خالد بن ابراهيم الجريوي
خالد بن ابراهيم الجريوي

@k_i_j99

21 تغريدة 135 قراءة Apr 29, 2021
16-
( غالية البقمية )
امرأة يهابها الرجال
في الوقت الذي رَسَّخَ فيه ناقصو الإدراك الصورة السلبية عن امرأة هذه البلاد تناسوا فارسة فاتكة قادت الجيوش،وحمت قومها،وذادت عن وطنها بكل قوة وفتوة
كان ذلك قبل أكثر من قرنين من الزمان؛ إذ تناقلت الجواسيس العثمانيون أخباراً من الجزيرة العربية عن امرأة أسطورية سحقت الحاميات العثمانية
ومرغت كبرياء جيوش محمد علي باشا بالتراب، حتى وصلت أخبارها إلى قصر السلطان العثماني، مما جعله يثور غضباً وحنقا؛ إذ كيف لامرأة بدوية أن تسحق جيوشاً مدرَّبة بكل تعدادها وعدّتها وعتادها.
إنها المرأة المثال في ميدان القتال غالية بنت عبدالرحمن بن سلطان الغرابيطي الرماثيني البدري الوازعي البقمي من آل كلش من فخذ الرماثين من البقوم المولودة نحو عام 1233هـ- 1818م في إحدى البوادي التي بين نجد والحجاز.
كانت زوجةً لأمير تربة من قِبَل الدولة السعودية الأولى حمد بن عبدالله بن محيي الموركي شيخ قبيلة الموركة من البقوم، وأميرهم المُنَصَّب عليهم، وكانت زوجته غالية من أكثر النساء شجاعةً
و دهاءً و حنكةً و سداد رأي،
كانت رحمها الله قد ورثت من أبيها أموالاً طائلة دعمت بها قومها البقوم للدفاع عن أرضهم ضد الغزاة العثمانيين.
لقد ذكر المؤرخون أنه وبعد وفاة زوجها الأمير حمد بن عبدالله بن محيي اضطرت إلى إخفاء نبأ وفاته حتى لا تثبط معنويات قبيلتها، وأخذت تعطي الأوامر للجيش، وتمدهم بالعتاد والمؤن،
وقامت قبل ذلك بفتح مخازن الأسلحة للبقوم، ووزعت المال، وحثت الشباب على مقاتلة العثمانيين، حتى انكسرت الحملة العثمانية، وانهزمت أمام هذا الصمود.
وقاتلت غالية بنفسها في المعركة بشجاعة منقطعة النظير،
وانقضّت بجيشها على فرقة المدفعية، وأجبرتها على الفرار،
وانسحبت فلول العثمانيين إلى الطائف مخلفين وراءهم مدافعهم وذخيرتهم التي غنمتْها الفارسة الشجاعة غالية هي وقومها.
لقد تحدث المؤرخون الغربيون عن تلك المرأة،
حتى إن العثمانيين ظنوها ساحرة، بل جزموا بذلك؛ لقوتها وحنكتها وحسن تدبيرها ودهائها وتخطيطها العسكري الدقيق.
قال عنها المؤرخ البريطاني (لورمير): «في تربة كانت تعيش قبيلة البقوم، وتتزعمها امرأة مُسِنَّة تدعى غالية، وكان الأتراك يعتبرونها عَرّافة ساحرة».
وقال عنها محمد علي باشا كلمته الشهيرة لما قيل له إن تربة خلت من أهلها: « أمست دار غالية خالية »
لقد اختصر محمد علي باشا بمقولته تلك حال مدينة تربة وقومها في شخص هذه الفارسة.
ووصفتها المناضلة الفرنسية (جان دارك) بأنها بطلة خالدة اشتهرت ببطولتها الخارقة في محاربة الإنجليز الذين احتلوا قديماً أجزاءً كبيرةً من فرنسا.
