فنّ الحرب ⚔️
فنّ الحرب ⚔️

@K_I_K_99

26 تغريدة 27 قراءة Apr 21, 2021
حدث في مثل هذا اليوم: 9 #رمضان 212هـ، أسد بن الفرات بن سنان الشيخ المجاهد، قاضي القيروان رحمه الله .. يغزو صقلية في "إيطاليا".. ويفتحها.. ⚔️ 👇
أن يكون المسلم متميزًا في باب معين من أبواب الخير فهذا شيء عظيم يستحق أن يثني عليه الناس به ويذكروه، ولكن أن يكون المسلم فقيهًا و
عالمًا، ومحدثًا، ومجاهدًا، وأميرًا للجيوش، وقائدًا لأساطيل أعالي البحار، وقاضيًا، ومعلمًا، ومدافعًا عن السنة، وقامعًا للبدعة، ومرابطًا في سبيل الله حتى الموت، فهذا النوع من الرجال الأبطال لا بد أن نؤرخ له وبماء الذهب، خاصة أن أبناء المسلمين الآن لا يعرفون عنه شيئًا..
هو الأمير
الكبير، والفقيه البارع، والمحدث الثقة، وأمير المجاهدين: أبو عبد الله "أسد بن الفرات بن سنان" ولد سنة 142 هجرية بمدينة "حران" من أعمال ديار بكر بالشام، ثم انتقل إلى بلاد المغرب مع أبيه "الفرات بن سنان" سنة 144 هجرية الذي كان قائدًا للمجاهدين الذين خرجوا لنشر الإسلام في بلاد المغرب
واستقر مع أبيه بالقيروان، ونشأ من صغره على حب العلم، وحفظ كتاب الله، حتى أتمه في مرحلة الصبا، وأصبح هو نفسه معلمًا للقرآن وهو دون الثامنة عشرة، ثم بدأ في تحصيل العلوم الشرعية حتى برع في الفقه.
وبعدها قرر أسد أن ينتقل إلى المشرق في رحلة علمية طويلة ابتداء من سنة 172هجرية، وهو في
شرخ الشباب.
دخل أسد بن الفرات المدينة النبوية لسماع "الموطأ" من الإمام مالك مباشرة، وكان الإمام مالك له ترتيب خاص في إسماع "الموطأ" حيث كان يقسم السامعين إلى ثلاثة أفواج:
الفوج الأول: أهل المدينة.
الفوج الثاني: أهل مصر.
الفوج الثالث: بقية الناس.
ولاحظ الإمام مالك حرص أسد على سماع
الحديث وشغفه بالعلم، فأدخله مع الفوج الثاني - أهل مصر، ولكن أسد بن الفرات كان شديد الشغف بالعلم، فاستقل مرويات مالك في "الموطأ" واستزاده في السماع، فقال له مالك: "حسبك، ما للناس؟!"، فخشي أسد أن يطول به الأمر ويفوته ما رغب فيه من لقي الرجال وسماع الحديث، فارتحل إلى العراق بعدما
انتهى من سماع "الموطأ".
وبعد رحلة علمية شاقة وحافلة بالفوائد، تنقل فيها بين المدينة ومكة وبغداد والكوفة والفسطاط في طلب العلم حتى صار من كبار علماء المغرب وإمامًا من أئمة المسلمين بلغ درجة الاجتهاد فلا يفتي إلا بعد النظر والترجيح، ولا يتقيد بمذهب معين.
لم يكن أسد بن الفرات من
هذا النوع السلبي من العلماء الذين يقبعون خلف كتبهم ومصنفاتهم، ولا يتحركون بعلمهم بين الناس، بل كان من العلماء العاملين وأيضًا من كبار المجاهدين في سبيل الله، فلقد ورث حب الجهاد عن أبيه الذي كان أمير مجاهدي حران، والذي حمل ولده الصغير "أسدًا" وخرج به مجاهدًا في سبيل الله؛ لذلك نشأ
أسد في بيت جهاد وبطولة وفداء، فشبّ عالمًا نابهًا وأيضًا جنديًا جريئًا، وبحارًا مغامرًا، حتى إنه في سن الشباب وقبل أن يقوم برحلته العلمية المشهورة اشترك في العديد من المعارك البحرية في مياه البحر المتوسط، ويقول العلامة ابن خلدون: إن أسد بن الفرات هو الذي افتتح جزيرة "قوصرة" وهي
جزيرة صغيرة تقع شرقي تونس الآن.
