ثريد ثورة التصحيح (1) | وثائق المخابرات الأجنبية: هل حكم السوفييت مصر بـ”سامي شرف”؟ | مينا منير
قبل وفاته ببضعة أشهر، أصدر جمال عبد الناصر أحد أخطر القرارات التي لم تنل حقها من الدراسة للأسف.
يتبع .
قبل وفاته ببضعة أشهر، أصدر جمال عبد الناصر أحد أخطر القرارات التي لم تنل حقها من الدراسة للأسف.
يتبع .
في 27 أبريل 1970 (قبل وفاته بخمسة أشهر) أصدر عبد الناصر قرارًا جمهوريًا تشكيل “اللجنة الثلاثية” المكونة من سكرتير رئيس الجمهورية للمعلومات سامي شرف (أي مدير أجهزة المخابرات حينها)، وزير الداخلية شعراوي جمعة ووزير الحربية محمد فوزي.
بهذا القانون يتحول نشاط أعضاء ما عُرف بـ “مراكز القوى” من تنسيق في الظلام يمكن إنكاره في العلن، إلى كيان رسمي مسؤول بموجب هذا القانون عن “التأمين الداخلي والخارجي” لتصبح مصر “رسميًا” في قبضة مراكز القوى التي تسيطر على المخابرات، والجيش ووازرة الداخلية،
وستنضم لاحقًا تحت لواء نائب رئيس الجمهورية علي صبري لتتحول إلى “اللجنة المركزية” التي أُريِد لها أن تحكم مصر.
وبهذا القرار، تحولت أجهزة الدولة الأمنية إلى أدوات تسجيل ومراقبة، كسيف ليس فقط على رقاب المصريين بل على رقبة رئيس الجمهورية نفسه. لكن لمصلحة من؟
وبهذا القرار، تحولت أجهزة الدولة الأمنية إلى أدوات تسجيل ومراقبة، كسيف ليس فقط على رقاب المصريين بل على رقبة رئيس الجمهورية نفسه. لكن لمصلحة من؟
في ذكرى هذا القرار وما تلاه من أحداث مايو 1971، أتناول ما نعرفه اليوم من الوثائق المنشورة عن تلك الحقبة الخطيرة من تاريخ مصر، إيمانًا بحق القارئ المصري أن يعرف إلى أين كانت تسير مصر وهول ما كان يحاك لها في تلك المرحلة الخطيرة التي نعيش آثارها إلى اليوم.
بعد اغتيال السادات، نشر المؤرخ العسكري اللواء جمال حماد، كاتب أول بيان لثورة يوليو وأحد أهم أعضائها، 10 مقالات في مجلة أكتوبر يتناول فيها قضية مراكز القوى ومحاكمات مايو 1971.
اللواء حماد مؤرخ رصين، يكتب بقلمٍ منضبط يستطيع سرد المعلومات الأساسية والتعليق عليها بشكل ضنّ وجوده
اللواء حماد مؤرخ رصين، يكتب بقلمٍ منضبط يستطيع سرد المعلومات الأساسية والتعليق عليها بشكل ضنّ وجوده
قضية نشر بالتفصيل أخطر جوانبها، وهو الاتهام الموجه للسيد سامي شرف بالتجسس لصالح السوفييت.
سامي شرف وجمال عبد الناصر
اعتمد حماد في كتابه على مصادر ثلاثة:
1كتاب صدر في الولايات المتحد لصحفي أمريكي يُدعى جون بارون حاور ضباط مخابرات سوفييت عملوا في مصر ثم هربوا للولايات المتحدة.
سامي شرف وجمال عبد الناصر
اعتمد حماد في كتابه على مصادر ثلاثة:
1كتاب صدر في الولايات المتحد لصحفي أمريكي يُدعى جون بارون حاور ضباط مخابرات سوفييت عملوا في مصر ثم هربوا للولايات المتحدة.
2تحقيقات محاكمات مايو 1971.
3التسجيلات التي نجح رئيس المخابرات العامة اللواء أحمد إسماعيل في السيطرة عليها قبل تخلص رجال سامي شرف منها ليلة 15 مايو 1971.
3التسجيلات التي نجح رئيس المخابرات العامة اللواء أحمد إسماعيل في السيطرة عليها قبل تخلص رجال سامي شرف منها ليلة 15 مايو 1971.
