مذكرات:
عمل أبي -وهو لم يزل بعدُ حديثَ السن- في مساعدة عُمَّال البيوت، وعلم الصبية القرآن الكريم عددا من السنوات، وتغرَّب في بعض دول الخليج سنوات عديدة من عمره، وكانت آخر وظائفه -رحمه الله- إماما في مسجد موظفي شركة تنمية نفط عمان في حقل (نمر) النفطي.
عمل أبي -وهو لم يزل بعدُ حديثَ السن- في مساعدة عُمَّال البيوت، وعلم الصبية القرآن الكريم عددا من السنوات، وتغرَّب في بعض دول الخليج سنوات عديدة من عمره، وكانت آخر وظائفه -رحمه الله- إماما في مسجد موظفي شركة تنمية نفط عمان في حقل (نمر) النفطي.
ومما أحب أن أتذكره في نضاله هذا؛ هو أنه جاع وظمئ من أجل أن نشبع ونروى.. وليست هذه العبارة من قبيل (زرعوا فأكلنا، ونزرع فيأكلون) التي كنا نراها معلقة في بعض جدران المدرسة؛ بل هي توصيفُ غيرِ الشاعر لموقف شاعري بامتياز!..
كان يكتري صيام الشهر والشهرين عن أحد المتوفين الذين أراد بعض أهلهم الوفاءَ ببعض ما يتبعه، أو التقربَ عنه بما ينفعه. كان يقدم جوعه وظمأه ليؤخر عنا ما قد ينالنا منهما.. وكلما حلَّ رمضان فإنني أتذكر هذا أكثر: جوع طاهر وظمأ نبيل؛ كان يدفع بثمنهما تكاليف الحياة، ويصلح بهما شؤون عياله!
وقد تذكرت مرة، وقد أنفقت (60) ريالا ثمنا لغرض كمالي اشتريته من محل؛ أن أبي -رحمه الله- مرت عليه سنوات عديدة كانت فيها هذه الستون التي أنفقتها أنا في يوم واحد هي راتبه لمدة شهر كامل..
وكنت أعجب إلى وقت قريب؛ كيف أن أبي استطاع بهذا الراتب الضئيل وحده أن يدير شؤون بيته وأسرته، إذ لا أذكر أن عيدا مر علينا لم نلبس فيه جديدا كما كان يلبس أقراننا من أبناء الأهل والجيران، ولا أذكر أن بيتنا كانت تنقصه الأشياء الأساس التي تقوم عليها البيوت؛
فلما سألته في ذلك، قال: إنه كان يقترض من بعض أهلنا أحيانا، وكان يتَّجر بسيارته لنقل الركاب أحيانا أخرى، وكان إلى هذا يصوم ويحج -وقد كان اكتراء الصوم والحج شائعا إلى وقت قريب- ليتوصل بهذا كله إلى الوفاء بحاجات أهل بيته في كل الأحوال!
ومما حكاه لي من كفاحه في هذا الجانب أنه عَمِل، إبَّان فُتُوَّته، أجيرا عند صاحب بناء، مقابل قرش واحد لكل خمسة (أثواج) أو ستة من الحجارة اللازمة لبنائه، يأتيه بها على حمار. والثوج هو حمولة حمار واحد. وكان يأتي بهذه الحجارة من الوادي الغربي الذي يفصل بين القريتين: الحبي والمعمور.
ولأن المسافة بين الوادي ومكان البناء بعيدة نوعا ما (حوالي كيلو متر)؛ فإنه ربما قضى اليومين الكاملين في إنجاز هذا العمل، وليس له غير هذا القرش أجرة فيهما!
وحين كان عمره بين (15) و( 18) سنة؛ حمل معه (سْباعية) ليتخذها لحافا عند النوم ومصحفا في يده، وانطلق ماشيا على قدميه إلى أحد سيوح البدو التي تبعد عن قريتنا حوالي (7) كيلومترات تقريبا، ليبدأ فيه عملا جديدا.
مكث في عمله هذا شهرين كاملين، يقضي ستة أيام من الأسبوع بلياليها بين أهل السيح، معلما القرآن الكريم في الصباح، ومصليا بهم الصلوات الخمس. وفي اليوم الذي يبقى من الأسبوع يرجع إلى القرية.
كان الدرب بين القرية والسيح قديما لا يقطعه راكب الحمار إلا بعد ساعة ونصف بالتمام والكمال، ناهيك بالسائر على رجليه؛ أما الآن فتقطعها السيارة في (5) دقائق تقريبا، وهذا يُنْبيك عما في زمانهم ذاك من قسوة ومعاناة..
ثم تقلبت سنوات عمره بين أماكن مختلفة من الأعمال. وأذكر أنه حين باشر عمله الأخير في حقل (نمر)، لم تكن خدمة الهاتف قد وصلت القرية بعد، ولم يكن في القرية غير هاتف عمومي واحد. غادرنا، فما سمعنا صوته مدة، لا أستطيع تقديرها الآن، ولكنها كانت طويله -على كل حال-..
وحين بلغنا رقم هاتف العمل؛ أمرتني أمي -حفظها الله- أن أشتري بطاقة لأتصل به للاطمئنان. ولست أدري، حين اتصلت، إن كان قد رأى بعين أبوته عينيَّ الصغيرتين وهما تغرورقان بالدموع بعد سماع صوته، لكن المؤكد أنه طمأنني بنبرته الواثقة أنه في حال طيب، وأرجعني إلى أمي وإخوتي بما يطمئنهم عليه.
وحين أحيل على التقاعد؛ ابتدأ -جزاه الله عنا خير ما جزى أبا عن أبنائه- مرحلة جديدة من العمل في البيت: أن يكون هو وأمنا بيتَنا الكبير الذي يضم بيوتنا الصغيرة التي فرقتها الأعمال، والحضنَ الدافئ الذي نفيء إليه في كل فرح وترح، ومركز اجتماع الأولاد والأحفاد في كل مناسبة.
كان ذلك عمله، حتى غادرنا راضيَ السريرة مَرْضِيَّ السيرة، يذكره أحفاده قبل أولاده باللطف والأناشيد التي كان يبتدعها ليرضيهم ويحبب إليهم البيت وأهل البيت.. رحمك الله يا أبي، ورضي عنك.
-
سقى لنا، وأماط الكأس من يده
يا شربة الله.. لا تنسيْ أبا حسنِ!
-
انتهى.
-
سقى لنا، وأماط الكأس من يده
يا شربة الله.. لا تنسيْ أبا حسنِ!
-
انتهى.
جاري تحميل الاقتراحات...