كانت إفريقية أو تونس واقعة تحت حكم دولة الأغالبة التي استقلت بحكم البلاد منذ سنة 184 هجرية ولكنها كانت تابعة للدولة العباسية، وكانت هذه الدولة في بداياتها معنية بأمر الجهاد ونشر الإسلام، فاتجه ولاة هذه الدولة بأبصارهم ناحية الجزر الكبرى الواقعة في
منتصف البحر المتوسط مثل جزيرة صقلية، كورسيكا، سردانية، وغيرهم ولكن التركيز الأكبر كان على جزيرة صقلية.
تعتبر جزيرة صقلية أكبر جزر البحر المتوسط مساحة وأغناها من حيث الموارد الاقتصادية وأفضلها موقعًا، ولقد انتبه المسلمون لأهمية هذه الجزيرة مبكرًا منذ عهد الصحابة، حيث حاولوا فتحها
في عهد عبد الله بن سعد رضي الله عنه ثم معاوية بن حديج، ثم عقبة بن نافع، ثم عطاء بن رافع، وكان آخرهم عبد الرحمن بن حبيب وذلك سنة 135هجرية، ثم وقعت الفتن الداخلية ببلاد المغرب بين العرب والبربر وانشغل المسلمون عن جهاد العدو الذي انتهز الفرصة وأغار على سواحل المغرب عند منطقة إفريقية
مما جعل المسلمين يتوحدون ويتهيئون للرد على هذا العدوان البيزنطي.
في هذه الفترة وقعت العديد من الاضطرابات بجزيرة صقلية والتي كانت تتبع الدولة البيزنطية حيث وقع نزاع على حكم الجزيرة بين رجلين أحدهما اسمه "يوفيميوس" وتسميه المراجع العربية "فيمي"، والآخر اسمه "بلاتريوس" وتسميه
المراجع العربية "بلاطه" وانتصر "بلاطه" على "فيمي" الذي فر هاربًا إلى إفريقية واستغاث بزيادة الله بن الأغلب حاكم إفريقية وطلب منه العون في استعادة حكمه على الجزيرة، فرأى زيادة الله فيها فرصة سانحة لفتح الجزيرة.
استنفر "زيادة الله" الناس للجهاد وفتح صقلية، فهرعوا لتلبية النداء و
جمعت السفن من مختلف السواحل وبحث ابن الأغلب عن من يجعله أميرًا لتلك الحملة البحرية الكبيرة، فلم يجد خيرًا ولا أفضل من الأسد الهصور والبطل المقدام "أسد بن الفرات" على الرغم من كبر سنه في هذه الفترة "ربيع الأول 212 هجرية" أي سبعين عامًا، وكان هذا الاختيار دليلًا على فورة المشاعر
الإسلامية في هذه الفترة والأثر الكبير لعلماء الدين الربانيين على الشعب المسلم، وكان أسد بن الفرات يبدي رغبته في هذه الغزوة كواحد من المسلمين لأنه كان محبًا للجهاد عالمًا بمعاني ومقتضيات آيات النفرة في سبيل الله ودور العلماء في ذلك، وأيضًا كان يكره الشهرة والرياء، ولكن ابن الأغلب
على أن يتولى قيادة الحملة العسكرية وأيضًا يكون قاضيًا للحملة أي جمع له القيادة الميدانية والروحية لعلمه بمكانة أسد بن الفرات وأثره في الناس وحبهم له.
خرج أسد بن الفرات من القيروان في حملة عسكرية كبيرة قوامها عشرة آلاف من المجاهدين المشاة وسبعمائة فارس بخيولهم في أكثر من مائة
سفينة كبيرة وصغيرة خرجت من ميناء سوسة على البحر المتوسط، وسط جمع عظيم من أهل البلد الذين خرجوا لتوديع الحملة المجاهدة.