وقال عنها الرحالة السويسري يوهان لودفيك بركهارت: «كان بعض البقوم العرب من الرعاة، وبعضهم من المزارعين، ترأسهم أرملة تُدعى غالية، وكان زوجها أحد كبار رجال تربة، تمتلك غالية ثروة أكثر من أي عائلة عربية في الحي، أغدقت الأموال والمؤن على جميع فقراء قبيلتها المستعدين لمحاربة الأتراك،
كان مجلسها مفتوحاً لجميع المخلصين»
عُرفت غالية البقمية بسداد الرأي، وكان رأيها مسموعاً في قبيلتها والقبائل المجاورة، ولها الكلمة الطولَى على البقوم بالرغم من وجود مشايخهم.لثقتهم في رأيها وحسن تدبيرها ودهائها .
لقد خلد التاريخ بطولات هذه المرأة السعودية التي كسرت غرور المحتل،
وجعلت محمد علي باشا ينكسر ألماً وحسرةً بعد أن هزمت كل حَمَلاته التي أرسلها لتفكيك الدولة السعودية الأولى بقيادة ابنه طوسون باشا.
قال الباحث والمؤرخ محمد بن عبد الرزاق القشعمي:
«معروف أن زوجها الأمير هندي بن محيي شيخ محاميد البقوم كان مريضا، ومات أثناء المعركة، فأخفت خبر وفاته من أجل ألا يتسرب اليأس إلى قومها فينهزمون، فكانت تصدر الأوامر كأنها من أميرهم المتوفى»،
ونقل عن المؤرخ الفرنسي (دريو) أن هزيمة المصريين في تربة أمام غالية كانت ضربة قاصمة لسمعة محمد علي وابنه طوسون.
لقد سطرت الأميرة غالية أعظم الملاحم البطولية كحال أبناء هذا البلد الأبي الذي لم يرضخ لأي احتلال أو عدوان.
ستظل غالية البقمية رمزاً للمرأة القائدة الفذة التي سطرت بطولات لا يكاد يسطرها إلا أفتك الفرسان، وأدهى القادة، وفي هذا برهان على أن نساء هذا الوطن بذلن ويبذلن كلّ غالٍ ونفيس لحماية وطنهن، ولم يكن دورهن مقصوراً على التطبيب والتحفيز فحسب، بل كان لهن دور ريادي مشهور مذكور في الميدان.
ولا عجب، فغالية البقمية ابنة أقوام سادوا وقادوا، وتشربت منهم المفاخر والمكارم، وإن امرأة بهذا المواصفات لجديرة بأن تخلدها الأساطير، وتُضرَب بها الأمثال.
قال المتنبي في أمثال هذه الماجدة الخالدة:
وما التأنيثُ لاسْمِ الشمسِ عَيبٌ
ولا التذكيرُ فَخْرٌ للهلالِ
ولو كانَ النساءُ كمَنْ فَقَدْنا
لَفُضِّلَتِ النساءُ على الرجالِ
وكيف لا تكون كذلك وقد جمعت مع الشجاعة حكمة وتقوى ودهاء، واستطاعت أن تقود جيوشاً لا يكاد يقودها أشدّاء الأبطال، وفي غالية وأمثالها أقول:
إن الشجاعةَ في الرجالِ كثيرةٌ
ووجدتُ شجعانَ النساءِ كذلِكا
فإذا تجمَّعَتِ الشجاعةُ والتُّقَى
غَدَتِ النساءُ صحابةً وملائكا
وإني على يقين عظيم بأن في هذا الوطن العظيم خمسة عشر مليون غالية بأساً وحكمةً و دهاءً وشجاعة وبعد نظر.
رحم الله غالية البقمية رحمة واسعة، وجزاها عن قومها ووطنها خير الجزاء.
للاستزادة من سيرتها ومسيرتها العطِرة يُنظر كتاب :
«البطلة الشهيدة غالية البقمية»
للمؤلف سعد العفنان،
وكتاب :
«غالية البقمية: حياتها ودورها في مقاومة حملة محمد علي باشا على تربة» للمؤلفة :
الأستاذة الدكتورة :
دلال بنت مخلد الحربي.

جاري تحميل الاقتراحات...