أحمد حُمّدي
أحمد حُمّدي

@ahmed_fin

25 تغريدة 4 قراءة May 24, 2021
لازلت أذكر تماما وقت حدوث الازمة المالية الاخيرة أزمة 2008 وكيف كان نقد النظام المالي الحديث والابداع المالي والمفاهيم التي يقوم عليها هذا النظام وبأنها هي المسبب للأزمة، وبغض النظر عن الجدل حول هذا الموضوع كان هناك إغفال كبير للمنجز التاريخي الذي أتمته =
العديد من الدول بفضل تطور نظمها المالية. ما دعى العديد من الباحثين في العلوم المالية وعلى رأسهم William Goetzmann و Robert J. Shiller لاصدار كتابين لهما تعتبر اليوم من أهم ما كتب عن صناعة التمويل، ولا يمكن تجاوزهما عند مناقشة الوظيفة التي يؤديها النظام المالي في عملية التنمية.
سأحاول في عدة تغريدات تقديم مراجعة موجزة تعطي فكرة عامة عن كتاب Money Changes Everything: How Finance Made Civilization Possible لمؤلفه William Goetzmann، والمؤلف يعتبر من الباحثين المعروفين في مجال تسعير الاصول المالية والتمويل السلوكي =
إضافة الى ريادته في بحث موضوعات التاريخ المالي، حيث حرر قبل عدة سنوات مع مجموعة من الباحثين المهتمين بالمجال كتابا يعتبر اليوم من أهم المراجع في المجال، لاغنى لأي مهتم بالموضوع عن المرور عليه.
في الكتاب وهو بالمناسبة نتاج 25 سنة من البحث بحسب المؤلف، يؤكد المؤلف على أن قيام أي حضارة يتطلب ابتكار أدوات وتقنيات تسهل إدارة اقتصاديات الزمن والمخاطرة وهو ما نسميه التمويل اليوم حيث أن التمويل محرك مهم للحضارة وليس منتجا لها. =
ويعود بنا الى العديد من الحضارات السابقة (السومرية، اليونانية، الرومانية، الصينية، نشأة التمويل الحديث في اوروبا فترة بداية التنوير) لبحث كيف تعاملت كل حضارة مع هذين البعدين وما الادوات التي انتجتها لإدارتهم.
يعرف المؤلف التمويل Finance بأنه تقنية ويصف من خلالها أربعة أمور 1) الزمن 2) المخاطر 3) المشاريع Enterprise
4) السيولة.
حيث أن التمويل مثلا تقنية لنقل القيمة عبر الزمن للمستقبل وللزمن الحالي=
وأفضل مثال على هذا عقد التمويل بفائدة حيث أن أخذك لتمويل اليوم من البنك هو عبارة عن معاوضة عبر الزمن وبدون وجود عامل الزمن هنا (بحسب المؤلف) لايوجد تمويل.
المؤلف يؤكد على أنها من السمات الاساسية اللي تعرف بها عمليات التمويل.
ولنقل القيمة عبر الزمن لابد من مواجهة عدم التأكد والعديد من المخاطر، يرى المؤلف أن الطريقة التي يتم بها إدارة المخاطر وتوزيعها ومشاركتها تعتبر من ضمن السمات التي تعرف بها عملية التمويل وقام خلال الكتاب بتتبعها الى جانب السمات الاخرى وهي الزمن والمشاريع Enterprise والسيولة.
السمة الثالثة الذي يعرف المؤلف من خلاله التمويل هو المشاريع Enterprise وتتبع المؤلف من خلاله تأثير الشكل القانوني الذي تقوم وقامت عليه المشاريع حتى وصلت الى ما وصلت اليه اليوم من تبني هياكل حديثة مثل الشركات المساهمة وتأثيرها مثل المسؤولية المحدودة وغيرها من البنى المؤسسية.
السمة الرابعة وهو السيولة حيث تتبع المؤلف في بعض أجزاء الكتاب أهمية السيولة وطرق اداراتها لتسهيل المعاوضات عبر الزمن.
كما تجدر الاشارة الى أن المؤلف درس تطور هذه السمات في كل حضارة من خلال دراسة ما يسميه Hardware and Software حيث يشير الى Hardware ويقصد البنى الصلبة من مثل الانظمة القانونية والهياكل المؤسسية=
أما البنى الناعمة Software فتمثل المنظومة المعرفية مثل آليات الحساب والمناهج الرياضية وما شابهها التي تسهل التعامل مع المال والزمن وحساب القيمة.
