خُوَيْلد
خُوَيْلد

@khoild___

13 تغريدة 5 قراءة Apr 27, 2021
أجد هذه التغريدة فرصة لأوجّه بعض الخواطر لإخوتي الدعاة حول "غياب خطاب النذارة اليوم".. من توفيق الله للعبد اقتفاء أثر الوحي في دعوته مضمونًا وقدرًا، وأن يكون نظره للواقع نظرة من يريد إسباغ معاني الوحي عليه وإنزالها، وأن يكون على يقين بملائمة تلك المعاني لواقع الناس مهما ابتعدوا =
فعلى الداعية كما أنه يراعي مضامين الوحي في دعوته، أن يراعي مقدار حضورها فيه، والناظر في لفظ النذارة باشتقاقاته في القرآن يجده أكثر من البشارة، مع أن القرآن نزل أول ما نزل على قومٍ كفار معاندين، فليس لأحد أن يحاجّ في موازناته الدعوية بحال الناس اليوم من الغفلة والإقبال على الدنيا=
ثم الناظر في أعلم الناس بالوحي وأصدقهم انعكاسًا له وأبعدهم عن التكلّف وأحسنهم عملًا، يجد الخوف قد تمكّن من قلوبهم، ففي الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا ولضحكتم قليلًا"، وكان الصدّيق رضي الله يرى الطير فيغبطه أن لا حساب عليه ولا تكليف!.=
وكان عمر رضي الله عنه في احتضاره يتمنى لو خرج منها كفافًا لا له ولا عليه!، ويذكر الله في القرآن خبر أحد أنبيائه وخشيته لربّه: ﴿قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم﴾، فمن نظر في الوحي فكان خروجه منه بقلبٍ غير خائفٍ ولا وجِل، فنظره قاصر وتحقيقه لمراد الله منه ناقص.=
ويخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام عن أحد بواعث النفس على القيام وترك التهاون والقعود، وهو خوف الله سبحانه؛ فقال: "من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة"، فمن رأى في سيره إلى الله تباطؤ وكسل، فليعلم أنه أُوتي من نقص خوفه مما هو مقبل عليه.=
وهذا من الفقه بالنفس، فليست كل النفوس يبعثها المطلوب على العمل، بل منها ما لا يبعثها قرب المرغوب وكثرته ويسر نواله؛ فإن من النفوس ما هي بليدة قاعدة، لكن النفوس كلها تنبعث إذا قرب منها المخوف وحضر، وهذا ظاهر حتى في دنيا الناس في قوانينهم وضبط تجمّعاتهم.=
وكان السلف على فقه كبير بهذا المعنى، فكانوا يقولون أن الخوف إذا خرج من القلب فسد، فالخوف في القلب حصن له من المواد الفاسدة، فالخائف الحذر لا يتساهل وإنما يقطع مادة الشر عن قلبه عند أول ورودها، فأول الشر خواطره، والخائف يبالغ في صدّها فيمنع عن نفسه ما يليها من إرادة الشر فمواقعته=
بل نجد في خطاب الوحي أن الترهيب ليس علاجًا فقط في إصلاح السير، بل يُقشع به أباطيل الأفكار، فإن بوّابة الإرجاء الكبرى الظن بأن القناعات رهينة المعرفة فحسب، دون فاسد الإرادات الأهواء والمطامع والحظوظ، وفي خبر موسى عليه السلام مع سحرة فرعون وترهيبه إياهم وتخويفهم بالله شاهد على هذا=
لا أحد ينكر أهمية فقه الداعية بالمزاج الذوقي العام لدى الناس ومراعاته، لكن المحذور أن يعود ذلك على شيء من أصول الدعوة بالإبطال أو الانقاص، ومعالجة هذا يكون بترميم ثقة نفسه ببضاعته، وأن لا يبالغ في تقديراته عند اتساع تجربته ومعرفته فيحمله ذلك أن يستدرك على الوحي من حيث لا يشعر.=
بل مما يقرر هذا الأصل الكبير أن الناظر في الوحي يجد أن أكثر ما في القرآن ذكر "أسماء الله وصفاته"، وأكثر من يعظنا الله به منها عِلمه سبحانه، وهذا الأمر ينطوي على ترغيبٍ وترهيب، ويلي الأمر الأول في الكثرة حضورا ذكر "اليوم الآخر" وفيه قوله تعالى: ﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله﴾=
خطاب النذارة ليس مرتبطًا بطقوس معينة، كرفع الصوت والنحيب وحضور المؤثرات وذكر بعض القصص الخارجة عن المألوف وغير ذلك، وليس الغرض منه زجر الناس وتخويفهم تخويفاً محضا وذرف دموعهم، بل تليين القلوب حتى تتهيأ فيكون غرس أصول الإيمان فيها أمكن، فتنبعث للعمل والاستعداد، وتديم المحاسبة.=
ثم مع هذه الموجات الجارفة إلى الانغماس في ملذّات الحياة، فإني أقول لك أيها الداعية لا تتخلَّ عن أمكن أدواتك بعد الإيمان بالله للخروج بالناس إلى أنوار الهداية، مِن المعاني الكبرى المنطوية عليها فطرهم والشاهدة عليها أبصارهم، مِن الإقبال على الموت فالحساب ثم المصير، وعظهم بها وذكّر.
أُتي *

جاري تحميل الاقتراحات...