكُّم السقراطي»، أي السؤال مع تصنّع الجهل، وهدفه تخليص العقول من المعرفة الزائفة، وإعدادها لقبول الحق.
والتهكُّم السقراطي لا يجيده كل أحد، وإن وُجِد مَن يُتقنه فإنه لا يصلح أن يُستخدم مع الفئة القريبة من الحق، لأنه يُحفظ النفوس وينفخ كِبرها فتأبى الحق وهي تدركه وتعلمه. ينتقل سقراط في حواره إلى المرحلةِ الثانية، وهي: تقديم أسئلة دقيقة مرتّبة ترتيبا منطقيا.
وهو بهذا يصنع سلّما للمحاور ليصل إلى الحقيقة، فعندما يصل يشعر بأنه اكتشفها بنفسه لا بفضل غيره، وهذا ما يعرف بـ«التوليد» أي: استخراج الحق من النفس، وكأنه كامن فيها لا يحتاج لغير رجوع المرء إلى نفسه، حتى تتضح وتظهر. هكذا كان جدل سقراط الذي قاد خصومه إلى السير في الوجهة التي يحددها.
جاري تحميل الاقتراحات...