الكتاب من أطول الكتب اللي قرأتها ويقع في اربعة أجزاء، تتبع فيه المؤلف عمليات التمويل في العديد من الحضارات خلال الـ 5000 سنة الماضية، حيث سلط المؤلف الجزء الاول على الحضارات السومرية واليونانية والرومانية=
تتبع فيه نشأة العقود المالية ومفاهيم مثل النمو الأسي وكيف عالجت هذه الحضارات الاشكاليات الناتجة عن نقل القيمة عبر الزمن ومشاركة المخاطر= حيث أن النمو الأسي كمثال نشأ من قلب البيئة الزراعية من خلال تخطيط نمو الماشية.
كما سهل القانون الروماني في الحضارة الرومانية قيام العديد من التنظيمات حيث أمكن استخدام مؤسسة العبودية لتعزيز التجارة، وهو ما كون الارضية لنشوء المسؤولية المحدودة لاحقا من قلب نظام العبودية والشركات المساهمة تطورا عن المشاركات البسيطة في ذلك النظام.
في الجزء الثاني عرض لتطور النشاط المالي في الحضارة الصينية القديمة وكيف استخدمت البيروقراطية ونظام ضريبي متطور في ادارة الدولة لمساحة شاسعة من خلال تصميم نظام للحوافز يراعي وجود مشكلة الوكالة، كما ناقش ما يسميه المؤرخين الاقتصاديين The great divergence =
حيث أن كل عوامل قيام ثورة صناعية توفرت في الصين ومع ذلك تأخرت ولم تحدث كما حدثت في اوروبا، مناقشة هذا الموضوع بدون فهم اختلاف دور النظام المالي في الحضارتين يعطي تصورا ناقصا وقد لا يفهم سبب الافتراق بدون أخذ تطور التمويلات في الاعتبار، كتب المؤلف فصلا رائعا جدا في هذا الموضوع.
انتقل المؤلف بعد ذلك الى الجزء الثالث عن جذور نشأة التمويل الحديث في اوروبا وفيه كتب عدة فصول عن دور المعابد Temples كمؤسسات مالية قامت بدور البنوك في وقت من الاوقات من ناحية تمويل الحملات العسكرية.
كما أفرد فصلا مستقلا عن تطور سوق السندات والتمويلات في فينيسيا وكيف أن كان الدور الذي قامت به الحكومة بدعم سوق سندات من خلال الاستدانة من المواطنين وتسهيل تملكهم للسندات الحكومية ساعد في نشوء سوق قوية للسندات وهو كان له أثر كبير على تطور النقاش الكنسي لموضوعات الربا والفائدة.
أفرد بعد ذلك فصلا مستقلا للحديث عن كتاب ليوناردو فيبوناتشي Liber Abaci وكيف مثل ثورة في عالم الحساب المالي بعد ابتكاره لمعادلة القيمة الحالية ونقله لنظام الارقام العربية-الهندية ليتم تدريس التجارة بها لابناء التجار الايطاليين.
كما ناقش في عدد من الفصول نشوء الدفعات السنوية ومنتجات التأمينات وغيرها بعد تطور ونضوج نظريات الاحتمالات والحسابات المالية وتطور مفهوم مبدئي لكفاءة الاسواق، وتطور مفهوم الشركات بعد نشوء عدد من الشركات في اوروبا لادارة الحملات الاستعمارية والمناطق المستعمرة.
وعرج بشكل موجز الى بدايات تكيك الديون وتسهيل تداولها وهو ما خلق سيولة عالية، حيث تم تسهيل ايجاد أسواق لامكانية نقلها الى اشخاص آخرين.
في الجزء الرابع والاخير عرض المؤلف لنشوء الاسواق العالمية والموضوعات التي استجدت في القرن التاسع عشر والعشرين مثل تأثير الماركسية وكينز على الاسواق والتطور في الصين وروسيا والتمويل في ما بعد الحرب العالمية حيث طورت نظريات المحفظة وصناديق المؤشرات وغيرها من الادوات في عدة فصول.
كان الكتاب ممتع لكنه طويل جدا ويبدوا أني احتاج قراءته مرة أخرى، حيث أنه تقريبا شامل لعدد كبير من الافكار اللي يقوم عليها المجال، كما أن الطريقة اللي استخدمها المؤلف لعرض الموضوع رائعة جدا لفهم دور التمويل من خلال فهم دور هندسة الزمن والمخاطر والتعامل معهم بكفاءة أكبر.

جاري تحميل الاقتراحات...