هدف التجنيد
يطرح حماد اقتباسات من كتاب بارون عن سامي شرف يسرد فيها أن ضابط الحالة الذي جند شرف، ويدعى فاديم كيربيشنكو، نجح في اصطياده نظرًا لكونه ليس من ضباط الصف الأول بالثورة، غير معروف، لكن طموحه، وقناعاته أوحت لهم أنه الأفضل
يطرح حماد اقتباسات من كتاب بارون عن سامي شرف يسرد فيها أن ضابط الحالة الذي جند شرف، ويدعى فاديم كيربيشنكو، نجح في اصطياده نظرًا لكونه ليس من ضباط الصف الأول بالثورة، غير معروف، لكن طموحه، وقناعاته أوحت لهم أنه الأفضل
ليكون عين الكي جي بي على كل المعلومات التي تدخل مكتب جمال عبد الناصر وتخرج منه.
فاديم كيربيتشنكو، الضابط السوفييتي الذي يفترض أنه جند سامي شرف
ويستمر السر حتى يصل حماد إلى المادة الخاصة بتحقيقات مايو 1971، والتي يظهر فيها اتهام سامي شرف رأسًا بالتعامل المباشر مع السوفييت،
فاديم كيربيتشنكو، الضابط السوفييتي الذي يفترض أنه جند سامي شرف
ويستمر السر حتى يصل حماد إلى المادة الخاصة بتحقيقات مايو 1971، والتي يظهر فيها اتهام سامي شرف رأسًا بالتعامل المباشر مع السوفييت،
وصولًا إلى التسجيلات التي تؤكد تواصله غير المصرح به مع رجال السفارة.
وعليه، يصل حماد إلى أن تركيبة مراكز القوى كان مرادًا منها أن تصير مخلب السوفييت وقبضتها على صناعة القرار في مصر.
وعليه، يصل حماد إلى أن تركيبة مراكز القوى كان مرادًا منها أن تصير مخلب السوفييت وقبضتها على صناعة القرار في مصر.
معركة الإثبات والنفي
حينما بلغ سامي شرف أمر المقالات، وقد خرج لتوه من السجن، استشاط غضبًا، ورفع قضية على حماد ومجلة أكتوبر، استمرت في المحاكم لخمس سنوات حتى 1989، وانتهت بانتزاع حماد لواحد من أخطر الأحكام التي بُنيت على رصانته وقدرته في طرح المعلومات،
حينما بلغ سامي شرف أمر المقالات، وقد خرج لتوه من السجن، استشاط غضبًا، ورفع قضية على حماد ومجلة أكتوبر، استمرت في المحاكم لخمس سنوات حتى 1989، وانتهت بانتزاع حماد لواحد من أخطر الأحكام التي بُنيت على رصانته وقدرته في طرح المعلومات،
الأمر الذي لم يترك للقاضي مساحة لاتهامه بأنه يعبر عن آراء مرسلة يمكن مقاضاته على إثرها بالسب أو الادعاء الباطل.
وعليه، فقد خرج لحماد كتاب كبير ومفصل عن كل جوانب مراكز القوى بعنوان “الحكومة الخفية في عهد عبد الناصر.”
وعليه، فقد خرج لحماد كتاب كبير ومفصل عن كل جوانب مراكز القوى بعنوان “الحكومة الخفية في عهد عبد الناصر.”
انتظر سامي شرف عقودًا حتى خرج عمله الضخم المؤلف من خمسة مجلدات بعنوان “سنوات مع عبد الناصر”، بعد 2013، ليرد على تلك “المزاعم” في نهاية مجلده الخامس.
يرتكز رد شرف على ثلاثة حجج:
1- الطعن في شرف جمال حماد وبالتالي مصداقيته.
يرتكز رد شرف على ثلاثة حجج:
1- الطعن في شرف جمال حماد وبالتالي مصداقيته.
2- إنكار فاديم كيربيشنكو نفسه لمعرفته بسامي شرف، في حديثٍ مع صحيفة الوسط السعودية بتاريخي 4 مايو و8 يونيو 1992، بالإضافة إلى مذكراته.
وقد شدد كيربيشنكو على كونه قد خدم في مصر بين 1970 و 1974، ومعظم تلك الفترة قضاها سامي شرف في السجن.
وقد شدد كيربيشنكو على كونه قد خدم في مصر بين 1970 و 1974، ومعظم تلك الفترة قضاها سامي شرف في السجن.
3- شهادات بعض أصدقائه عن وطنيته، وأنه لم يقم بأي لقاءاتٍ في السر.
ولأن القضية تخرج عن سياق الشخصنة، فلا أعتقد أن ما ساقه سامي شرف في النقطتين 1 و3 يستحق النقاش. لسنا هنا بصدد الانحياز لطرف ضد الآخر. لكن يمكننا عرض ما هو متاح من وثائق أجنبية ونترك تقدير المسألة للقارئ.
