كانت شركة هارفستر واحدة من أكبر الشركات الأمريكية .. عملها الرئيسي هو صناعة معدات الزراعة وشاحنات النقل والبناء .. في عام ١٩٧٧ .. وبعد فترة ركود في الشركة .. قرر مجلس الإدارة وضع دماء جديدة فيها .. وذلك بتعيين مدير تنفيذي جديد لها
المدير الجديد هو .. ارشي مكاردل .. كان يعمل قبلها رئيس شركة زيروكس المعروفة بنجاحها في مجال الطابعات والتجهيزات التقنية المكتبية
استعان مكاردل بشركة استشارية لإعادة تصميم الشركة .. ووضعوا مسميات وظيفية إدارية جديدة .. ووضعوا الحوافز المناسبة لكل منصب .. ثم وضعوا "خطة استراتيجية للشركة"
قسمت خطة الإحياء الشركة إلى ٥ أجزاء منفصلة بناء على أقسام التشغيل .. ووضع لكل قسم ميزانية خاصة به .. قسم المعدات الزراعية (٣ بليون دولار) .. قسم الشاحنات (٤ بليون دولار) .. قسم المعدات الصناعية (١ بليون دولار) .. قسم التوربينات (٠.٣ بليون) .. قسم المعدات الصغيرة (١ بليون دولار)
"الاستراتيجية" بشكل عام كانت تهدف لزيادة حصة الشركة في كل سوق من الأقسام .. وتقليل التكاليف الإدارية في كل قسم .. وبالتالي زيادة العوائد والأرباح
ولم تكن الخطة عديمة التفاصيل .. بالعكس .. إذا نظرنا إلى أي قسم من الأقسام الخمسة .. سنكتشف أن فيه الكثير من المعلومات والنقاشات عن كل شيء نحتاجه للتطبيق تقريبا .. وبشكل عام ركزت الاستراتيجية على تقوية العلاقات مع الموزعين لزيادة المبيعات .. مع تقليل تكاليف التصنيع
مكاردل باستراتيجيته حسن أرباح الشركة حسب التقارير المالية لسنتين .. لكنه بعد ذلك أجبر الشركة على تحمل إضراب لمدة ٦ شهور .. بعد طلب العمال بعمل عقد نقابي (طريقة لحفظ حقوق العمال) .. وبدأ انهيار الشركة بعدها
خلال الفترة من ١٩٧٩ - ١٩٨٥ خسرت الشركة أكثر من ٣ بليون دولار .. وأقفلت ٣٥ مصنع من إجمالي ٤٢ مصنعا .. وخرج ٨٥ ألف عامل ولم يبقى سوى ١٥ ألفا فقط !
باعت الشركة العديد من معداتها .. وماتت .. ولم ينجو منها إلا قسم واحد .. قسم صناعة الشاحنات بعد تغيير اسمه وإعادة صياغته كشركة جديدة
المشكلة في هذه الاستراتيجية أنها تجاهلت أكبر مشاكل الشركة .. وكأنها لا تراها أصلا .. رغم وضوحها ! .. المشكلة كانت عدم كفاءة منظومة العمل .. هذه المشكلة مستحيل أن تحلها بالاستثمار في معدات جديدة .. أو الضغط على المدراء لزيادة الانتاجية
كمثال لعدم الكفاءة .. كانت الشركة تسمح بالموظفين القدماء فيها بالتنقل في الوظائف على حسب رغباتهم .. لكن كل عملية نقل .. كانت تؤدي إلى نقل آخرين أيضا .. أدت هذه الفكرة في النهاية إلى قلة الانتاجية وبالتالي ضعف الأرباح بالمقارنة مع المنافسين
مشكلة أخرى كانت تواجه الشركة .. وهي سوء بيئة العمل .. حيث عرف عن الشركة بين الشركات الأخرى بأن فيها أسوأ علاقات بين العمال ورؤسائهم .. وأسوأ علاقات بين العمال أنفسهم .. ودائما ما يحصل فيها أعمال شغب واضطرابات
الخلاصة .. نرى اليوم العديد من "الخطط الاستراتيجية" المزخرفة بالمصطلحات "الرؤية" و"الرسالة" و "القيم" وغيرها .. رغم أهميتها .. إلا أنها تكون ومع الأسف استراتيجيات سيئة جدا .. وذلك لأنها وببساطة لم تحدد المشاكل الحقيقية التي تقف في طريق الشركة !
جاري تحميل الاقتراحات...