معركة العالم الأوروبي المسيحي في قلب العالم الإسلامي.
منتقى من كلام محمود شاكر.
المصدر: رسيس الهوى.. بقية تراث شيخ العربية محمود محمد شاكر، بعناية @AQaid (صـ87)
منتقى من كلام محمود شاكر.
المصدر: رسيس الهوى.. بقية تراث شيخ العربية محمود محمد شاكر، بعناية @AQaid (صـ87)
انبعثت الحضارة الأوروبية، ثم انطلقت بكل سلاحها لتخوض في قلب العالم الإسلامي أكبر معركة في تاريخنا وتاريخهم، وهي معركة لم يُحِط بأساليبها وميادينها أحدٌ بعد في هذا العالم الإسلامي، ولم يتقصَّ أحدٌ آثارها فينا، ولم يتكفّل بدراستها من جميع نواحيها من يطيق أن يَدْرُس...
ولست أزعم أني سأدرسها في هذا الموضع، ولكن سأدلّ على طرف منها ينفع قارئ هذا الكتاب إذا صحّ عزمه على معاناة دراسته دراسة الحريص المتغلغل.
لم تكن المعركة الجديدة بين العالم الأوروبي المسيحي وبين العالم الإسلامي معركةً في ميدان واحد، بل كانت معركة في ميدانين: ميدان الحرب، وميدان الثقافة، ولم يلبث العالم الإسلامي أن ألقى السلاح في ميدان الحرب لأسباب معروفة!
أما (ميدان الثقافة)، فقد بقيت المعارك فيه متتابعة جيلاً بعد جيل، بل عاماً بعد عام، بل يوماً بعد يوم، وكانت هذه المعركة أخطر المعركتين، وأبعدهما أثراً وأشدهما تقويضاً للحياة الإسلامية والعقل الإسلامي، وكان عدونا يعلم ما لا نعلم...
كان يعلم أن هذه هيه معركته الفاصلة بيننا وبينه، وكان يعلم من خباياها ما لا نعلم، ويدرك من أسرارها ووسائلها ما لا ندرك، ويعرف من ميادينها ما لا نعرف، ويصطنع لها من الأسلحة ما لا نصطنع، ويتحرى لها من الأسباب المفضية إلى هلاكنا ما لا نتحرّى أو نلقي إليه بالاً...
وأعانه وأيده أن سقطت الدول الإسلامية جميعاً هزيمة في ميدان الحرب، فسقطت في يده مقاليد أمورها في كل ميدان من ميادين الحياة، وصار مهيمناً على سياستها واقتصادها وصحافتها، أي سقطت في يده مقاليد التوجيه الكامل للحياة الإسلامية والعقل الإسلامي.
وميادين معركة الثقافة والعقل لا تعد، بل تشتمل المجتمع كله في حياته وتربيته وفي معايشه وفي تفكيره وفي عقائده وفي آدابه وفي فنونه وفي سياسته، بل كل ما تصبح به الحياة حياةً إنسانية، كما عرفها الإنسان منذ كان على الأرض...
والأساليب التي يتخذها العدو للقتال في معركة الثافة أساليب لا تعد ولا تحصى، لأنها تتغير وتتبدّل وتتجدد على اختلاف الميادين وتراحبها وكثرتها، وأسلحة القتال فيها أخفى الأسلحة؛ لأن عقل المثقف يتكون يوماً بعد يوم، بل ساعة بعد ساعة...
وهو يتقبّل بالتربية والتعليم والاجتماع أشياء يسلّمها بالإلف الطويل، وبالعرض المتواصل، وبالمكر الخفيّ، وبالجدل المضلّل، وبالمراء المتلوّن، وبالهوى المتغلّب، وبضروب مختلفة من الكيد الذي يعمل في تحطيم البناء القائم، لكي يقيم العدو على أنقاضه بناءً كالذي يريد ويرجو.
وقد كان ما أراد الله أن يكون، وتتابعت هزائم العالم الإسلامي في ميدان الثقافة جيلاً بعد جيل،وكما بقيت معارك الحرب متتابعة سراّ مكتوماً لا يتدارسه قادة الجيوش الإٍلامية وجندها حتى هذا اليوم،بقيت أيضاً معارك الثقافة على تطاولها سراً خافياً لا يتدارسه قادة الثقافة الإسلامية وجندها...
بل أكبر من ذلك، فقد أصبح أكثر قادة الثقافة في العالم الإٍلامي وأصبح جنودها أيضاً تبعاً يأتمرون بأمر القادة من أعدائهم، عارفين أو جاهلين أنهم هم أنفسهم قد انقلبوا عدواً للعقل الإسلامي الذي ينتسبون إلأيه، بل الذين يدافعون عنه أحياناً دفاع غيرة وإخلاص.
لك يطم غرض العدو أن يقارع ثقافة بثقافة، أو أن ينازل ضلالاً بهدى، أو أن يصارع باطلاً بحق، أو أن يمحو أسباب ضعف بأسباب قوة، بل كان غرضه الأول والأخير أن يترك في ميدان الثقافة في العالم الإٍلامي جرحى وصرعىلا تقوم لهم قائمة، وينصب في أرجائه عقولاً لا تدرك إلا ما يريد لها هو أن تعرف..
فكانت جرائمة في تحطيم أعظم ثقافة إنسانية عُرِفت إلى هذا اليوم كجرائمه في تحطيك الدول وإعجازها مثلاً بمثل، وقد كان ما أراد الله أن يكون، وظفر العدو فينا بما كان يبغي ويريد.
رتبها @rattibha
جاري تحميل الاقتراحات...