ولأن القضية تخرج عن سياق الشخصنة، فلا أعتقد أن ما ساقه سامي شرف في النقطتين 1 و3 يستحق النقاش. لسنا هنا بصدد الانحياز لطرف ضد الآخر. لكن يمكننا عرض ما هو متاح من وثائق أجنبية ونترك تقدير المسألة للقارئ.
سامي شرف “نوع السوفييت المفضل”
قد تبدو شهادة كيربيشنكو منطقية وقوية كحجة ساقها سامي شرف. لكن الأمر ليس كذلك في ضوء الآتي:
أولاً: مؤرخ المخابرات البريطانية وأستاذ تاريخ الاستخبارات بجامعة كامبريدج كريستوفر أندرو يذكرنا أن إنكار كيربشينكو يأتي كسلوك مُتّبع من قبل ضباط الكي جي بي
قد تبدو شهادة كيربيشنكو منطقية وقوية كحجة ساقها سامي شرف. لكن الأمر ليس كذلك في ضوء الآتي:
أولاً: مؤرخ المخابرات البريطانية وأستاذ تاريخ الاستخبارات بجامعة كامبريدج كريستوفر أندرو يذكرنا أن إنكار كيربشينكو يأتي كسلوك مُتّبع من قبل ضباط الكي جي بي
الذين لا يفصحون أبدًا عن عملائهم.
ثانيًا: كيربشنكو تحدث عن فترة من خدمته في مصر ليست هي الأولى، فقد كان يتحرك في مصر كضابط صغير في السفارة منذ الخمسينيات.
ثالثًا وهو والأهم: إنكار كيربشنكو لقاء سامي شرف تدحضه مذكراته التي تحدثت عن لقاءاته مع مجموعة “التماسيح”
ثانيًا: كيربشنكو تحدث عن فترة من خدمته في مصر ليست هي الأولى، فقد كان يتحرك في مصر كضابط صغير في السفارة منذ الخمسينيات.
ثالثًا وهو والأهم: إنكار كيربشنكو لقاء سامي شرف تدحضه مذكراته التي تحدثت عن لقاءاته مع مجموعة “التماسيح”
وهو الاسم الذي أُطلق على رجال اللجنة الثلاثية، عدة مرات في منزله بالقاهرة، لإيصال معلومات دقيقة عن نوايا السادات، وصلت حد إعلانهم له استعدادهم الانقلاب عليه والإطاحة به. فيسافر كيربشنكو إلى موسكو ليبلغهم بالأمر.
كيربشنكو الذي يستند إليه سامي شرف يقول في مذكراته إن سامي شرف هو النوع المفضل للسوفييت كشخص محل ثقة، لما قدمه من معلومات “غير مصرح له بها”.
ليس كيربشنكو الطرف السوفييتي الوحيد الذي تناول قضية سامي شرف.
ليس كيربشنكو الطرف السوفييتي الوحيد الذي تناول قضية سامي شرف.
لدينا أيضًا ثلاثة جواسيس آخرين انتقلوا إلى المعسكر الغربي، وتحدثوا عن سامي شرف باسمه الكودي “أسد”
•أوليج جوردييفسكي (تحدثنا عنه هنا).
•فلاديمير سخاروف الذي عمل بين القاهرة ودمشق. وقد أبلغ المخابرات الأمريكية عن سامي شرف حينما هرب إليها.
•فلاديمير كوزيتشين، الذي هرب أيضًا
•أوليج جوردييفسكي (تحدثنا عنه هنا).
•فلاديمير سخاروف الذي عمل بين القاهرة ودمشق. وقد أبلغ المخابرات الأمريكية عن سامي شرف حينما هرب إليها.
•فلاديمير كوزيتشين، الذي هرب أيضًا
للمخابرات البريطانية، وكشف عن عملاء كثيرين في المنطقة، ذكر أيضًا سامي شرف.