تحرك الأسطول الإسلامي في سنة 212 هجرية متجهًا إلى جنوبي جزيرة صقلية، وبالفعل وصلت الأساطيل المسلمة إلى بلدة "فازر" في طرف الجزيرة الغربي بعد ثلاثة أيام من
الإبحار، ونفذ أسد بن الفرات على رأس جنده إلى شرقي الجزيرة، وهناك وجد قوة رومية بقيادة الثائر "فيمي" الذي طلب مساعدة "ابن الأغلب" لاستعادة حكمه على الجزيرة، وعرض "فيمي" على أسد بن الفرات الاشتراك معه في القتال ضد أهل صقلية، ولكن القائد المسلم العالم بأحكام شريعته المتوكل على الله
عز وجل وحده، يرفض الاستعانة بالمشركين تأسيًا بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي رفض الاستعانة باليهود يوم أحد..
استولى "أسد" على العديد من القلاع أثناء سيره مثل قلعة بلوط، والدب، والطواويس، حتى وصل إلى أرض المعركة عند سهل "بلاطه" نسبة إلى حاكم صقلية، وعندها أقبل "بلاطه" في جيش عدته
مائة وخمسون ألف مقاتل، أي عشرة أضعاف الجيش المسلم، وعندها قام أسد بن الفرات في الناس خطيبًا، فذكرهم بالجنة، وموعود الله عز وجل لهم بالنصر والغلبة، وهو يحمل اللواء في يده، ثم أخذ يتلو آيات من القرآن، ثم اندفع للقتال والتحم مع الجيش الصقلي الجرار، واندفع المسلمون من ورائه، ودارت
معركة طاحنة لا يسمع منها سوى صوت قعقعة السيوف وصهيل الخيول والتكبير الذي يخترق عنان السماء، والأسد العجوز أسد بن الفرات الذي جاوز السبعين يقاتل قتال الأبطال الشجعان حتى إن الدماء كان تجرى على درعه ورمحه من شدة القتال وكثرة من قتلهم بنفسه وهو يقرأ القرآن ويحمس الناس، وتمادت عزائم
المسلمين حتى هزموا الجيش الصقلي شر هزيمة، وفر "بلاطه" من أرض المعركة وانسحب إلى مدينة "قصريانة" ثم غلبه الخوف من لقاء المسلمين ففر إلى إيطاليا وهناك قتل على يد بني دينه بسبب جبنه وإحجامه عن قتال المسلمين.
و بعد هذا الانتصار الحاسم واصل أسد بن الفرات زحفه حتى وصل إلى مدينة
"سرقوسة" ومدينة "بلرم" فشدد عليها الحصار وجاءته الإمدادات من "إفريقية" واستطاع أسد بن الفرات أن يحرق أسطول البيزنطيين الذي جاء لنجدة "بلرم" وأوشكت المدينة على السقوط، ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان حيث حل بالمسلمين وباء شديد أغلب الظن أنه الكوليرا أو الجدري، فهلك بسببه عدد كبير من
المسلمين في مقدمتهم القائد المقدام "أسد بن الفرات" فلاقى حمام الموت مرابطًا مجاهدًا بعيدًا عن أهله وبيته وحلق دروس العلم، مجافيًا لفراشه وداره، مؤثرًا مرضاة ربه ونصرة لدينه، وذلك في شعبان سنة 213 هجرية، فجمع بين خصال الخير كلها من علم وورع، وجهاد وشهادة،
فيا ليت علماء الأمة يتعلمون شيئًا من سيرة هذا البطل الذي سقط من ذاكرة المسلمين الآن.
المراجع:
1- الكامل في التاريخ.
2- تاريخ الطبري.
3- البداية والنهاية.
4- سير أعلام النبلاء.
5- تذكرة الحفاظ.
6- الديباج المذهب.

جاري تحميل الاقتراحات...