بل إن كيربشنكو نفسه يذكر أنه بعد فشل وزير خارجية موسكو لعشرة أيام في الحصول على ميعاد مع جمال عبد الناصر سنة 1955، فإن “رجل الاتصال” الخاص به نجح في تأمين اللقاء في أقل من ساعة،
بل إن كيربشنكو نفسه يذكر أنه بعد فشل وزير خارجية موسكو لعشرة أيام في الحصول على ميعاد مع جمال عبد الناصر سنة 1955، فإن “رجل الاتصال” الخاص به نجح في تأمين اللقاء في أقل من ساعة،
فمن يا تُرى “صاحب الشارب الرفيع والسمين قليلًا” الذي كان قادرًا على ذلك؟
هنا نجد في وثيقتين للمخابرات الأمريكية مراجعة لكتاب بارون الذي اعتمد عليه حماد، فوجدت أنه بمراجعتها لا تخالف ما لديها، ولا تعلق عليه بأي شكل سلبي.
بالطبع لا يمكن اعتباره الوثيقتين كمصادر،
هنا نجد في وثيقتين للمخابرات الأمريكية مراجعة لكتاب بارون الذي اعتمد عليه حماد، فوجدت أنه بمراجعتها لا تخالف ما لديها، ولا تعلق عليه بأي شكل سلبي.
بالطبع لا يمكن اعتباره الوثيقتين كمصادر،
إلا أن المخابرات الأمريكية بالفعل كان لديها المعلومات التي دفعتها لإرسال أخطر عملائها حينها، رئيس جهاز الخدمة السرية Thomas Twetten لتتبع مدى اختراق السوفييت من خلال سامي شرف – بحد قولهم – للدولة، على النحو الذي سنعرفه في الجزء الثاني من هذا المقال.
تعليق
لسنا بصدد إبداء أحكام على القضية. لكن في تقديري، فإنه من الخطأ اعتبارها قضية عمالة من عدمه.
في طريقة تعامل المخابرات السوفييتية تحديدًا مع الأجانب، هناك طيف واسع من أساليب التعامل. فكرة العميل الذي يخضع لتحكم ضابط حالة، أو ما يُعرف في المخابرات بـ “الكنترول”
لسنا بصدد إبداء أحكام على القضية. لكن في تقديري، فإنه من الخطأ اعتبارها قضية عمالة من عدمه.
في طريقة تعامل المخابرات السوفييتية تحديدًا مع الأجانب، هناك طيف واسع من أساليب التعامل. فكرة العميل الذي يخضع لتحكم ضابط حالة، أو ما يُعرف في المخابرات بـ “الكنترول”
يحتاج لعوامل عديدة لإثبات هذه العلاقة التي يصفها صلاح نصر بعلاقة السيد بالعبد، أهمها طبيعة “الكنترول” والأدلة عليه.
لكن في القطاع الأعرض من نشاط المخابرات السوفييتية، هناك نوع من التعاون مع من يسمونهم بالـ confident contacts من أجل تحقيق مصالح مشتركة منها
لكن في القطاع الأعرض من نشاط المخابرات السوفييتية، هناك نوع من التعاون مع من يسمونهم بالـ confident contacts من أجل تحقيق مصالح مشتركة منها
عملية الـ Subversion ضد النفوذ المعادي.
وقد كانت أشهر هذه العمليات هي عملية BOOT التي قامت من خلالها روسيا بالتأثير على صناعة القرار البريطاني من خلال التعاون مع حزب العمال (كما شرحنا في مقالٍ سابق). وأحيانًا يكون شخص الثقة المذكور ينفذ أجندة الاتحاد السوفييتي دون علمٍ منه،
وقد كانت أشهر هذه العمليات هي عملية BOOT التي قامت من خلالها روسيا بالتأثير على صناعة القرار البريطاني من خلال التعاون مع حزب العمال (كما شرحنا في مقالٍ سابق). وأحيانًا يكون شخص الثقة المذكور ينفذ أجندة الاتحاد السوفييتي دون علمٍ منه،
وهو ما يسميه السوفييت اصطلاحًا بالـ Useful Idiot.
ما يمكن الحديث عنه هو أن سامي شرف كانت له رؤية تجاه المنطقة ومصالح مصر تتسق بشكل يتطابق مع الاتحاد السوفييتي، وهو أمر لا يخفيه هو في أحاديثه مع أو عن الاتحاد السوفييتي، ومن الطبيعي أن نتوقع استغلاله لموقعه لتحقيق هذه الرؤية
ما يمكن الحديث عنه هو أن سامي شرف كانت له رؤية تجاه المنطقة ومصالح مصر تتسق بشكل يتطابق مع الاتحاد السوفييتي، وهو أمر لا يخفيه هو في أحاديثه مع أو عن الاتحاد السوفييتي، ومن الطبيعي أن نتوقع استغلاله لموقعه لتحقيق هذه الرؤية
التي لا يجد عملاء الكي جي بي غضاضة في اعتبارها جزءاً من تأثيرهم على شرف، وناصر من ورائه.
تورط سامي شرف ورجال مراكز القوى وتعاونهم على التخلص من السادات هو ما يمكن وصفه بالتآمر المثبت عليه والذي حوكم وسُجن بسببه
تورط سامي شرف ورجال مراكز القوى وتعاونهم على التخلص من السادات هو ما يمكن وصفه بالتآمر المثبت عليه والذي حوكم وسُجن بسببه
. فشهادات الضباط المذكورين، وأهمهم كيربشنكو نفسه الذي يستشهد به شرف، تؤكد أنهم بلغ بهم الأمر مبلغ التنسيق مع السوفييت للتخلص من رئيس الجمهورية، وأعتقد أن هذه هي قمة التآمر على الدولة.
نترك هذه المادة للقارئ، والتقييم يعود له، دون إبداء أي أحكام اتجاه هذه الشخصيات التاريخية.
نترك هذه المادة للقارئ، والتقييم يعود له، دون إبداء أي أحكام اتجاه هذه الشخصيات التاريخية.
ولكن الأهم، كيف آلت الأمور إلى أحداث مايو؟ هذا ما سنتعرض له من خلال وثائق أرشيف ميتروخين (وهو أرشيف للمخابرات السوفييتية تم تهريبه لبريطانيا) في المقال القادم.
الجزء الأول من المقال (عبر الرابط) غطى كيف أصدر جمال عبد الناصر أحد أخطر قراراته وإن كان أقلها شهرة قبل وفاته بخمسة أشهر بتشكيل اللجنة الثلاثية التي رسخت قبضة مراكز القوى بشكل رسمي وقانوني، وحدود علاقة سامي شرف بالاتحاد السوفييتي، وهل كان جاسوسًا فعلًا.
في هذا الجزء، ننتقل إلى خطة محمد أنور السادات لخداع الأمريكيين والسوفييت واعتقال “التماسيح”.
زخاروف: الهروب الكبير
في السابعة والنصف من صباح نهار أحد أيام ربيع 1971، دق هاتف مدير مكتب الكي جي بي في الكويت، فلاديمير نيكولايفيتش زاخاروف، في شقته الكائنة بوسط العاصمة.
زخاروف: الهروب الكبير
في السابعة والنصف من صباح نهار أحد أيام ربيع 1971، دق هاتف مدير مكتب الكي جي بي في الكويت، فلاديمير نيكولايفيتش زاخاروف، في شقته الكائنة بوسط العاصمة.
دق الهاتف دقتين بالتحديد، فترك قهوته، وأطل على الشارع من خلف ستائر الشرفة، ليجد ما كان يتوقعه ولا يتمناه: سيارة موديل فولكسفاجن سوداء، وفيها باقة ورود حمراء على المقعد الخلفي، تقف أمام مدخل العمارة!
هناك، سيحصل على ما يحتاجه من وثائق وملابس تنكّر ويتحرك إلى مطار الكويت الدولي، ومنه إلى رحلة طويلة إلى أمريكا.
في أمريكا، سيتم “عصره” لمدة عشرة شهور كاملة لاستخلاص كل ما هو ممكن من معلومات، بما في ذلك ما لديه من معلومات عن النشاط السوفييتي في مصر، مقر عمله قبل الكويت.
في أمريكا، سيتم “عصره” لمدة عشرة شهور كاملة لاستخلاص كل ما هو ممكن من معلومات، بما في ذلك ما لديه من معلومات عن النشاط السوفييتي في مصر، مقر عمله قبل الكويت.
معلومات خطيرة في واشنطن :
في مقر المخابرات الأمريكية بلانجلي، يكشف زخاروف للأمريكيين ضخامة الخلاف بين الرئيس المصري محمد أنور السادات ومجموعة “التماسيح” التي بقيت على اتصال بالمخابرات السوفييتية من خلال الملحق بالسفارة فاديم كيربشنكو.
في مقر المخابرات الأمريكية بلانجلي، يكشف زخاروف للأمريكيين ضخامة الخلاف بين الرئيس المصري محمد أنور السادات ومجموعة “التماسيح” التي بقيت على اتصال بالمخابرات السوفييتية من خلال الملحق بالسفارة فاديم كيربشنكو.
إلا أن الخطورة بلغت حد التآمر على الإطاحة بالرئيس و”التخلص منه”.
وجد الأمريكيون المعلومات خطيرة وصادمة لسببين تذكرهما المراجع:
أولاً: أن السادات لم يكن معلوم التوجهات بالنسبة لهم، وأن الخلاف مع مراكز القوى لم يكن في نظرهم يرقى إلى حد التآمر عليه والتخلص منه بسبب موقفه من أمريكا
وجد الأمريكيون المعلومات خطيرة وصادمة لسببين تذكرهما المراجع:
أولاً: أن السادات لم يكن معلوم التوجهات بالنسبة لهم، وأن الخلاف مع مراكز القوى لم يكن في نظرهم يرقى إلى حد التآمر عليه والتخلص منه بسبب موقفه من أمريكا
ثانيًا: أن المخابرات المصرية، بحسب مارك بيري، جعلت خلق “أي نشاط للمخابرات الأمريكية داخل مصر مستحيل”.
بمقارنة المعلومات التي وفرها زخاروف، مع رسائل لاسلكية بين السفارة الروسية وموسكو اعترضتها رادارات أمريكا في المتوسط، بات الوضع أمام الأمريكيين واضحًا:
بمقارنة المعلومات التي وفرها زخاروف، مع رسائل لاسلكية بين السفارة الروسية وموسكو اعترضتها رادارات أمريكا في المتوسط، بات الوضع أمام الأمريكيين واضحًا:
هناك فرصة لتحقيق تحالف مع السادات ضد السوفييت ومنع قيام حرب مع إسرائيل، ولكن هناك أيضًا تهديد حقيقي وعاجل لحياته أو على الأقل بقائه رئيسًا. فقررت المخابرات المركزية استغلال ما يبدو أنه فرصة تاريخية بالوصول للسادات وإبلاغه بالمؤامرة لإنقاذه وكسبه.
توماس تويتِن وأشرف مروان :
لكن كيف يمكن تحقيق ذلك بسرعة كبيرة وفي نفس الوقت بعيدًا عن أعين رجال سامي شرف، بحسب قول بيري؟
لكن كيف يمكن تحقيق ذلك بسرعة كبيرة وفي نفس الوقت بعيدًا عن أعين رجال سامي شرف، بحسب قول بيري؟
نظرًا لضعف المعلومات عن الوضع في مصر، تم إرسال أخطر رجال العمليات الميدانية السرية (Clandestine Operations) في المخابرات، الضابط توماس تويتن (Thomas Twetten) كملحق في مكتب المصالح الأمريكية في مصر، داخل السفارة الإسبانية (لم تكن هناك حينها سفارة لأمريكا نظرًا لقطع العلاقات حينها
بحسب تويتِن، لم تكن هناك خطة أو وسيلة للوصول إلى السادات دون اعتراض رجال سامي شرف. فظل بهدوء يراقب الوضع من القاهرة، وقبل أن يصل إلى اليأس من العملية، لفت نظره شخص واحد هادئ، غامض ولا يتتبعه أحد من رجال شرف. إنه الشاب أشرف مروان.
يصل تويتن بصعوبة شديدة لمروان و يسلمه ملفًا كاملًا بتفاصيل المؤامرة والأدلة الدامغة عليها، ويقوم مروان بتسليم الملف للسادات.
يُخبرنا تويتِن أن ذلك قد حدث في نهاية أبريل 1971، وفي أسبوعين فقط يقوم السادات بما عُرف لاحقًا بـ “ثورة التصحيح” والتي تخلص فيها من مراكز القوى.
يُخبرنا تويتِن أن ذلك قد حدث في نهاية أبريل 1971، وفي أسبوعين فقط يقوم السادات بما عُرف لاحقًا بـ “ثورة التصحيح” والتي تخلص فيها من مراكز القوى.
إذًا: ما هي تلك المعلومات الخطيرة ؟
تخبرنا وثائق متروخين المهربة من أرشيف الكي جي بي، والقابعة الآن في كلية تشرشل بجامعة كامبريدج، أن سلوك السادات أحدث ارتباكًا شديدًا للسوفييت، جعل تفسيره صعبًا، فقد كان دائمًا يخاطبهم بعكس ما يصلهم من معلوماتٍ عن طريق “التماسيح”
تخبرنا وثائق متروخين المهربة من أرشيف الكي جي بي، والقابعة الآن في كلية تشرشل بجامعة كامبريدج، أن سلوك السادات أحدث ارتباكًا شديدًا للسوفييت، جعل تفسيره صعبًا، فقد كان دائمًا يخاطبهم بعكس ما يصلهم من معلوماتٍ عن طريق “التماسيح”
الذين بلغ بهم الأمر إلى حد التسجيل للسادات وإبلاغ محتوى التسجيلات للسفير الروسي.
بحسب المنشور، انقسم الكي جي بي بين:
كيربشنكو، الذي أدار ملف سامي شرف – بحسب زعم الأسماء المذكورة أعلاه – وقد كان على قناعة بأن السادات سيطرد الخبراء الروس ويُضعف حضور الروس في مصر من جانب،
بحسب المنشور، انقسم الكي جي بي بين:
كيربشنكو، الذي أدار ملف سامي شرف – بحسب زعم الأسماء المذكورة أعلاه – وقد كان على قناعة بأن السادات سيطرد الخبراء الروس ويُضعف حضور الروس في مصر من جانب،
والجانب الآخر هو انطباع السفير الروسي فينوجرادوف الذي أكد على أن الصراع داخل مصر هو صراع نفوذ وأن تطويع السادات لا يزال ممكنًا.
مع وصول معلومات مؤكدة من الفريق محمد فوزي تؤكد أن السادات فتح قناة سرية مع الأمريكيين (فوزي واجه السادات بالأدلة وقد وبخه السادات)
مع وصول معلومات مؤكدة من الفريق محمد فوزي تؤكد أن السادات فتح قناة سرية مع الأمريكيين (فوزي واجه السادات بالأدلة وقد وبخه السادات)
، تم استدعاء كل طاقم الكي جي بي في مصر إلى موسكو للنقاش حول نوايا السادات، إلا أن لقاءً خطيرًا حدث قبل سفرهم تسجله كل المصادر: ذهبت “التماسيح” للقاء كيربشنكو والسفير فينوجرادوف في بيت الأخير.
اتفق التماسيح وعقدوا العزم بالفعل على “التخلص” من السادات في حركة انقلابية تسيطر على مفاصل الدولة الحيوية في ليلة.
أهال الروس أن التماسيح قد “أبلغوهم” بما تقرر، دون تنسيق، فسافر الفريق إلى موسكو وأخبروهم بكل شئ
أهال الروس أن التماسيح قد “أبلغوهم” بما تقرر، دون تنسيق، فسافر الفريق إلى موسكو وأخبروهم بكل شئ
يقول نيقولاي ليونوف، المسؤول عن تقارير المنطقة في موسكو، إن السفير قد أصابه الخوف من تبعات الانقلاب
ولكن يبدو أن قناة أخرى للخارجية الروسية قد أرسلت إشارات مطمئنة حول نوايا السادات، فتقرر ألا يتم دعم محاولات التخلص من السادات إلى أن يتخذ هو خطواتٍ ضد مصالح السوفييت
ولكن يبدو أن قناة أخرى للخارجية الروسية قد أرسلت إشارات مطمئنة حول نوايا السادات، فتقرر ألا يتم دعم محاولات التخلص من السادات إلى أن يتخذ هو خطواتٍ ضد مصالح السوفييت
هنا يبدو أن الأمر قد أغضب كيربشنكو الذي أبلغهم ، بحسب زخاروف، بمعلوماتٍ محددة مصدرها فريق يشمل سامي شرف، حول نوايا السادات طرد الروس من مصر، ولكن لم يُسمع له.
فلما جاء الخامس عشر من مايو، كانت مفاجأة رهيبة أربكت منظومة المخابرات الروسية
فلما جاء الخامس عشر من مايو، كانت مفاجأة رهيبة أربكت منظومة المخابرات الروسية
لدرجة سحبت معها السفير وعاقبته بتحويله لعملٍ إداري بعد أن تسببت تطميناته في سوء تقدير الوضع، وعدم السماع لكيربشنكو الذي فقد هو الآخر تماسيحه القابعة في سجون ثورة التصحيح.
الانتقام من اليسار :
تجمع المصادر على مقولة: “لم نكره زعيمًا عربيًا في تاريخنا أكثر من السادات”.
فبعد حرب أكتوبر وفقدان الروس نفوذهم في مصر، بدا أمامهم حتمية الانتقام من خديعة السادات وأشرف مروان لهم.
تذكر الوثائق إطلاق عملية لتحطيم صورة السادات ومروان،
تجمع المصادر على مقولة: “لم نكره زعيمًا عربيًا في تاريخنا أكثر من السادات”.
فبعد حرب أكتوبر وفقدان الروس نفوذهم في مصر، بدا أمامهم حتمية الانتقام من خديعة السادات وأشرف مروان لهم.
تذكر الوثائق إطلاق عملية لتحطيم صورة السادات ومروان،
تحديدًا في مايو 1975، بإشراف فلاديمير كازاكوف.
فتم دفع مبالغ سخية لصحافيين في عدة مناطق في الشرق الأوسط، أهمها مصر ولبنان وليبيا وسوريا، للكتابة المستمرة ضد مروان. شملت شائعات عن تواطؤ السعودية ومروان في صفقات سلاح مشبوهة وعمالة للمخابرات الأمريكية.
فتم دفع مبالغ سخية لصحافيين في عدة مناطق في الشرق الأوسط، أهمها مصر ولبنان وليبيا وسوريا، للكتابة المستمرة ضد مروان. شملت شائعات عن تواطؤ السعودية ومروان في صفقات سلاح مشبوهة وعمالة للمخابرات الأمريكية.
بل أن الأمر وصل إلى إطلاق شائعات تمس شرف مروان والسيدة جيهان السادات.
في نفس الوقت، تم تغذية العداء للسادات في مصر من خلال تمويل الأحزاب والجماعات اليسارية لزعزعة صورة انتصار أكتوبر والضغط على نقطة العروبة وخيانة التطبيع.
في نفس الوقت، تم تغذية العداء للسادات في مصر من خلال تمويل الأحزاب والجماعات اليسارية لزعزعة صورة انتصار أكتوبر والضغط على نقطة العروبة وخيانة التطبيع.
يحتوي المجلد السادس ميزانية خصصتها الكي جي بي لليساريين في مصر، وتم تسليم التمويل لليساريين من خلال ضابط اتصال في السفارة.
كانت الخطة الجديدة هي استحالة اختراق مصر من خلال حزب شيوعي، فتم استخدام التنويعات اليسارية لتحقيق الأمر.
كانت الخطة الجديدة هي استحالة اختراق مصر من خلال حزب شيوعي، فتم استخدام التنويعات اليسارية لتحقيق الأمر.
فلما أعلن السادات عودة الحياة الحزبية سنة 1976، قدم الاتحاد السوفييتي دعمًا ماديًا، بحسب الوثيقة رقم k-26, 11,15، تم تسليم المبالغ يوم الخامس من يونيو 1976، و بحسب هذه الوثيقة أيضًا فقد كان من بين من تسلمها رئيس حزب التجمع.
الخلاصة :
كل ما قيل أعلاه هو في عهدة مذكرات الضباط السوفييت والأمريكيين، بالإضافة إلى وثائق متروخين المسربة، وبالتالي نحن لسنا بصدد إطلاق أحكام، بل نترك هذه المادة للقراء.
لكن ما يمكننا قوله هو أن ثورة التصحيح في 15 مايو لم تكن مجرد صراع على السلطة
كل ما قيل أعلاه هو في عهدة مذكرات الضباط السوفييت والأمريكيين، بالإضافة إلى وثائق متروخين المسربة، وبالتالي نحن لسنا بصدد إطلاق أحكام، بل نترك هذه المادة للقراء.
لكن ما يمكننا قوله هو أن ثورة التصحيح في 15 مايو لم تكن مجرد صراع على السلطة
وإنما كانت معركة تطلبت من السادات أن يتعامل فيها مع من يقف خلف تلك المجموعة (دون تحديد منا عن طبيعة العلاقة مع تلك المجموعة).
لقد كان السادات يريد أن يدخل الحرب بإعداد عسكري وتسليحي قوي وبموازنات سياسية قادر بها على أن يمتلك أوراقا يفاوض عليها. فاستطاع بما يمكنني تسميته معجزةً في خداع الأمريكيين والروس معًا، دون خسارة أي منهما، وخرج من المعركة رابحًا.
إن فاصل معركة ثورة التصحيح مع الروس لم يكن أقل خطورةً من معركة الخداع الاستراتيجي التي جرد بها السادات الأمريكيين، كما قال كسنجر، من أعز سلاح لهم، وهو القدرة المخابراتية على التنبؤ بما يحدث.
لم يحجب السادات أي معلوماتٍ عن أي طرف لأنه لما جاء للحكم لم يكن يملك من أمر مؤسساته الأمنية ما يتيح له ذلك، وقد أيقن ذلك تمامًا. إلا أنه في نفس الوقت نجح في فرض التفسير الذي أراد هو للروس والأمريكيين أن يعتقدوه،
فكانت خدعة 15 مايو و6 أكتوبر جزءًا من معركة طويلة استحال على جميع أطرافها التنبؤ بما في جعبة السادات.
انتهى البحث للباحث مينا منير بوابه دقائق
daqaeq.net
daqaeq.net
جاري تحميل الاقتراحات...